من مقاعد المدرسة الى الجامعة… إنسلاخ مدعوم بمرافقة الأهل

كتبت ريما بجاني في “المسيرة” – العدد 1722

من مقاعد المدرسة الى الجامعة

إنسلاخ مدعوم بمرافقة الأهل

 

قد تكون من أكثر المراحل المفصلية في حياة كل فرد قرّر أن يكمل دراسته الجامعية، لكنها حتمية. فالجامعة تشكل مرحلة إنتقالية للتلميذ الذي تعوَّد طيلة مراحل الدراسة الإبتدائية والثانوية على نمط الحياة المدرسية المنظمة ومتابعة الاهل الحثيثة والمباشرة، وإذا به ينتقل فجأة الى نمط مختلف من حياة النضوج والإتكال على الذات والإنطلاق في حياة المسؤوليات والتحضير للعمل. ولهذه المرحلة خصوصياتها وطرق معينة للتعامل معها ومع التداعيات النفسية التي تتطور في أثنائها، إضافة الى طريقة توجيهات للأهل لمساعدة الطالب الجامعي للإنطلاق نحو الإستقلالية بشكل تام ومن دون خوف. ولن ننسى التحديات الكبرى التي يواجهها الطالب الجامعي الذي اختار متابعة دراسته في الخارج، مرغمًا أم لا.

في الشق العملي، يكون التلميذ في مراحل الدراسة متحررا من المسؤوليات المباشرة أو التحكم بالأمور اليومية، فيعتمد خلال ١٥ عامًا، على من يدير أموره المدرسية اليومية (الجرس، لقاء الأهل والأساتذة، إلخ) ويُترك في مرحلة الجامعة بطريقة مباشرة لتدبير أموره مما يسبب لدى البعض القلق من المسؤوليات المستجدة، من تنظيم أموره واختيار المواد، والتوقيت، إلخ. ولن ننسى أن العبور من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضوج، يفترض تحمّل مسؤولية مستقبله بالكامل ومسؤولية قراراته.

ينقسم هذا التحول من مرحلة إلى أخرى إلى شقين: الأول، يتمثل بالحماسة للخروج من القوقعة والإنطلاق الى حياة متحررة من القيود. والثاني، الخوف من الخروج من كنف الأهل والمتابعة الحثيثة. وفي كلا الظرفين يشعر الطالب بالقلق، ولكن الفرق هو الإنطلاق نحو المستقبل، وهذا يتوقف على الجهوزية والقدرة الذهنية لتحمّل المسؤوليات.

يلعب الأهل دورًا أساسيًا في هذه المرحلة، علما أنه يُفترض أن يكون بدأ التحضير لها منذ ولادة الطفل، فتكون طريقة التعامل معه من جهة، وتعامل الأهل مع مخاوفهم من جهة أخرى، هي العامل الأساسي لمساعدة الطالب الجامعي على الثقة بالذات وبقدراته للإنطلاق بحياته المستقلة.

في مرحلة الطفولة والمراهقة، إعتاد الأهل على مساعدة أولادهم في تنمية ذكائهم العاطفي وحس الإستقلالية من خلال مراحل النمو الذهني المختلفة، من دون المس بال discipline et la fermeté. فيساعدونهم على تنمية الثقة بالذات من خلال أخذ بعض القرارات بحسب كل مرحلة، ومساعدتهم على توضيح رؤيتهم من خلال أمثلة وخيارات، وتشجيعهم على الخروج من ال comfort zone فينطلقون خطوة خطوة نحو الإستقلالية في الجامعة.

واللافت أن الأهل، بطبيعة الحال، يميلون دائما الى فرض آرائهم غرائزيا على أولادهم من باب الخوف وبهدف حمايتهم من المخاطر. لكن هذا التصرف دونه مخاطر، إذ لا يساعد التلميذ على تنمية قدراته لإيجاد الحلول المناسبة لمشاكله، فيعود دائما الى أهله لإيجاد الحلول، مما سيتعبه ويؤثر على شخصيته في مرحلة لاحقة، أو يحتفظ بمشاكله لنفسه من دون إيجاد الحلول. وتتطور هذه الحالة في مرحلة المراهقة، بحيث تظهر بوادر التمرد على سلطة الأهل فتتفاقم من دون إيجاد حلول.

من هذا المنطلق، على الاهل تحضير أولادهم للإستقلالية، وهو من الأمور الصعبة لدى البعض، إذ يعتبرون دائمًا أن أولادهم بحاجة إليهم، وهم غير مؤهلين لتحمّل المسؤولية، ولا ثقة لديهم بقدرة الأولاد على تدبير أمورهم، وذلك من منطلق عاطفي بعدم الرغبة بالإنسحاب من حياة أولادهم، بهذا الشق، وإعطائهم فسحة حرية ضرورية لتكوين شخصيتهم.

ولضمان قدرة الشباب على تدبير أمورهم، يجب مساعدتهم من خلال بعض النقاط الأساسية، وأبرزها:

١- عدم الإنسحاب بشكل مفاجئ وكامل من حياتهم ومساعدتهم على بدء حياتهم في الجامعة، ويجب أن تكون من خلال Brainstorming and to give then the know how. أي أنه على الأهل مساعدة أولادهم على تنمية طريقة تفكير تساعدهم على إيجاد حلول من خلال التفكير البنّاء والإيجابي، وتحويل خبرتهم لأولادهم من دون فرضها عليهم، إنما بالعكس ترك الحرية لهم بتحويلها بطريقة إيجابية لما يناسب شخصيتهم وتطلعاتهم.

٢- مساعدتهم على الوثوق بقدراتهم مع ترك مساحة للتعبير عن خوفهم وقلقهم، واعتبار ذلك منحىً أساسيًا لمساعدتهم على الإنطلاق. فانفعالتنا كالخوف والقلق، إن إسْتُثْمرت بطريقة صحيحة، تساعدهم على إيجاد الحلول.

٣- على الأهل أن يساعدوا أولادهم على التحرر من الرابط العاطفي المكبّل لشخصيتهم، من دون الإبتعاد عنهم كليًا، لأن من شأن ذلك أن يساعد الطالب على بناء علاقة جيدة ومتينة وصحية معهم.

٤- عدم تحويل خوف الأهل على أولادهم إلى عائق في طريق تطورهم، والتعامل مع القلق بطريقة إيجابية، خصوصا القلق النابع من الخبرات الماضية والخوف الذي شعر به الأهل بنجاحاتهم وإخفاقاتهم.

٥- أن رَغبتهم في الإستقلالية وأخذ القرارات هو عامل صحة، على الرغم من المشاكل والقرارات الخاطئة. لا تُقِلّوا من قيمتها، لا تُسخفوها، حاولوا أن تكونوا المرجع أي السند الآمن عند حاجتهم لكم.

٦- على الرغم من القوة والثقة الظاهرة على الطلاب في الجامعة، إلا أنه يمكن أن تهتز. لا تلوموهم ولا تنتقدوهم، فهذا أمر طبيعي، ومن الجيد أنهم استدركوا الأمر في الوقت المناسب، وهذا دليل على وعي وإدراك، مما يساعدهم على تطوير ثقتهم بذاتهم.

أما الطلاب الذين يغادرون كنف العائلة والوطن للدراسة في الخارج مع كل التغيّرات التي أدرجناها سابقا، فالتداعيات النفسية عليهم تكون مضاعفة وظاهرة، وفي أحيان أخرى مبطنة. وهنا يكون الدعم المعنوي ضروريًا، خصوصًا لجهة العمل على التصالح مع فكرة الإنسلاخ عن الأولاد من خلال الأفكار الإيجابية، وتأمين مستقبل أفضل، والأمان والإستقرار، إلخ.

ومن إيجابيات هذه المرحلة، لا سيما في حال سفر الطلاب للدراسة في الخارج، التعرف على أصدقاء جدد أو الإلتقاء بأصدقاء الدراسة القدماء.

تحقيق نمو الشخصية يحتاج الى عدة عوامل تساعدنا على التطور إيجابيًا. وعلى شبابنا إكتشاف ذواتهم وقدراتهم على تحمّل مسؤولياتهم بمؤازرة الأهل عند الحاجة، فيتعوّد الأهل على فكرة إستقلالية أولادهم وينطلق الأولاد من تحت جناحي الأهل الى فضاء الحياة من دون تردد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل