الرهبنة البلدية… “ممنوع أن يجوع شريك للرهبنة”

كتب الأب مارون عوده في “المسيرة” – العدد 1722

الرهبنة البلدية بعد 326 عامًا على تأسيسها

«ممنوع أن يجوع شريك للرهبنة قبل أن نجوع نحن!»

في العاشر من شهر تشرين الثاني تطوي الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة الصفحة السادسة والعشرين بعد الثلاثماية من تاريخها الرهبانيّ اللبنانيّ، لتفتتح صفحةً جديدةً تنتسب بدورها إلى هذا المجلد الرهبانيّ التاريخيّ، الذي يحتوي على صفحاتٍ متشابهاتٍ بالطول والعرض أولًا، وبالخط الرهبانيّ الواحد ثانيًا، وبالقرارات المصيريّة والمواقف الإجتماعيّة ثالثًا. على الرغم من تاريخها القديم لم تشخ ولم تعرف الكلل أو الملل، لأنّها دائمة التجدد من خلال إنخراط الشباب اللبنانيّ الدائم في جمهور رهبانها، مجدّدين دمها بذلك ومعطين إيّاها نسمة الحياة الخالدة والأمل بالمستقبل. عُرفت بالرّهبنة البلديّة لأنّها لبنانيّة، لكن الشعب أسماها «رهبنتنا»، لأنّها من هذا الشعب، وتاريخها ينحدر من تاريخه، وتقاليدها الحياتيّة أصبحت طريقة عيشه اليوميّة. ها هي تدشن سنةً جديدةً تعيشها في حاضر شعبها اليوم ومعه ومن أجله، ليكون لهما المستقبل الواحد الزاهر، وليبقى تاريخها لبنانيًّا مارونيًّا، وتستمرّ في قلبه ووجدانه «رهبنته البلديّة».

إنطلق تأسيس الرهبانيّة مع أربعة رهبان حلبيّين موارنة سنة 1695 في جبل لبنان على يد البطريرك العلامة إسطفان الدويهي، ثمّ ترعرعت في أرجائه وانتشرت بين الشباب اللبنانيّ، واحتلّت أديارها ومراكزها المحافظات الخمس، قبل أن تعبر البحار والمحيطات لتكون إلى جانب الشباب اللبناني ومعهم أينما هاجروا أو حلّوا.

إبّان الحرب الكونيّة الأولى رَهَن الأب العام إغناطيوس داغر أملاك الرهبانيّة واستدان ذهبًا من الدولة الفرنسيّة، من أجل إطعام شعبه وسدِّ عوز العائلات وحمايتها من الهلاك جوعًا، فساعد ذلك على بقائها وصمودها طوال فترة الحرب والمجاعة. ومع بداية الحرب اللبنانيّة سنة 1975، ومواجهة قرار تهجير المسيحيّين ونفيهم خلف البحار، أدرك الأب العام شربل قسيس أن شعبه بحاجة إلى قيادة سياسيّة حكيمة وقادرة على السير ضدّ دفق الغزو والتهجير، إلى أن تحيّن اللحظة المؤاتية للخروج منه، والقفز إلى برّ الأمان؛ فجلس على طاولة الجبهة اللبنانيّة حاملًا في قلبه الشعب اللبنانيّ الخائف على مصيره وأرزاقه، وآخذًا على ضميره وفي وجدانه تاريخ هذا الشعب المحرّم عليه الدخول في حلقة مفرغة من ضمن سلسلة أجداده وآبائه، وفصله عن مستقبل الأجيال القادمة؛ أضف إلى ذلك تأسيسه مركزًا للدراسات الإستراتيجيّة والسياسيّة في جامعة الروح القدس الكسليك، تعويضًا عن تقاعس الحكومة التي كانت غائبة عن حاجات شعبها ومتطلبات حياته وصموده آنذاك.

غداة مواجهة الغزو الإسرائيليّ واحتلاله أرض بيروت وجنوب لبنان، توجه الأب العام بولس نعمان إلى أقصى الجنوب، وابتاع قطعة أرض كبيرة في بلدة رميش، أسس عليها دير سيّدة البشارة، حتى يكون إلى جانب شعبه الصامد جمهورًا رهبانيّاً يتقاسم معهم الحلوة والمرّة تحت وطأة ذلك الإحتلال. ثمّ شادت الرهبانيّة مجمّعًا تربويًّا قرب الدير، تألّف من مدرسة ضمّت جميع المراحل التعليميّة، وفرعًا لجامعة الروح القدس، بهدف بقاء العائلات صامدةً في أرزاق أجدادها المتوارث عبر الأجيال، وحتى لا ينزح الشباب من قرى الجنوب إلى المدن الساحليّة بغيّة تحصيلهم التعليم الجامعيّ. وخلال عدوان تموز 2006 ، تحوّل المجمّع الى ملجأً لأهل المنطقة، وتقاسموا الرغيف الواحد مع رهبان الدير، فشكّل نقطة صمود ومكانًا لتلاقي جميع السكان فيه على رغم تنوّع ألوانهم ومشاربهم. هذه هي الرهبانيّة، هي رمز لصمود الشعب اللبناني في التاريخ البعيد والقريب، وهي دائمًا جسر عبورٍ يعبر من خلاله شعبها اللبنانيّ فوق بحر المخاطر والمصائب إلى مستقبل الخير والبركات. وكما يعتبرها الشعب «رهبنته»، ستبقى الرهبنة البلديّة بين شعبها ومعهم مهما كانت الظروف أو اشتدت المحن عليه.

اليوم وفي خضمّ الأزمة الإقتصاديّة القاهرة والضائقة الماديّة والمعيشيّة المذلّة، خرج الأب العام نعمة الله هاشم من سرب الإحباط والقنوط، إذ رأى الرجاء والأمل حيث لا رجاء ولا أمل، وتجاسر مستندًا إلى تاريخٍ رهبانيٍّ لا يعرف الإستسلام ولا القنوط،على المواجهة لدحر الصعاب وإيجاد الحلول الناجعة لها. قبل الدخول في أزمة السيولة وحجز الحسابات المصرفيّة، قام بالإشتراك مع رئيس وأعضاء المؤسسة المارونيّة للإنتشار، وبمباركة البطريرك المارونيّ مار بشارة بطرس الراعي، بشراء عقارات كبيرة في منطقة كفرفالوس، فكان السبّاق في شراء القسم الأكبر من أراضي تلك المنطقة في قضاء جزين، وأضحت الرهبانيّة مصدرًا لإستقرار شعبها في قضاء جزين، وأملًا لمستقبل المنطقة من خلال التخطيط لتأسيس مؤسسات تربويّة واستشفائيّة وإنمائيّة فيها لأنّها تفتقر إلى تلك المقوّمات الحياتيّة اليوميّة.

مع تخبط الشعب اللبناني في هذه الأزمة الإقتصاديّة والماليّة، بالإضافة إلى مشاركته الفعّالة في الهيئة التنفيذيّة لمجلس البطاركة والأساقفة، وفي مجلس الرؤساء العامين والإقليميين وفي اللجنة الأسقفيّة للمدارس الكاثوليكيّة، وغيرها من المبادرات الكنسيّة، وضع  الأب العام نعمة الله هاشم مع مجمع الرئاسة العامة، عنوانين لرسالة الرهبانيّة في هذه المرحلة، هما الصمود والتضامن، واتخذ في سبيل ذلك، بالإضافة إلى ما تقوم به الرهبانيّة في أديارها ومؤسّساتها بشكل عادي وطبيعي، سلسلة من الإجراءات والتدابير، بعضها أنجز والبعض الآخر يحضّر له. من أهم التدابير الحاليّة: الحفاظ على جميع شركاء الرهبانيّة، (تطلق الرهبانيّة على موظفي مؤسساتها لقب «الشركاء» لأنّها تتقاسم معهم الحلوة والمرّة والعيش معًا في سبيل مستقبلٍ واحدٍ)، ومن خلالهم على المجتمع اللبنانيّ، يعني بعدم صرف أيّ موظف من جميع مؤسسات الرهبانيّة أكان أستاذًا أو طبيبًا أو ممرضًا أو عاملًا وسواهم بسبب الأزمة الإقتصاديّة، حتى أنّه قال يومًا في إجتماع عامّ لأبناء الرهبانيّة: «ممنوع أن يجوع شريكٌ للرهبانيّة قبل أن نجوع نحن!». وكونه أب عام لرهبنة بلديّة تتشارك مع شعبها المصير والصمود، قرّر عدم رفع أقساط المدارس، والحفاظ على التعامل مع أهالي التلاميذ والطلاب بالليرة اللبنانيّة على الرغم من أنّ الكلفة التشغيليّة للمدارس هي في العملة الصعبة النقديّة. أضف إلى ذلك تمسكه باعتماد سعر الدولار الرسميّ، أي 1515 ليرة للدولار الواحد، حيث كانت الأقساط بحسب الدولار الأميركيّ. في المقابل طلب ترشيد الفاتورة التشغيليّة وتخفيض مصاريف النشاطات كي لا تسقط المؤسسات تحت وطأة العوز وتشريد الأساتذة والتلاميذ. هذا القرار سرى على جامعة الروح القدس، فالرهبانيّة اللبنانيّة تعقد آمالها على تمكّن الشباب اللبناني من تحصيل العلوم الجامعيّة، بحيث لا تجد خيبة الأمل طريقها إلى مجتمع الشباب فيتضرّر وبالتالي يلحق الضرر أيضًا بالرهبانيّة لمجرد أنّها بلديّة وتعلق أمالها على شباب لبنان.

مع إنفجار مرفأ بيروت وتضرر مئات العائلات، كانت الرهبانيّة أوّل من فتح أبواب الأديار لاستقبال من يرغب من سكان البيوت المتضرّرة، واندفع الأب العام مع الرهبان والإخوة الدارسين في اليوم التالي للإنفجار، لإزالة الركام والوقوف إلى جانب الأهالي، في منطقة الإنفجار على الصعيد الإنسانيّ والماديّ، وخوفًا من عدم قدرة تلك العائلات على إدخال أولادهم إلى الجامعات، قدّمت الرهبانيّة من خلال جامعة الروح القدس- الكسليك، منحًا تعليميّة مجانيّة مئة في المئة تشمل نيل شهادة الحلقة الأولى من حلقات التعليم الجامعيّ الثلاث، لكلّ صبيّة وشاب من سكان منطقة الإنفجار، وفي هذا كلّه لم تنظر الرهبانيّة إلى خانة الطائفة المسجلة على التذكرة ولا إلى الميول السياسيّة، بل كان القرار لكلّ صبيّة أو شباب لبنانيّ.

ومع تفشّي العوز في صفوف شعب لبنان، قام الكثير من أصحاب الأيادي الخيّرة للمساعدة والتعاضد، وهنا أيضًا كانت الرهبانيّة تؤدي دور صلة الوصل بين المحتاج وأصحاب النوايا الحسنة. فشاركت مع رئيس وأعضاء المؤسّسة المارونيّة للإنتشار وجمعية جيلبير وروزي الشاغوري، في تأسيس جمعيّة «سوليدارتي»، إحدى أكثر المؤسّسات جديّة في مواجهة الأزمة الإقتصاديّة والماليّة الحاليّة، وصاحبة الهمّة في مساعدة اللبنانيّين على كامل الأراضي اللبنانيّة، والتي قامت بترميم أكثر من 1000 منزل وشقة متضرّرة من إنفجار المرفأ، وأعلن رئيسها عن برنامج مساعدات مدرسيّة لأبناء الشهداء والمصابين في هذا الإنفجار. ووضعت الرهبانيّة، صاحبة الإنتشار الأكبر ضمن المحافظات اللبنانيّة الخمس، مقدّرات الرهبان والأديار والمؤسسات الرهبانيّة في سبيل إيصال المساعدة إلى كلّ محتاج مقيم على مساحة 10452 كلم2. وحتى هذه الساعة ما زالت تلك المساعدات تصل إلى كلّ محتاجٍ عن طريق الرهبانيّة وبهمّة رهبانها، وقد مرّ على ذلك سنة ونصف مع الأمل أن تستمر هذه المساعدات وغيرها من المبادرات طوال فصل الشتاء القادم.

ومع تفشيّ جائحة كورونا، كانت الرهبانيّة أوّل من بدأ التدابير العمليّة لمواجهتها، بإنشاء قسم علاج مرضى كورونا في مستشفى سيّدة المعونات، وقامت بتجهيزه على الرغم من الظروف الماليّة الصعبة. وبعد ذلك قامت الرهبانيّة وجامعة الروح القدس بتقديم اللقاح لجميع شركائها المباشرين: الأهل، وجميع العاملين في أديارها ومؤسّساتها والمعلّمات والمعلّمين والإداريين في مدارسها، وأساتذة الجامعة وطلابها، وغيرهم من الشركاء.

ما كتب غيض من فيض، أسطر قليلة من تاريخٍ رهبانيٍّ لبنانيٍّ خطّه رهبان لبنانيّون موارنة، يؤمنون بالثالوث الأقدس، أصحاب إرادة لبنانيّة صلبة بتغيير الواقع دائمًا من سيّئٍ إلى زاهرٍ، يعيشون بين شعبهم ومعه ليقتسموا الرغيف الواحد سويًا متى اشتدّت الضائقة الماديّة عليهم، وتاريخهم واحد ثابت منذ 10 تشرين الثاني سنة 1695 وحتى يومنا هذا، على الرغم من تغيّر الظروف وكثرة اللوحات على صخور نهر الكلب، ظلّت هويتهم لبنانيّة مارونيّة، فدخلوا في الوجدان اللبنانيّ لأنّ تاريخهم جزء من تاريخ الشعب اللبنانيّ، وقابعون في قلوبهم دائمًا فقط لأنّهم رهبان «رهبنتهم البلديّة».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل