استقلال… وينك يا بطل؟

… ماذا نكتب عنه هذه السنة؟ ماذا نكتب عنه؟… على عكس التوقعات، هي من اكثر السنين التي يجب ان نحكي عنه بفخر، الاستقلال ما غيره، هو عيده، وفي العادة نحن نكثر الكلام عمن نشتاق اليه، او عمن ضاع منا ولا نعرف اليه سبيلا، فنكثر ترداد اسمه لنبرّد قلوبنا، ونكثر الاسئلة لنصل الى اجوبة. اشتاق الاستقلال لانه ضاع مني، هذا في اختصار.

سيدي الاستقلال كيف حالك؟ نشالله بعدك بخير فوق على رف الكرامة المنسية؟ اخبرنا كيف هي الاوضاع في خزانة غبار السيادة الذائبة؟ هل غيّب العنكبوت معالمك؟ هل التهمتك عقارب الوقت؟ هل قضمت انجازاتك جرذان السلطات المتعاقبة المتهالكة على عارها؟ والله اشتقنالك يا شيخ، وانت شيخ جليل مكلل بالمجد حتى لو اقنعوك انك مزيف تافه فارغ، لا قيمة فعلية لك سوى في ما يكتبه عنك بعض الشعراء الرومانسيين الحالمين بوطن.

سيدي الاستقلال كيفك وانت مكلل بالصقيع هناك في وكر العار الذي سجنوك فيه، وانت لم تصبح بعد لا كاملا ولا ناجزا ولو أوهموك على مر سنين طويلة انك كذلك؟! أخبرني هل انت بردان مثل غالبية شعب لبنان؟ هلى انت جائع مثلهم؟ هل تجد الدواء والخبز والمدرسة والكهرباء والغاز والماء والمازوت والبنزين والهواء؟ طيب هل تجد الموت ام انك مثلنا بين الحياة والموت، بين الرحيل والبقاء، بين الوجود واللاوجود؟!

بدّي خبرك سيدي الاستقلال، ان في الدولة العلية يحتفلون بذكراك وكأن البلاد تعيش احلا ايام العز والحرية والكرامة، ويقيمون عرضا عسكريا وحياة عينك، هم لا يعترفون اساسا لا بالاستقلال الاول، ولا باستقلال ثان، يحذفون الكلمة من قاموسهم المدجج بالعمالة، واذا ما اعترفوا بك وبمن جاء من بعدك فكأنهم يعترفون علنا بما جنت اياديهم بحق لبنان.

لا اعرف سيدي الاستقلال ما اذا اخبرك احدهم ان ثمة استقلال ثان لحق بك بعد عشرات السنين بسبب احتلال ابشع بكثير بعد من الاول الذي كان على ايامك، وثمة جلاء ثان اجمل بكثير بعد من الاول، وما تزعلش مني، هو الاجمل ربما لاني عايشته مع الالاف من رفاقي، ومات لنا آلاف الشهداء ولكن عاش الاف المناضلين وبقي لبنان، لكن اخبرك ما هو اسوأ بعد ان في الدولة العلية لا يعترفون اساسا بذاك الاحتلال ولا بالاستقلال ولم يدونوا بعد تاريخ الجلاء على صخرة نهر الكلب كما فعلوا معك من سبقهم من حكام كبار، لا كبار حاكمين عندنا سيدي الاستقلال الان، الا الاحتلال الثالث…

هل اخبروك سيدي الاستقلال ان لبنان اليوم محتل من اسوأ الانظمة الديكتاتورية على الاطلاق؟! لا؟ طيب هل اخبروك ان لبنان الحلو الاخضر يتغيّر وجهه الى الاصفر الشاحب والبرتقالي الذابل؟ اكيد لم يخبروك لانهم لا يعترفون اساسا بكل تلك الحقيقة، لانهم منتفعون داعمون حلفاء ويخططون للمزيد والمزيد من التسلط بعد، والمناصب بعد، والمغانم بعد، والدمار بعد، وعمرو ما يكون استقلال وكرامة وسيادة وكل ذاك الهراء والكلام الكبير، فيركّزون عليك سيدي الاستقلال، انت الاستقلال الاول المعترف به رسميا من الفئات كافة، وكل ما لحقه من احتلالات وويلات…مش موجود!!

بصراحة انا مع الاحتفال بذكراك، ليش؟ لان للبنان منك شهداء ومناضلين. اي استقلال لا يتم الا على دماء الشهداء وبطولات الاحرار، اذاً هي محطة عز افتخر يا رجل، انت تاريخ من تاريخ نضال وطن.

اذا لم يخبروك ساخبرك انا بأن في الاستقلال الثاني الاسوأ، حفرنا بدماء الشهداء مسيرة التحرر من النظام السوري الارهابي، ولا نزال حتى الساعة، ورقصت قلوبنا فرحا بلحظة جلاء اخر جندي سوري عن ارض لبنان. شاهدناهم يأفلون يجرجرون ذل العالم كله وكانت الكرامة تسبق العيون الى الزلغوطة والعز. اذاً، هي محطة عز مجيدة في تاريخ وطن، ونحن ندوّن كل شيء، كل شيء بينما السلطة تتمنّع، وسنبقى ذاكرة العالم على ذاك التاريخ المشرّف وحياتك.

كل ما اخبرتك اياه، لا شيء عما نحن عليه اليوم، عندك فكرة شو صاير فينا سيدي الاستقلال الاول؟ الاحتلال ينخر عظام لبنان ويحوله رويدا رويدا الى هيكل عظمي فارغ من الحياة وهو بعد حي. الاحتلال سيدي الاستقلال، يحولنا الى وطن تائه جائع مشرّد ببحث له عن اوطان بديلة، وتهرب منا الاوطان، الاحتلال سيدي الاستقلال هو الابشع الذي يمر على لبنان اتعرف لماذا؟ لانه احتلال من ابن البلد لاجل بلدان بعيدة من خلف الحدود، قال يروق لها لبنان فقررت ان تجعله عبدها الصغير في مجموعة العبيد التي تحكمها، هل اخبروك بذلك؟ لا اظن!

سؤال اخير ضروري وملح سيدي الاستقلال، هل تفرحك الاحتفالات بذكراك؟… يا لي من تافهة، اكيد تفرحك، لانها تنتشلك من النسيان! مرة اخرى تزعلش مني لكنك صرت منسيا، صرت فولكلورا مثل صحن الكبة النية والتبولة وصحن الحمص، صرت سفرة لقلقة السياسيين الذين كلما هلّ 22 تشرين الثاني، تتفجر فجأة مواهبهم الشعرية ويبدأون بالقاء قصائد الوطن والمواطنة.

اغرقتك بالتشاؤم بس بعد هالخبريي لافرفح قلبك. انت تعرف ان منذ يوحنا مارون ونحن نقاوم، تلاميذ البطريرك الاول لا يزالون احياء، صاروا اقوياء اكثر، صاروا في العناد الاشرس، صاروا كثرا كثرا وها هم يقاومون، قاومنا مرات بالبندقية والان سيدي الاستقلال نحن نلحق بهم الهزائم بالانتخابات. سنعلن عليهم حرب الديمقراطية، سنقاوم الاحتلال الثالث بصناديق الاقتراع، حصلت تلك المقاومة على ايامك؟ سأسال الريس بشارة الخوري ورياض الصلح والشيخ بيار الجميل وساعرف منهم ما غفل عني من تفاصيل.

قد تكون تريد الاستراحة الان بعدما انهكتك بحكاياتي، لكن في عيدك الـ78 لن اتمنى ان يطول عمرك، اريد ان انساك كليا لان طالما انت حي يعني وطني ميت ولن يمحو ذكراك سوى استقلال فعلي ناجز وليس اطلال استقلال! ستزعل مني اكيد ولكن اريد ان يحيا وطني لذلك اقول لك لاء مش العمر كلو، انت دخلت التاريخ والان سندخل نحن التاريخ لاننا رأس الحربة في مواجهة الاحتلال، وسنحقق الاستقلال الثالث لان وطننا يستحق ونحن نستحق وانت ايضا تستحق لتفخر عن جد بنا. عش لحظتك الان ها هم يحتفلون بك باستعراض عسكري، احب عسكر بلادي كثيرا واكره هؤلاء المنافقين الذين حولوا ذكراك الى مسخرة الكرامة. بشوف وجك بخير…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل