البطريرك ومَعطوبو الوطنيّة

إزاءَ منهجيّةِ مُتَعاطي الهمجيّةِ والتّهديداتِ الدونكيشوتيّةِ، بالإضافةِ الى تهريجِهم السياسيّ المستَهجَن، ما يؤكّدُ على انسدادِ منافذِ نخاعاتِهم، لا بدَّ من عظَةٍ تشكّلُ حَدَثاً، وهي وِجدانٌ وطنيٌّ صاغَه البطريركُ الرّاعي بالكلمات.

يا سيّدَنا،

وأنتَ العَروفُ بأزمنةِ الجُحود، تلك التي تمادَت الى غيرِ حَدّ، فزاغَ معها خطُّ الإتّزانِ، وغدَتِ المقاييسُ مقلوبةً، والمفاهيمُ الوطنيّةُ ممسوخة، لم تقفْ ساكناً أمامَ هرطقاتِ المُغرِضينَ، اولئكَ الذين يتآمرونَ على لبنانَ بمشروعٍ هجينٍ، قصداً، لإطاحةِ الكيانِ، وفرضِ خطّةٍ انتدابيّةٍ، باتَت مفاصلُها معروفة. وقد انبرَيتَ، بشجاعةٍ موصوفة، الى تبيانِ الخطرِ العارمِ الذي يُحدِقُ بالوطنِ وبأهلِه، جرّاءَ المواقفِ العبثيّةِ التي يطلقُها مَعطوبو الوطنيّة، ما يجعلُ الأزمةَ، عندَنا، لا يُرى منها سوى انسدادِ الأفق.

وصفتَ التّخريبَ المستمرَّ على أنّه غَرَضٌ مشبوهٌ لا يمكنُ تَمويهُهُ بأيِّ عنوان، إذ باتَ جَلِيّاً ما ينسجُهُ الطّارئونَ مع المُزَيَّفينَ البلديّينَ لاستباحةِ الدولةِ، والقضاءِ على الوطنِ. لقد رفضتَ أن يستدعيَ مشهدُ القبورِ مشهدَ قبورٍ آخر، وأن نتجوَّلَ في كَفَنٍ ينزفُ وطناً، وأن تصبحَ هويّتُنا مجرَّدَ مُستندٍ يابس.

أنتَ وحدَكَ، يا سيّدنا، في غَمرةِ المتلوِّنينَ في السّلطةِ، وفي خارجِها، هؤلاءِ الذين يتقمّصونَ دَورَ الوطنيّين، تمثّلُ صوتَ الناس، وتتماهى مع أَرَقِهم، لتكونَ طليعيّاً في نُصرةِ الحقِّ، وسيادةِ كرامةِ الوطن. فأمامَ تخرّصاتِ السّاسةِ، والأَبواقِ المُرتَهَنة، الذين يشتركون بقاسمٍ واحدٍ هو المنفعة الرّخيصة، وإهدار الكيان، وقفتَ مستخِفّاً بمضامينِهم المُهَشَّمة، وغَثَيانِهم العقليّ، وثرثراتِهم الدراميّة، لتُعلنَ، وبِوَقعٍ حادّ، أنّ مهاتراتِهم العقيمةَ، وتهويلاتِهم المتكرِّرة، هي قتلٌ مُتَعَمَّدٌ لمفهومِ الدولة، واغتيالٌ سافرٌ للحريّةِ، والعدالةِ، والسّلامِ، والاستقرار.

صوتكَ الهادر يدعو الى عدمِ القَبولِ بأن يكون الإذعانُ هو القاعدة، فالمطلوبُ الجدّيُّ هو رفضُ الواقعِ المفروضِ في ظلِّ السكّينِ الذي يُلامسُ الرِّقاب. فلا بدَّ، إذاً، من تَمَرُّدٍ موصول، وهزّةٍ نوعيّةٍ توقِظُ الغافلينَ عمّا يُنسَجُ للوطنِ من ويلات، وتقضُّ مضاجعَ الذين يعتدونَ على مكوّناتِ السيادة. آنَ الوقتُ للخروجِ من الصَّمت، ورفضِ النَّسَقِ التّحريضيِّ الذي يعتمدُهُ بعضُهم، لعزلِ لبنانَ عن محيطِهِ، وعن العالَم، وسَوقِهِ صاغِراً الى استعمارٍ يجعلُ من كيانِهِ مجرَّدَ ذكرى.

معكَ، سيّدنا، لا نجدُنا أمامَ واحدٍ من الذين يُخفون التباساتٍ كثيرة، مَهابُّ ريحِهم عشوائيّةٌ لا نعرفُ الى أين ستتَّجه، فأنتَ تُنزِلُ في اليأسِ الرّجاءَ، لتكونَ، في هذا اللّيلِ الطويل، مصباحاً جليلاً يستمدُّ زيتَهُ من عراقةِ بكركي في الوطنيّةِ، وإرثِها في الرقَيّ، ومقامِها في آياتِ القداسة. ومتى لم تكن بكركي عاملاً أساسيّاً في نَقلِ البلادِ من الظّلمةِ الى السّيادةِ القاهرة، لتكونَ أمّةً مُطلَقَةَ الحريّةِ ترفضُ مؤامرةَ الإِقصاء؟

وحشتنا النّازفة، ونحنُ أحياء، قد سفكَت صفوةَ حياتِنا فلم يَعُدْ في عِدَّتِها رَونقُ فرح، وجعلَت وجهَ أيّامنا قبيحاً، وأَيبَسَت خضرةَ أَرضِنا، وأضرمَت، في نفوسِنا، نارَ القهرِ، والضّيقِ، والعَوَزِ، وحِرَقَ اليأسِ والهجرة… لكن، مهما ركضَت الليالي، وتناسخَ الألمُ في النّفوس، فإنّ مَنْ أَلبَسَ أيّامَنا مرارةً، وقَلقاً، وغربةً، لن يسعدَ بنتائجِ ارتكاباتِه، فالحقُّ مُستقيمُ الوزن، يمتهنُ إعزازَ الوطنيّةِ مهما اشتدَّ الإحساسُ بكراهةِ الأحوالِ في الوطن، والامتعاضُ من خُبثِ ما يُحاكُ له من مصير.

يا سيّدنا،

أيّها الوطنيُّ العَقول، المُنتَمي الى مواقعِ الصَّواب، والمُدافعُ عن لبنانَ الذي هو الأَذهَبُ في مسالكِ قلبِك، إنّ مواعظَكَ، وإرشاداتِكَ، وتوجيهاتِك، هي قامةُ الرّجاءِ، وأَوجُ القيمةِ في التّعاطي مع قضيّةِ لبنان، وآياتٌ كلّما رُوينا من وَصلِها، ازدَدنا إليها ظَمَأً. والواجِبُ أن يُفرَضَ الالتزامُ برسالةِ مضامينِ مواعظِك، وقواعدِها، فأنتَ، وحدَك، في زمانِ وطني المُرّ، جديرٌ بالثّقة. ​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل