بيار الجميل وسمير جعجع

لم يُعرف عن مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل إتقان المُرافعات في التاريخ والتنظيرات في السياسة والجدل الفكري والماورائيات. تمتع بحدْس ٍسياسيٍ وبصيرة تاريخية مكّناه من التزام الخط الوطني الواجب والصحيح بالنسبة إلى القضية التي كان يؤمن بها. قليلة حواراته الإعلامية غير المكتوبة، وما يُذكر منها تكرار الثوابت.

كان بيار الجميل مُقلاً في الكلام العام، وسرد النوادر، بعكس كميل شمعون. في مواقف مصيرية يُنقل عنه إيثاره الصمت والكلام القليل على التمحيص والتحليل وضرب الأخماس بالأسداس. لم يكن دائم الابتسام وصمته كان فعلاً صمتاً معبِّراً. كان رجلاً راقياً وعلى مستوى الأحداث، يهزها ولا تهزه. رغم ثِقل السنين وقبل وفاته بسنة على ما أذكر، حضرنا إلى مكتبه لحوار صحفي، لمجلة المسيرة. مجلة القوات اللبنانية التي كانت تتقاذفها رياح ابنه القابع في قصر بعبدا.

محافظاً على قيافته وأناقته كان رمحاً أشيب. لم تعجبه طريقة أسئلتنا التي كانت محرجة له والناقدة لابنه أمين، لكنه هدَّأ من روعنا. صَبَرَ علينا. ورغم وجهه الخالي من التعاطف، سرى في دواخلنا أنه متعاطف معنا ومع حيرتنا وغضبنا. يا إلهي، بيار الجميل يضع نظارتين؟ كانت المرة الأولى التي أراه بنظارتين، وكان سبقاً صحافياً لا يفوَّت، أسرعت إلى كاميرتي و”طقشت” صورتين وثلاث! “امحيهم” قال. “بيروحو الصور الباقيين”، قلت. “امحيهم” كرَّرَ. “بيروحو”… فقاطعني “أنا بشتريلك غير فيلم”. رغم هذه الحادثة البسيطة كنت فرحاً. لقد عاندت لثوانٍ صاحب الهيبة والوقار وأخرجته عن وقاره!

سمير جعجع من طينة أخرى. لا يُشبه بيار الجميل إلا في التعامل مع الأحداث. حتى كميل شمعون ما، لا يوجد إلى جانب سمير جعجع. لا أدري لماذا عنَّت على بالي المقارنة بين الرجلين. صيدلي وطبيب في دولة الأمراض المزمنة. سمير جعجع الداخل إلى سن السبعين يقترب من صورة بيار الجميل الذي دخل سن السبعين العام 1975. سنة الحرب. في إحدى معارك تلك الأيام التقى المناضل سمير برئيسه الأعلى بيار على درج بيت الكتائب المركزي في الصيفي. كانت يد سمير ملفوفة وبالضمادات بعد معركة شهيرة. بيار الجميل سأله: “شو قصة إيدك”؟ فأجابه ابن السادسة والعشرين ربيعاً: “زحطت ع الدرج”، ومضى كلٌ إلى سبيله!

سمير جعجع بعكس رئيسه الأسبق يُرافع ويُحلل ويُنظّر، لكنه في النهاية يصل إلى خُلاصات بيار الجميل. من الأول بيار الجميل كثير الصمت. من الآخر ورغم كل ما يقوله، “وحده ما لم يقله كان يجب أن يقال”. هكذا نريد سمير جعجع، نحن الذين لا نزال نطلع وننزل على درج الأيام. ورغم موقف سمير وبشير وكثر من معارضي “صيغة43” التي تنتج حروباً، التنازل الوحيد الذي قام به بيار الجميل هو الصبر وكلام في المكتب السياسي يُفسَّر دائماً على وجهين! بصبرٍ وبصمت المُتجاهل ومن دون أي جهد إضافي، حشر الشيخ بيار مجموعات بشير وسمير وكثراً من المسؤولين في القوات اللبنانية آنذاك، بخانة الحالمين والمتحمسين والمنفعلين وغير المقدرين للعواقب. سمير ذلك الشاب وقتها كان يأخذ على رئيسه تمسكه “بالصيغة”. بالأمس سمعت سمير جعجع يقول إنه يريد “ترميم الصيغة”!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل