التعاطي المشبوه وتقويمه بالإنتخابات

لقد ضاقَت صدورُنا عن احتمالِ هرطقاتِ المسؤولين في طَلّاتِهم، وتصريحاتِهم غيرِ الصّائبة، والتي تنضحُ ‏بالشَّطَطِ وكأنّنا نستمعُ الى مُراهقين، أو نماذجَ من أهلِ الحضانةِ الفكريّة. إنّهم يدورونَ حولَ المشكلةِ التي ‏يعرفونها جيّداً، من دونِ الدّخولِ المباشرِ في صُلبِها، لا لشرحِها، فالنّاسُ جميعاً ملذوعونَ بسُمِّها، ولكن لتقديمِ ‏حلولٍ لها تراعي مبادئَ الوطنيّةِ، ومفاهيمَ السيادةِ والكرامة.‏

إنّ أركانَ الدولةِ الغائبينَ عن الوعي، إلّا في النّهبِ، والصّفقات، والمحاصصة، فعيونُهم في صَدَدِ هذه التَّوافِهِ، ” ‏عَشرَة، عَشرَة “.أمّا مشروعُ قيامِ الدولة القادرة، وإمساكُ القوى الشّرعية، وحدَها، بمسؤوليةِ الأمنِ، والتَفَرّدُ ‏باقتناءِ السّلاح، وبَسطُ سلطةِ القانون فوقَ مساحةِ الوطنِ بكاملِهِ، وامتلاكُ الحكومة الشرعيّةِ قرارَ الحرب ‏والسّلم، والإلتزامُ بمبدأ الحياد.. وهي القضايا المسؤولة عن حفظ الكيان، فالمسؤولونَ العائمونَ على ثرواتٍ ‏نهبوها، أَنشبَ فيها إهمالُهم أظافرَه، وفي ذلك وَصمةُ عارٍ لن يستطيعَ هؤلاءِ المتقاعسون أن يُنَظِّفوا أنفسَهم من ‏عَيبِها المُشين.‏

من حقِّ الناسِ أن يتفجّعوا على وطنٍ مَلَأَه باللّيلِ حاكِموه، وحوّلوا خَصبَهُ جَفافاً، وحفروا في قلبِهِ أَثلاماً من ‏الحزنِ، والحسرةِ، وفَلَّتوا من بين أصابعِهِ ثِقَتَهُ بالغَد، ومَتَّنوا الإنتماءاتِ العشائريّةَ، والقَبَليّةَ، والدّينيّة، التي تُقَلّصُ ‏احتمالاتِ التطوّرِ، والوعي، والولاءِ للوطن. وذلك، بدلاً من أن يضطلعوا، من خلالِ التركيبةِ المؤَسّساتية، ‏بوظائفِ التربيةِ الوطنيّة، والتّأطيرِ المجتمعيّ، والدّمجِ، والتَّنشئةِ، والتنمية، أي تَبصير الشّعبِ بمعادلةِ الحقوقِ ‏والواجبات، وبَلوَرَة رؤيةٍ تربطُ بين فكرةِ الوطنِ وبين عمليّةِ استثمارِها، بما يتناسبُ والخصوصيّةَ الوطنيّة.‏

من حقِّ الناس، أمامَ هذا السّلوكِ الرّسمي الظّالم، والفسادِ المُستَشري، واغتيالِ الوطنِ بانحرافٍ موصوف، أن ‏يلجأوا الى الثّورة. فالثّورةُ حقٌّ وواجبٌ عندما تكونُ سلامةُ المواطنينَ غيرَ مُصانة، وحقوقُهم ضائعة، والطّغيانُ ‏أوصلَ البلدَ الى نقطةِ الصّفر. من واجبِ الثورةِ أن تُطيحَ بالوضعِ السّائدِ، والصورةِ القبيحةِ التي شكّلَها ‏المسؤولونَ المستبدّون، وذلك بنقلةٍ نوعيّةٍ تهدفُ لترسيخِ أمالِ التَّنويرِ، والتقدّم، والمواطنةِ الجامعة، والإيمانِ ‏بوطنٍ نهائيٍّ… وبهذا، وحدَه، يمكنُ الوصولُ الى حالةِ القيامةِ المأمولة.‏

إنّ مراقبةَ التّعاطي الوطنيّ، كما يمارسُهُ حكّامُنا، تدخلُ في دائرةِ الإلزامِ لتسليطِ الضّوءِ على الخسائرِ الكبيرةِ ‏التي يُمنى بها الوطن، في وجودِهِ الحرّ، وفي كيانيّتِهِ الدّيمقراطيّة، وفي علاقاتِهِ القريبةِ والبعيدة، وفي استقرارِهِ ‏مجالاً رَحباً لتحقيقِ ذاتِهِ ومستقبلِ أجيالِه… ما ينزعُ تَطابُقَ الحُكّامِ مع المسؤوليّة، ومع المصداقيّة، وكأنّ هؤلاءِ ‏قد جرى صَبُّهم، مع الفسادِ والخيانة، في قالبٍ واحد.‏

إنّ مَن يديرونَ دفَّةَ الحكم، عندَنا، هم مُنخَفِضو المستوى في الممارسةِ الصّادقةِ للسّلطةِ، يتّصفونَ بالأنانيّةِ ‏المَرَضيّة، ومسلكيّةِ التفرّدِ والإقصاء، والنِّفاقِ السياسيّ، وإنكارِ الوطنِ حتى الإِلحاد. من هنا، ليس هؤلاءِ ‏مُصانين بالدّستور، بقَدْرِ ما هم أعداؤُه، يتسلّقُهم فسادٌ نَشَلَ الدّولةَ في إمكانيّاتِها، وقدراتِها، وسحقَ البلدَ، وهزَّ ‏مؤسّساتِه، وكَلَّسَ تطلّعاتِ ناسِهِ الذين باتوا أسرى القهرِ، والفقرِ، وقرارِ الهجرة…ولذا، لم يَعُدْ صقيعُ فَتيلِ ‏الإنفجارِ مَقبولاً، في وجهِ سلطةٍ مشبوهةٍ، آثرَت سَبْيَ الحجرِ والبشر، وهيَّأت لمشروعٍ مستَورَدٍ هدّام. ‏

إنّ تعاطي المَشبوهينَ الذين عمدوا الى خلخلةِ التركيبةِ الوطنية، يَكمنُ خطرُهُ في فتحِ المجالِ لِغَزوٍ مُمَنهَجٍ اخترقَ ‏مفاصلَ السلطة، واجتاحَ نطاقاتِها، وسيطرَ على قرارِها، تمهيداً لإعادةِ تدويرِ الوطنِ بتركيبةٍ مشبوهة. من هنا، ‏ينبغي مواجهةُ هذا المشروعِ الذي يشكّلُ أزمةً إستراتيجيّةً حادَّةً تتعلّقُ بكيانِ البلد، بوحدةِ الموقفِ، وبتلاقي ‏السياديّينَ المؤمنينَ بوطنٍ سيّدٍ، بدءاً بتحفيزِ النّاسِ، في الدّاخلِ والخارج، على المشاركةِ في الإنتخاباتِ المُقبِلة، ‏وبكثرة، حتى لا يتسنّى للطّغمةِ الموجودةِ حسمُ النتائجِ لمصلحتِها. إنّ الإنتخابات هي قضيّةٌ مركزيّةٌ، أو صورةُ ‏الثورةِ التي تشكّلُ صمّامَ أمانٍ في عمليةِ استعادةِ الوطنِ من خاطِفيه، وليسَت فولكلوراً موسميّاً يُعيدُ إنتاجَ ‏الموجودِ المُسَرطِن.‏

نحن أمامَ تَحَوّلٍ مفصليٍّ، فإمّا أن نساهمَ في النّزفِ الإنحداريّ الموصلِ الى تلاشي الوطن بالكامل، وإمّا أن ‏نغتنمَ فرصةَ الإنتخاباتِ لاستعادةِ مكانةِ لبنانَ وطناً للحريّاتِ، وضميراً للحقِّ، وأرضاً للثقافة، ويداً مرفوعةً ‏لنصرةِ الإنسان… وينبغي التنبُّهُ، هنا، الى أنّنا لا نمتلكُ تَرَفَ الوقت، لذا، علينا أن نخطِّطَ، وبسرعة، لكيفيةِ ربحِ ‏الإنتخاباتِ والإتيانِ بأكثريّةٍ نيابيّةٍ تقلبُ الطاولةَ على المتآمرينَ الذين طعنوا الأمانةَ الشعبيّة، وإذا لم يكنْ ممكِناً ‏تغييرُ النتائجِ في مناطقَ معروفة، فالإتّحادُ في المناطقِ الأخرى كفيلٌ بهَدمِ هيكلِ الموبوئينَ على رؤوسِهم. ‏فاعتبِروا أيّها السياديّون.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل