الإيجارات الجديدة بالدولار أو بالتراضي حسب المناطق

في ظل الانهيار المتمادي وتدهور الأزمة وتفلُّت سعر الدولار وتراجع الليرة المتدحرج، وسط تخبُّط المسؤولين على المستويات كافة وعدم وجود بوادر جدية للخروج من هذا النفق، بات من الطبيعي أن يتم تسعير السلع والبضائع والخدمات، على اختلافها، على الدولار أو ما يوازيه بالليرة بحسب سعر السوق السوداء.

وكان لا بد أن يطاول الأمر، في مرحلة ما، سوق الإيجارات الجديدة، أسوة بسائر الأسواق، إذ بدأنا نشهد تصاعداً في إتمام هذه العقود على أساس الدولار، حتى ولو كانت موسمية. لكن، ما هو الصحيح وما المُبالغ فيه بالنسبة لهذه المسألة؟ وهل نحن بصدد قرار عام من قبل المالكين أم أن القضية تتعلق بحالات خاصة غير معمَّمة؟

رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجَّرة باتريك رزق الله، لا ينفي أن “بعض المالكين يطالبون بأن تكون عقود الإيجارات الجديدة بالدولار”، مشيراً إلى أن “كل الأسواق التجارية والخدمات المختلفة والأسعار اليوم، تعمل بحسب سعر الدولار في السوق الموازية، والأمر ينسحب بشكل طبيعي على سوق العقارات والإيجارات”.

ويضيف رزق الله، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، “في حال خربت حنفية أو قفل باب أو انكسر لوح زجاج في الشقة مثلاً، يدفع المالك بدل تصليح الأضرار واستبدال الأدوات التي تعطلت بالدولار. فأبسط الأعطال التي ربما يكلِّف تصليحها 50 دولاراً مثلاً، بات يوازي أكثر من مليون ليرة، ولا نعرف كم يبلغ في المستقبل مع تفلُّت سعر الدولار”.

ويلفت، إلى أن “المالكين تحمَّلوا كثيراً أسوة بسائر المواطنين منذ بداية الأزمة قبل سنتين ونيِّف، ونحن أيضاً (اختنقنا)”، مشدداً على أنه “لا يجب أن ننسى أن المالكين يعانون أساساً من الإجحاف في الإيجارات القديمة، خصوصاً غير السكنية، إذ لا يزال لدينا محلات ومكاتب بدل إيجارها نحو 50.000 ليرة لبنانية شهرياً، وحتى هذا المبلغ الزهيد الذي كان يساوي نحو 30 دولاراً في الشهر بات يساوي أقل من 3 دولارات”.

ويشير، إلى أنه “حتى الإيجارات الجديدة بالليرة في السنوات الأخيرة، فقدت أكثر من 95% من قيمتها، تبعاً لانهيار الليرة وارتفاع معدلات التضخم التي لامست الـ1.500%. فإما أن تبقى أسعار السلع والبضائع في السوبرماركت والمحلات التجارية فضلاً عن سائر الخدمات على حالها ولا تُحتسب على الدولار، أو لا يمكن أن نستمر على هذا الوضع. أما أن يقبض المالك بدل الإيجار باللبناني، فكيف سيُنجز أعمال الصيانة وتصليح الأضرار في البيت المؤجَّر والتي تُدفع جميعها بالدولار؟”.

ويؤكد رزق الله، أن “المالكين ملتزمون بتنفيذ عقود الإيجارات الحالية كما تمَّت عند التوقيع على العقد بين المالك والمستأجر، وحتى انتهاء مدة العقد بين الطرفين. فالمستأجر الحديث في الفترة الماضية لشقة بـ500.000 ل.ل شهرياً، قبل اندلاع الأزمة، ومدة العقد 3 سنوات مثلاً، نحن لا نزال كمالكين نلتزم ببنود العقد طيلة مدته، حتى ولو خسرنا”.

ويشدد، على أن “هذا ما يحصل عملياً بالنسبة لعقود الإيجار الجديدة، إلا في حال لجأ المالك للتفاوض بشكل رضائي مع المستأجر لرفع نسبة الإيجار نظراً لتراجع قيمة الليرة وارتفاع الدولار. أما إذا لم يوافق المستأجر، لا حل أمام المالك سوى انتظار انتهاء مدة العقد، ففي النهاية، يُلغى العقد في حال قام أحد الطرفين بإلغائه، أو رفض تجديده عند انتهاء مدة الإيجار المنصوص عنها في العقد”.

ويضيف، “الأسعار مثلاً تتغيَّر في السوبرماركت على مدار الساعة، وفاتورة المولِّد 3 ملايين ليرة، وقِس على ذلك، فكيف سيتمكن المالك من تأمين معيشته من الإيجار؟”، لافتاً إلى أن “الدولة دعمت المستأجرين على حساب المالكين لمدة 40 سنة بالنسبة للإيجارات القديمة. فحين يدفع المستأجر البدل 20.000 ل.ل شهرياً وهو يساوي 500.000 ل.ل اليوم، هذا يعني أن الدولة دعمت المستأجر من جيب المالك”.

ويشير، إلى أن “الدولة عاجزة عن الدعم، ولا ثبات في سعر الدولار الذي يتغيَّر بين يوم وآخر بل بين ساعة وأخرى، بالتالي كيف يُطلب من المالك أن يرتبط بعقد إيجار بالليرة في ظل هذا الواقع؟”، معتبراً أنه “من حق المالك أن يخاف ويقلق لأنه يلتزم تجاه المستأجر بعقد على 3 سنوات وملزم بتنفيذه”.

ويسأل، “إذا وقَّع المالك مع مستأجر على عقد إيجار لشقة بمليوني ليرة شهرياً، والتي توازي أقل من 100 دولار اليوم، فما الذي يضمن أن يحافظ الإيجار على قيمته الفعلية بعد شهر؟”. ويضيف، “المليونا ليرة قد تصبح قيمتها بعد شهر 50 دولاراً أو أقل ربما، فمن يضمن ذلك ومن يتحمَّل هذه الخسارة، ومن يؤمِّن معيشة المالك وحاجات عائلته؟”.

ويقول، “ما البديل اليوم في ظل الواقع الذي أشرنا إليه، عن تقاضي المالك لبدل الإيجار بالدولار؟ إلا إذا كانت الدولة قرَّرت الاستغناء عن خدمة الإيجار وطلبت من المالكين التوقف عن تأجير الشقق والمحلات!”، لافتاً إلى أن “عدداً من المالكين بدأوا ينكفئون بالفعل عن تأجير عقاراتهم وشققهم ومحلاتهم، ولسان حالهم أنه مهما بلغت قيمة المأجور بالليرة شهرياً اليوم، لا يمكن التكهن بقيمة بدلات الإيجار الفعلية بعد أسبوع أو شهر”.

ويضيف رزق الله، “بات عدد من المالكين يفضِّلون عدم التأجير والتريُّث لمعرفة اتجاه الوضع والتطورات، خصوصاً أن المالك يتحمَّل مسؤولية الترميم والصيانة. فإذا تحطمت مرآة في الشقة مثلاً أو تضرَّر حائط أو أي أمر آخر، كيف يصلحه المالك؟ كل ذلك يسعَّر بالدولار، وقيمة الإيجار كله قد لا توازي ثمن مرآة. فضلاً عن أن أي نزاع قانوني اليوم مع المستأجر قد يكلِّف المالك أضعاف قيمة الإيجار بالليرة، بالتالي يفضِّل عدم التأجير و(وجع الراس)”.

ويشدد رزق الله، على أنه “لا يمكن التعميم والقول إن كل المالكين لم يعودوا يقبلون بتلقي بدل عقود الإيجارات الجديدة إلا بالدولار، فكل حالة بحالتها، والمسألة تختلف بين المناطق. فما يمكن أن يصح في بيروت ربما لا يمكن تعميمه على سائر الضواحي والمناطق”.

ويؤكد أنه، “في النهاية على الجميع، مالكين ومستأجرين، أن يكونوا عقلاء في التعاطي مع الوضع. فلا يمكن للمالك مثلاً أن يطالب من سبق واستأجر شقة بمليون ليرة شهرياً كانت توازي أكثر من 650 دولاراً، أو المستأجر بـ500 دولار شهرياً كانت تساوي نحو 750.000 ل.ل، أن يدفع اليوم 12 أو 15 مليون ليرة بدل إيجار شهري”، مضيفاً أنه “كذلك، لا يمكن للمستأجر أن يقول أنا ألتزم بالعقد وأدفع مليون ليرة بدل إيجار شهري، وهي عملياً توازي أقل من 50 دولاراً اليوم ولا أحد يعلم كم ستساوي غداً بعدما كانت توازي قبل سنتين أكثر من 650 دولاراً”.

ويلفت، إلى أن “هناك ربما حالات خاصة، إذ يتم تأجير بعض الشقق والأبنية في بيروت مثلاً بالدولار، لبعض المؤسسات الدولية، فهذه ميزانياتها بالدولار”، داعياً إلى “التفاهم الرضائي بين المالك والمستأجر وهذا ما يحصل فعلاً. فالمالك لا يمكن أن يمتنع بالمطلق عن تأجير شققه ومحلاته لأنه يريد أن يعيش ويستمر، وكذلك المستأجر، عليه أن يتفهم أوضاع المالكين وظروفهم التي أوضحناها، وأنَّ بدل الإيجارات الجديدة أو تجديد العقود سيكون مرتفعاً عن السنوات الماضية التي سبقت الأزمة”.

ويطالب رزق الله، بـ”تحرير الإيجارات القديمة التي تشكل جزءاً كبيراً من الأزمة، لأنه طالما هناك بيوت ومحلات ومكاتب محجوزة ببدلات شبه مجانية، فبالتأكيد سيحاول المالك تأمين معيشته وعائلته من الإيجارات الجديدة وسيتشدد في هذه الإيجارات لناحية أن تكون بالدولار”، معتبراً أن “الإيجارات القديمة في لبنان توازي الجرائم ضد الإنسانية. فبالتعريف، الجريمة ضد الإنسانية هي أن تتعرَّض مجموعة لظلم ممنهج، وما يتعرَّض له المالكون منذ عقود، ظلم ممنهج مقونن”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل