وطني… إسمٌ بلا عنوان؟

لماذا يتحوّلُ موطني لاجِئاً تحت عنوان ” مُستَعمَرة “، مسحوقاً ينزفُ حطاماً صَدِئاً وكأنّ لوثةً سرطانيّةً نسجَت كفنَه، يلحسُ من دمِهِ، ولا يجدُ ما يضمّدُ به جراحَه إلّا الجراح؟ لماذا ضُيِّعَ منه جوازُ مروره الى الفرح، فهاجمت العتمةُ أنفاسَه، وأصبحَ وَقْفَ الشيطان؟ لماذا لم يعدْ يصدّق أنّ اليومَ الثالثَ موجود؟

لا حاجةَ للالتفاف على الإجابة، والكلُّ يعيشُ موسميةَ الهدم، والخيبة، وهشاشة الثقةِ بانفراجٍ موعود. وما أكثرَ البشاعةَ التي تنشرها الخيبات، ويعمّقها الإحباط، وتفرضها حالُ الناس مع قياديّيهم الحاكمين، فهي تُشبه حالَ النائم مع أحلامه التي يحسبُها حقيقة، لكنّ استيقاظه يشكّل خاتمةً بائسة لسَرابٍ هائم، فيتشقّق أملُه ويتحوّلُ يأساً قاتلاً. ويأسُ الناس ليس مُستغرَباً، فعاملُ الخسارة الحتميّة يطفو بيوميّاتهم دون تعويض، وسهامُ الفشل والخوفِ تطالهم، ومن دون حُلول.

أمّا الأمورُ التي تتصاعد وتيرتها باستمرار، فهي الفساد الطّاغي الذي أنهكَ قدرةَ الشّعب على عيشٍ كريم، وهي الإطاحةُ بمشروع الدولة التي تحمي، وحدَها، حقوقَ الناس، وهي فشلُ النّهوض بالوطن من جانب حكّامه الفاشلين، وهي الخطرُ المحدقُ بالمصير وبالكيان الذي هو الصورة الوجوديّة أو الحالة العلائقيّة بين الإنسان والوطن، وهي تلاشي القِيَم والمبادئ، وهي مؤامرةُ تحويل لبنان محميّةً ترسّخُ رَبطَه بفاشيّةٍ غريبةٍ تُنهي وجوده الحرّ.

من هنا، تُطرَحُ الإشكالية المُخيفة: هل باتَ الوطنُ إسماً بلا عنوان؟

إنّ سَقطة الوطن المأسوية ليست، أبداً، مُفاجِئة، ولم يفرضْها الغامض، ولم تحصلْ بمشيئةٍ هبطَت من عَلُ. فالسّقطة لها مسبِّبون معروفون نحروا ريادةَ لبنان في الحرية، والثقافة، والتمدّن، والحضارة، ليعودوا به الى عصور الأساطير، والتخلّف، والانصياع، والظّلم. إنّ عَتَبَ الناس على القَدَر، أو على الدّهر، مردودٌ، أساساً، فالعتبُ، في هذا المجال، هو من الكبائر التي عنوانها العجز، وهلهلةُ العنفوان، وانكفاءُ المواجهة.

في عالَم الأوطان، أُفُقان، واحدٌ مُعتِمٌ أَجوَف، وآخرُ ينظّم مَطالعَ النّور، والاختيار بينهما هو اختيارٌ بين أن تكونَ آمِراً، أو مأموراً. إنّ نفسَ الحرّ لا تحتملُ الهَوان، فهو عظيمُ العصبيّةِ على الحرية، جعلَها بطاقةَ هويّته، وأنشدها بروحٍ ملتهِب، فهي، عندَه، مطلعُ الشّمس، ومغرسُ الأمل، وبدونِها يصبحُ إسماً بلا لَقَب. من هنا، لن يقبلَ بأن يُحَرَّفَ مفهوم الحرية عن مواضعه، فهي تبقى معه، دائماً، روضةً خضراء، بالرَّغم من الأشواك، والوحل، وأنيابِ الذئاب التي تضمرُ لها الشرّ. إنّ افتقارَ الوطن الى الحرية، كافتقارِ الجسد الى الحياة، وافتقار الأرضِ الى المَطَر، وافتقارِ النَّفَسِ الى الرّئة.

إنّ ذِكرَ لبنان في الأزمنة السّود هو تشويهٌ لنعيمِ كرامتِنا، فهو رهينةٌ حُبِسَت حتى يَبسَت، ولُطِمَت بما خَبُثَ من ظلم، وبما فَسُدَ من حكّام، وبما شَنَعَ من تآمُر. كلُّ ذلك الجُحود أعاد الوطن الى عهود الإرهاق، وأَشعرَ أهلَه بالغربةِ في أرضٍ مسلوبة، وأَخمد الصّوتَ الذي فضحَ مَنْ أشركوا في الولاء، وعملَ على تزييف مفهوم الديمقراطية، ومسخَ مبادئ الوطنيّة، وسلك منحى الانتقام مِمَّن ناضلوا لنصرةِ قضيةِ لبنانَ الذي أدخلَه هؤلاء الطارئون في حالة الموتِ السّريري.

إنّ جعبة مُهَشِّمي الوطن، والذين يخضعون لهم للحصول على مردود نُفوذِيّ، عامرةٌ باللغة الخشبية، وبادِّعاءاتٍ عالية النّبرة، مُغَلَّفةٍ بإطار عنيف، تعتمدُ الوقعَ الحاد الذي يُتَوَكَّلُ عليه إنْ للترهيب، وإنْ للتّخدير، بهدفِ الحصولِ على تسليمٍ تلقائيٍّ من مجموعةٍ باتَت دُميةً معقَّمةً فكرياً. هذه المنهجيّةُ في التّهويل، وإن اعتبرها العاقِلون تهريجاً، وهرطقاتٍ مُغرِضة، غير أنّ الغائبين عن الوعي الذين سُدَّت منافذُ الرّشدِ عندهم، يجدون في ما تفيضُ به هذه الهلوساتُ، أقوالاً مُبينةً، أو آياتٍ مُنزَلةً لا تقبلُ تبديلاً، فيصفِّقون على غيرِ هداية.

في المحصِّلة، يتمادى مشروع نَشلِ الوطن، في توقيتٍ إقليميّ، وظرفٍ داخليّ، ما يطرحُ موضوع المَصير الذي تنقسم، حولَه، المواقف، إذ يعيشُ فريقٌ واسعٌ من اللبنانيّين حالةً اندماجية مع الكيان، ليشكِّلا نموذجاً شَراكيّاً، مصيريّاً، يصلُ الى حَدّ التّماهي المُطلَق، في حين لا يمثّلُ الوطنُ لمَن يسعى الى نَسفِه في وجوده، وكيانيّته، حيثيةً مصيريةً يرتبطُ بها. وهنا، تكمنُ الخطورةُ القُصوى، أو لُبُّ الصّراع، في ادّعاء أنّ لبنان هو وطنُ المصادفة، ينبغي إخضاعُه لبرمجةٍ مستوردةٍ تُعيد قَولبَتَه ليصبحَ إسماً من غيرِ تعريف، ومساحةً بِلا عنوان.

عسى أن يستفيقَ الجرح، ليحتِّمَ الانتساب الى الكرامة الوطنيّة فِعلَ صَدِّ هذا المساس العدوانيّ بالأرض والشّعب، لاستعادةِ ما انهارَ من السيادة، وما ضُيِّعَ من العنفوانِ الذي كان، دوماً، سلطاناً يحكمُ الشّجعان.

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل