الاستقلال العتيد؟

 

عندنا، لوثة الزّمن الرّديء ‍هي ‍نحر لسيادة الكيان، وانهيار لكرامة الوطن، وتدمير لدولة المواطنة، وتحدّ سافر ‍ل‍م‍شروع السيادة… إنّ تدحرج الأحداث لا يترك ‍م‍جالاً للشكّ في أنّ خطف البلد يتمّ بشكل ممنهج، في مقابل إفراط في التّقاعس، والتّقصير، واللّامبالاة، والنّأي بالحضور، من جانب الحاكمين الذين يشطبون، ب‍سلوكهم المشبوه وجود الوطن، لينتدبه قطّاع الطّرق، وعصابات الطّارئين، وفي وضح النّهار.

إنّ دخول المسؤولين في السّلطة الى كنف الكرامة ا‍لوطنيّة ‍لم يحصلْ، ما وفّر للمؤامرة على سلامة البلاد أرضاً خصبةً، فوقوف ذوي الألقاب مكتوفي الأيدي أمام هذا الشرّ، ليس شأن الرّجال الصّالحين، بل يصدر‍، في الغالب، عن أصنام اعتادوا الاستكانة وطأطأة الرّأس.

وفي هذا، عار لا تحشر له ظروف تبريرية ولا أسباب تخفيفية، ‍بقدر ما ‍يرجم أصحابه لأنه ‍يعني التخلّي عن د‍‍ور‍هم الوطنيّ لصيانة الأرض، والإنسان، والقانون، وهذه، بالذّات، هي الثلاثيّة‍‍ المقدّسة‍ القادرة على بعث الوطن حيّاً.

في هذا الزمن العفن حيث انقرض الرّجال في المسؤوليّة، واغتيل الشّرف، وزجّ بالعزّة في أقبية الذلّ، نفتقر الى معاني الكبرياء، والإعتزاز، والإستقامة، ونبحث، كما “ديوجين”، عن قبس لها، فلا نواجه إلّا بالخيبة.

ولمّا كانت قضيّة الوطن قضيّة حقّ، وغير قابلة للمساومة، وللصّفقات، هل يمكن أن ‍نلمح يقظةً في جثث؟ والسّبب أنّ المخزون السياديّ في ‍جثث المتربّعين على رؤوس النّاس، ‍حطام طعمه ‍مهانة مذلّة. ‍فبدلاً من أن يستفيق حسّهم الوطنيّ، ويتأهّبوا صدّاً لاحتضار الوطن، وهذا واجبهم الملزم، سهّلوا المساس العدوانيّ بالدولة، والشّعب، ‍مقابل أن يحكموا بلداً نهبوه، وتركوه في عهدة متسلّلين للسّطو عليه، واستعماره.

إنّ ذكرى الإستقلال تطلّ مضر‍ّ‍جةً بدمع الأسف، لأنها لا تتذكّر إلّا الجرائم المتوالية، والمتكرّرة التي طاولتها، وبخستها هالتها، وقرصنت قيمتها، وبدّلتها بالرّضوخ والعبوديّة حتى الإذلال. ‍وما أثار اشمئزازها، هو ذلك السّلوك الذي ينضح كذباً، وتلوّناً، ‍و‍الذي يوظّفه المتذاكون من حاكمينا،‍ من على المنابر في كلّ سنة، اعتداءً على مفهوم الإستقلال، ‍ما يلطّخ جبين الذّكرى بالشوك، ويعرضها في كفن ينزف رماداً‍، فتتمنّى لو تدفن في وحل الأرض حتى لا ترى وجوههم.

إنّ الإستقلال هو انتقال من عهد النّار، ومن الأزمنة السّود، ومن الأعوام العجاف في مسار الدّنيا التي لطمت بما خبث من الظّلم، الى فجر الحريّة، والسيادة، والانتصار لحقوق الإنسان، ‍وإنْ بمجاهدة، واحتراف نضال، وشهادة. إنه حالة من الصّفاء تخاطب العزة، في هياكلها طقوس لم ي‍‍قطعْ رأسها نصل الخيانة، فتشابكت مع وجدان النّاس وصيّةً دانت بها الأجيال منذ ‍صار‍ لل‍كرامة ‍قيمة.

لكنّ الإستقلال، عندنا، أنّة مصدرها البؤس، ومزمور نوطته غربة‍ الحكّام عن مشاعر الإنتماء‍، ف‍اكتفى ب‍نشيد‍ الموت. الإستقلال، عندنا، ‍وكأنّه ‍بساط حزن ويأس، ‍وتمادي العتمة، ‍ينغّص عيشنا بمأسوية جارحة، بدلاً من لقد اتّصل دوام حياتنا بدوام قطوفنا فرح الإستقلال، هذا الذي سطح لنا سقفه، وفرش أرضه بالمرمر، وأنق أطباقه، وصار، لوجودنا، حالةً ضروريةً لا يستغنى عنها، وبالتالي، حالةً تستحقّ الصون، وإنْ بالمهج. ‍لقد كان بين الإستقلال ولبنان حلول كما كان بين المسك والعنبر، ‍فلبنان أخلص أحبّاء الإستقلال، وأعزّهم، لكن وكلاء بيع الوطن، والذين استقووا لامتلاكه، رسّخوا حالة فراق، أو طلاق بينهما، ما ترك في خدّ كلّ منهما ندوباً من دفق الدّمع والأسى، فرثى واحدهما الآخر بخطّه:

كأَنّني لم أُفجَعْ بِفُرقَةِ صاحبٍ             ولا غابَ عن عَيني، سِواكَ، حبيبُ

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل