حمل ملف تطويبات شربل ورفقا والحرديني ومشى

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1722

إغناطيوس داغر التنّوري

حمل ملف تطويبات شربل ورفقا والحرديني ومشى

جرجس بن عسّاف ونوف داغر مولود في تنورين الفوقا عام 1869، الداخل باب دعوة الرب إلى الرهبانية اللبنانية المارونية عام 1884، المُعتَنق نذورها في 27 أيلول 1886، الموسوم بميرون كهنتِها في 25 آذار 1893، المُختار رئيسًا عامًا عليها في خِتام مجمع دير سيدة نسبيه غوسطا في 18 أيلول 1913، المُجدَّدة رئاستُه في ثلاثة مجامع رهبانيّةٍ إنتخابيّةٍ متتاليّةٍ، الطالب إعفاءه من جميع مهام السُّلطَةِ عام 1929 قُبَيلَ سنتين من إنتهاء ولايتِه الثالثة ليتبعَ خُطى وخطّ إخوتِه شربل البقاعكفري ورفقا الحملاوية ونعمة الله الحرديني. ولأجل رفع دعاوى تطويبهم وتقديسهم سافر إلى روما عام 1926 برفقة وكيله العام الأب مرتينوس طربيه التنوري حتى يوم ملاقاتِهم إلى ديار الآب وأديار السّماء يوم الإستعداد لتساعية الميلاد 14 كانون الأول 1957!

هذا التنّوريُّ العنصرةُ والمنارةُ ذو السيرةِ الخصيبة التي لا تنتهي مواسمُها السماوية واللبنانية لا في ظرفِ مكانٍ ولا في ظرفِ زمان إنَّه دائمُ الولادةِ في كلِّ أنحاء وطنه، دائمُ الترهُّبِ داخل كلِّ أدياره، دائمُ الآياتِ كلّما أوكلَ إليه بأمر الطّاعةِ الإنسانيةِ رئيسُه يسوع مهمة إجتراح أعجوبة إطعام خمسة آلاف جائعٍ بثلاثة أرغفةٍ وسمكتين كاجتراحِه أعجوبة رهن رهبانيته ومعاجن أدياره وأرزاق وأملاك رهبانيّته ليُنقذ شعب لبنان من حُكمِ الإعدام جوعًا أيام مجاعة سَفَر برلِك !!

 

إغناطيوس داغر التنوري

هذه الأيام اللبنانية المُطوَّقةُ بأركان الجحيم وأشباه الأبالسة أنت كنت فيها أب عام الخبز اللبناني. أنتَ أب عام الكيان اللبناني، أنتَ أب وجودنا الصّامد، أنتَ أب عام إيمانُنا الذي لن تغلبه أبواب الجحيميين. وأنتَ أب عام رجائنا المقاوم بسيرة ومسيرة عُصاة أبون يوحنا مارون خلال 1600 سنة من أجيال القداسةِ والبطولة والشهادة!

جمال باشا السفّاح لم يأتنا من السلطنة العثمانية هذه المرّة إنِه اليوم يحاول كما حاول بالأمس وكما سيحاول في الغد أن يحكُمنا ويتحكّم بنا بإسم «الإنتصارات الإلهية» المُستوردةِ من غير بلاد فارس التي قصد ملوكها بيت لحم منذ 2021 عام ليسجدوا للطفل ويقدّموا هدايا المحبة والميلاد للأم العذراء ولرفيقها البار يوسف النجّار !وأمَّا مأمورو تنفيذ الأحكام العرفية بمعظم الشعب اللبناني فهُم مِن مُختلَف رُتَبِ الفخامة والدولة والسعادة والمعالي لا فارقٌ يُفرِّقهم عن أجلافِ عسكر بني عثمان إلاَّ ادِّعاؤهم الهجين السَّفيه السخيف بأنّهم رهن خدمة الشعب حتى إيصاله إلى أدنى قعر الذلّ والإذلال!

وأمَّا التجّار والفجّار إبتداءً من صيادلة التجارة بالوجع الأمَرّ ومرورًا بحوانيت أو مواخير الثروات الأسطورية من تجارة الجوع والتجويع بالمواد الغذائية التي صار الحصول عليها حِكرًا على أنسال ذلكَ «الغنّي» الذي مسحت كلابُه قروح «أليعازر المُعدم» المشلوح على بوابة قصره، هؤلاء أجمعُهم يا أبانا إغناطيوس هم ذاتهم الذين تغضَّبت عليهم وعلى بني بنيهم طيلة سنوات مجاعة الحرب العالمية الأولى!!

 

التنّوري العجائبيّ

الأعجوبةُ بجوهرها المسيحانيّ أسمى وأسنى وأرقى وأنقى من إدراجها بخانة الخوارق والإدهاشات وتحوير نواميس الطبيعة وتبديل عناصر المادة تبديلاً أشبه بألعاب الخِفَّة. الأعجوبةُ الخاصّةُ بيسوع هيَّ فقط إجتراحٌ لمحبة الأكملِ عطيَّةً وجمالاً غير المُبتغيّةِ مقابل أو الطّالبة ردَّ الجّميل!

الأب العام إغناطيوس المُنوَّر كم تأمَّلَ وتمعَّنَ واستلهم أسلوب معلّمه الرب في كيفيّة إقامتِه صديقه العازر من الموت بعد ثلاثة أيامٍ، فلم يجد أجدى وأفعلَ مِن مُقتنياتِ أدياره وأرزاق وأراضي ومشاعات رهبانيته  ليُجابِه بها آلافَ الحُفَرِ ومئات القبور الفاغرةِ أشداقها الوحشيّة لتلتهم أيَّ مُعدَمٍ مِن كسرةِ خبزٍ وعضَّةِ رغيفٍ، ففصَّل الأب العام الفائق المحبة أسكيمه الملائكيَّ وعباءتَه الرهبانية على قياس ومقاس آية آيات إرتباطِ الخالق بخليقتِه ارتباطًا تتحِدُ فيه كماليات الإله بحاجة الأنسان اليومية: «كنتُ جائعًا فأطعمتموني وعطشانًا فسقيتموني عريانًا فكسوتموني ومريضًا وغريبًا فزرتموني».

وإنَّ أيَّ طالبِ دعوى تطويبٍ وتقديسٍ لإثباتاتٍ عجائبيَّةٍ تُثبِتُ صحةَ العجائب التي اجترحها التنوري أقدس وأثمن من وثيقة «الرهنيّةِ» التي أوصلها إلى القنصل الفرنسي ترابو لهو طالبٌ فقط إصبع توما المُلقَّبِ بالتوأم الغارز إصبعه الشكّاك بجرح معلمه القائم من الموت !وأما عن السيرة الرهبانية للأب العام إغناطيوس وبطولة ممارسة طاعتِه وعفافه وفقره  فلا أصدق من شهادة خليفة بطرس ورأس الكنيسة الجامعة البابا بيوس الحادي عشر يوم التقيا داخل الكرسي الرسولي روما عام 1925 حين بادر الأب الأقدس الأب العام التنوري اللبناني: «قد قيلَ لي عن فضائلكَ الشيءُ الكثير، والآن حين وقع نظري عليكَ تحقَّقتُ أنَّ كلَّ ما سمعته عنك لم يكُن فيه شئٌ من المبالغة»!

مُتشبِّهًا بمعلِّمه يسوع لم يجترح التنوري العجائب ليُظهرَ مجده وقوتَه فقط، إجترحها ليُظهرَ محبتَه .مُقتديًا بمعلمه يسوع مشى التنوريُ في هواء سطح دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان على خُطى الربّ الماشي على المياه حين استغاثَ به تلاميذه الخائفون المرتعبون!

وفي حين حمل الأب العام إغناطيوس داغر التنوري بنفسه إلى الكرسي الرسولي ملفات أخوته أبرار الرهبانية شربل ورفقا والحرديني حملت رهبانيَّته ملف تطويبه وتقديسه إلى ذات المكان الأقدس مع خمسةٍ من إخوتِه أبرار الرهبانية اللبنانية المارونية وصدّيقيها هم:

– الأب أتناثيوس الصّغبيني الحبيس وذخائره داخل ضريحٍ جنوب شرق ساحة دير مار أنطونيوس حوب.

– الأب العام مبارك حليحل الحاج البسكنتاوي.

– الأب يوسف أبي غصن الجبيلي والأب دانيال العلم الحدثي من حدث الجبة وذخائرهما داخل ضريح دير مار سركيس وباخوس قرطبا.

– الأب إبراهيم الخوري الحاقلاني من حاقل وذخائره داخل ضريح دير سيدة النجاة بصرما !!!

ـ الأب العام إغناطيوس داغر التنوري، إنَّ خبز إخوة يسوع الصغار يُعلِنُكَ قديسًا الأمس واليوم وغدًا وحتّى يوم مجيء الرب!!!

 

شهادة بقلم سيمون سمعان

وضع يده على رقبة والدي واختفت التدرّنات

أمضى الأب إغناطيوس التنوري أيامه الأخيرة في دير مار يوسف جربتا (ضريح القديسة رفقا اليوم) وسط بلاد البترون. وكان يقصده المؤمنون للتبرك ونيل النعمة، خصوصًا أن أخبار خروقاته وفضائله كانت تعمُّ البلاد كما سواه من القديسين. وتذكُر راهبات الدير كيف كنّ يشاهدن نوراً على شكل حمامة يعلو رأسه.

وعلى مقربة من جربتا تقع قرية الدوق حيث كان والدي جميل سمعان يعاني في سن الصبى من تدرّنات في الرقبة، عجز طب ذاك الزمان عن تشخيصها أو شفائه منها. وكان ذلك في أواسط الأربعينات. وبعد تكاثر تلك التدرّنات، قرّرت جدتي إصطحاب ابنها إلى الدير متكئة إلى إيمانها الثابت وإلى ما كان يصنعه الراهب القديس من معجزات. وبعد طلب الإذن بالزيارة رفضت الرئاسة بداية كون التنوري بات كهلاً وينشد الراحة. وبعد إصرار، سُمِح لهما فدخلا غرفته وكان في فراشه قل ما يغادره. طلبت جدتي مساعدتها لشفاء ابنها الشاب. فقال: ولماذا أنا يا أختي إيمانكما والرب يشفيانه. فقالت: هل لنا أن نصلي معًا على نية شفائه؟ وبعد انتهاء الصلوات طلبت أن يمسح يده على رقبة إبنها لتشفى. لم يستطع رفعها كفاية فأمسكاها جدتي ووالدي وجعلاها تلمس رقبته.. قبّلاها، شكراه، وغادرا المكان.. وما مرّت أيام قليلة حتى اختفى كل أثر لتدرّن وألم كانا متفاعلين لسنوات. فعادا وأبلغا رئاسة الدير التي دوّنت ذلك في سجلاتها.

وبعد وفاة الأب إغناطيوس وجمع الشهادات لدعوى التكريم، قصدت لجنة الدعوى والدي وكان ذلك في أواسط الستينات، ودوّنت شهادته حيث وقّع عليها كما وقّع أعضاء اللجنة، وضُمَّت مع غيرها إلى الدعوى.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل