لاقونا ع لبنان!

كتب الخوري كامل كامل في “المسيرة” – العدد 1722

… قرر الصمود كما فعل أبناء مارون

لاقونا ع لبنان!

بعد تردد وتفكير، إتصلت به عارضاً عليه فرصة السفر إلى فرنسا ليعمل مباشرة في شركة.

ترددت لسببين وجيهين: أولاً هو شاب ولا يجوز التشجيع على هجرة الشباب، ثانيًا البلد يمر في ظروف صعبة ولا يجوز تركه في محنته!

لكن في لحظة ضعف مني إتصلت به علّني أساعد شاباً في ربيع العمر على سلوك درب النجاح في الخارج وتأمين مستقبل لائق له ولعائلته في دنيا الإغتراب وراء البحار في بلاد الله الواسعة.

لكنه دون تردد غلبني، صريحاً أكثر منّي، واضحاً أكثر منّي، حازماً أكثر منّي، وطنياً أكثر منّي… قال: «العرض حلو وخصوصي بهالوضع شغل ما في لكن ما بقدر إترك عيلتي وأهلي مع إنو السفر أربح مادياً بس العيلة أهم بالنسبة إلي».

صوت مارون الشاب هزّ كياني، أشعل قلبي، ألهب روحي، أعطاني دفعاً غريباً لأُبطل محركات اليأس وأعطّل سكك الهذيان وأقطع دروب الجحود وأوصد أبواب الهروب مشرّعاً أبواب مواجهة ضعفي برجاء لا ينحني لا ينكفئ ولا ينطفئ مهما بلغت شدّة العاصفة.

في اليوم التالي أثناء الذبيحة الإلهية تحدثت عن مارون في عظتي وطلبت من المشاركين بعد أن تعهدت أمام الرب أن أقطع لساني عن التجريح بوطني، أن يقطعوا ألسنتهم عن «النق» ونشر اليأس وتحطيم الهمم، والتمثل بمارون الذي قرّر الصمود في زمن الهروب والمواجهة في زمن الإستسلام والصبر على الصبر حتى ينبت الورد بين الصخور الصمّ أوكار النسور…

لكن في الواقع أزمة وانهيار، أزمة معيشية لا مثيل لها وانهيار تام لبنية الدولة.

إنحدر الناس إلى الفقر جبراً، قرشهم الأبيض داخل الصناديق السوداء خلف أسوار المصارف، حليب أطفالهم مفقودٌ مثل لبن العصفور، دواء مرضاهم إختفى بين ليلة وضحاها داخل سراديب المحاسيب، غذاء عائلاتهم ابتلعه غول الغلاء وإضاعه  التضخم، كهرباء منازلهم أطفأها غباء المستشارين وتصميمهم على إقتلاع نور العيون، وقود سياراتهم ومحركات آلات مصانعهم قرصنها تجار الهيكل، رُفعت خراطيم المحطات وأطلقت أسراب الغالونات وكل مدعوم في الدولة ابتلع حصة من البترول المدعوم…

مدارسهم أقفلت، جامعاتهم أيضاً.. مؤسساتهم أفلست، مستشفياتهم أيضاً…

جيوبهم أُفرغت، بيوتهم أيضاً…

دموعهم جفّت، أرزاقهم أيضاً…

كلّ ذلك حصل بالأمس القريب، ومارون قرّر الصمود قاطعاً جمر المحرقة حافي القدمين كما فعل أبناء مارون منذ ألف وأربعماية سنة.

هو يعلم أنها معركة وجود، حربٌ على وطن الرسالة، هجومٌ على الصيغة اللبنانية، تدميرٌ منهجي لدعائم الدولة وما تمثله من قيم صنعت حضارة الإنسان وثقافة الإنفتاح وما بينهما من خلق وإبداع ورقي… فأضحى لبناننا مستشفى الشرق ودواء علّته، جامعة الشرق وممحاة جهله، مطبعة الشرق وبيرق معرفته، مصرف الشرق وحافظة ثروته، عدالة الشرق وأمّ شرائعه، مشتهى الشرق وفرح أجياله.

مارون كان صريحاً كالحق واضحاً كالشمس، على رغم إعتراض رفاقه وإخوته وأخواته واتهامه بالجنون.. كيف يرفض نعيم السفر ويقبل جحيم البقاء؟! كيف يرى الصبح مساءً والمساء فجراً؟! كيف يواجه لهيب الإنهيار وجحيم جهنّم؟!

كنت أظنّ أن هذا الجيل النعنعي «طلع خلقوا» من البلد، لا يعيش إلا على «الدلع والغنج» لا يُحسن لباس خشن الثياب ولا يسلك دروب الشوك والعلّيق والطيّون حفاظاً على وطن النجوم، أرض القديسين، كهوف النسّاك، وصوامع الرهبان..

كنت أظنّ أن جيل الفايسبوك جلس على «الصوفا» يراقب خلف الشاشة الوهمية إنهيار الوطن في الواقع.

لم يكن مارون وحيداً ولن يكون، سرعان ما التحق به رفاق من الجهات الأربع والمحافظات السبع والطوائف العشرين، إلتقيت واحداً منهم لا يعرف مارون أبداً في مدرسة مار يوسف عينطورة في لقاءٍ كشفي وهو من تلاميذي الأقدمين، تحديداً من ثانوية راهبات القلبين الأقدسين – جبيل، كان مشاغباً تملأه الحياة إلى حدود الطيش أحياناً، سألته عن حاله متوقعاً أن يسرد ما يسرده الأكثرية لكن غلبني أيضاً مثل مارون.

قال: «اشتريت سيّارة في آخر سنة جامعية لي، بقي معي مليون ونصف مليون ليرة لبنانية للتسجيل.. لكن أتت الثورة ومن ثم الكورونا لم أسجلها. صعدت إلى القرية زائراً جدّتي بضعة أيام لم أصرف ليرة واحدة، أكلات ستي طيبين ولا يوجد دكان في القرية.. ساءت الحالة، قطعت الطرقات، أغلق البلد، أشتريت عنزة واحدة ومن ثم أعدت ترميم فرن الحطب بمليون ونصف، أما اليوم بعد سنة ونصف فقد بات لديّ ستون عنزة حلوب أبيع إنتاجها في المنطقة وأنتج أكثر من مئة ربطة خبز يومياً.. الثورة كان وجّا خير عليّ والكورونا وفّرت عليّ مليون ونص عملت من وراهم مصلحتين والحمدلله يا بونا مبسوط كتير…»

ربما يستطرد أحدهم قائلاً: «تريدون من أولادنا العودة إلى شقاء العيش بعد أن أشبعناهم علماً وتزيّنت جدران منازلنا بشهاداتهم؟! هل يكون الحل بالعودة إلى القطعان والرعيان؟!»

سألت تلميذي هذا السؤال ومثله وغيره، أجابني: «عالقليلي عم بشتغل بكرامتي والشغل مش عيب رفقاتي تخرجوا من الجامعة وما عم يشتغلوا، رح كبّر القطيع تيصير مزرعة كبيرة ومصنع ينتج حليب ولبن ولبنة وجبنة، فرن الحطب كمان تيصير فرن كبير وزّع إنتاجو بكل البلد»..الشغل ليس عيباً، إذا أضيفت إليه نفحة العلم أصبح مؤسسة وإذا أضيف إليه طعم النضال أصبح مقدساً.

 

مارون فتح «الشنطة» كما فعل أخوت شاناي، رأى أنها لا تسع عائلته ولا وطنه، أقفلها وأعادها إلى الخزانة، شمّر عن ساعديه، زرع بستان لوز بعد ظهر كل يوم عمل في الكاراج، أنهى أسبوعه في حلقة دبكة ليلة عيد السيدة في ساحة كنيسة السيدة حيث اجتمعت عائلته إلى طاولة واحدة، سهر معهم حتى الفجر، تسامر مازح ضحك ولعب الورق، حرّك دست الهريسة بركة العيد نام ساعتين، إستفاق على تربيع الجرس، شارك مع عائلته الذبيحة الإلهية وتغدّى معهم من دست البركة تحت السنديانات..

أما تلميذي الآخر الذي نسيت إسمه ولم أنس وجهه كتب على يده جملةً تقول: «في السنة القادمة سنلتقي لبنان» فمن سيلتقيه معنا؟!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل