حياتُنا مواسمُ أَلغام

إنّ الناسَ، عندنا، معلّقون على خيطٍ ضعيفٍ فوق جهنّم، لذا، من حقّهم أن يستحضروا كلّ قواميس الشَّتم، ومعاجم التّشنيع يرشقون بها مَن سبّبَ السقطةَ التراجيديةَ لعيشتِهم، ودمّر رجاءَهم بغدٍ أفضل. نعم، من حقّهم أن يستخدموا عبارات التّعنيف، والتّقبيح، والازدراء، يسدّدونها على المسؤولين القابعين في سُدّاتهم، وكأنّهم غُربانٌ فوق جيفةِ الوطن.

لقد تسمّر الناس على فوّهةِ الخوف، واليأس، وبشاعةِ الإحباط، في مقابلِ عجزِ حاكميهم، وفسادهم، وسوء إدارتهم، وتلهّيهم بالصّفقات والنّهب، غير عابئين بوجعِ الشّعب، وكأنّه مسألةٌ تفصيليّةٌ، أو قضيةٌ جانبيّة لا تعنيهم تداعياتُها القاتلة. فقد مُنِيَ البلد بطغمةٍ غسلَت يدَيها ممّا يحصل، وتملّصت ممّا يتخبّط به الناس من بلايا هي، في الحقيقة، مشهد مرعب لم يعدْ يقبلُ التصريحات التخديرية، ولا الكذبَ المقنَّعَ لامتصاصِ النّقمةِ.

لقد وعى الناس أنّ حكّامهم خلطةٌ فاسدة عامَت فوق ثروات حصّلتها من صفقاتٍ مشبوهة، فباتت الدولة، بوجودِ أركان هذه الخلطة، ذبيحةً مدنَّسة. إنّ شَقعةَ المسؤولين الذين يظهّرون أنفسهم قَيِّمين على حياة العِباد، لم يعد بإمكان ورقةِ تينٍ واهية أن تحجبَ عوراتهم وموبقاتهم، وأن تسترَ قرصنتَهم الدولةَ، وأن تجمِّلَ سلوكهم الشّنيع الذي ارتدّ على الناسِ خسارةً لرزقِهم، وفلذاتِ قلوبهم، وجنى أعمارهم. وهذا، بالرَّغم من وجودِ مصفِّقين أغبياء، لا يزالون يقبلون، على غير هداية، أكاذيبَ ” قُوّادِهم “، وكأنّهم مُنوا بخللٍ مركزيّ في أروقةِ نخاعاتهم.

إنّ الرصيد النّفعيَّ، وحدَه، لا يزالُ يشكّل هاجسَ مَن في السّلطة، وذلك، بعيداً عن أيّ صحوةٍ وطنيّة أو أخلاقيّة تعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية، ولمُعطى الكرامة، ما يمكن أن يدفع صوب تنشيط سيرورة الوطن نحو الأفضل. لكنّ الواقع الحافلَ بالقلق، يُظهر، وبوضوحٍ لا يرقى إليه الشكّ، أنّ الدَّورَ الطَّليعيَّ في نصرةِ الحقّ، جُيِّرَ الى التّهميش، وأنّ رحلةَ الالتزام به تنتهي في التّرابِ أو في شِبه قبر. من هنا، يستمرّ الدجّالون من مُمتَهِني العمل السّلطوي، يتقمّصون دورَ الرُوّادِ ويوهِمون الناسَ أنّ الحلَّ في جَيبِهم.

خارجَ إطار البرمجةِ المقصودة لتأطيرِ بعضِ الواهمين حتى يصفِّقوا لمُرتَكِبي جريمةِ قتلِ الناس، بالجوع، والفقر، والهجرة، واليأس… لا تمرُّ الوعودُ الكاذبةُ والوهميّةُ على أولي الأَلبابِ الذين كشفوا ارتكاباتِ مسؤوليهم، أولئك الذين حاموا على فريسةٍ اسمها لبنان، فنهشوها، متشاركين في تدنيسها وتمزيقها، وتاركين في جسدِها المحطَّم نُدوباً عدوانيّةً عميقة، ظانّين بأنّ هناك مَن يغفلُ عن خطيئتهم المميتة.

من الغُبنِ اتّهامُ الناسِ بالتّغاضي عن سيّئاتِ الذين سلكوا سُبُلَ الشرّ، ودسّوا السمَّ في حَلقِ الوطن، دونما هوادة، وحاكوا خيوط دسيسةٍ أودَت بمقدّراتِه، فلم يعد تلك الأرضَ الرّشيحة التي تحملُ في قلبِها حبّةَ القمح، وغصنَ الكرمة، دلالةً على الخَصبِ والسّخاء. فالناسُ لا يزالون الصوتَ السّاطعَ المُوَقَّعَ الأداء، والمُتَغَلغلَ في ثُغورِ الأرض، يزلزلُ هاماتِ القابعين في جحورِهم، بهزّاتٍ لا ترضى لها علاجاً. فمعركتهم ليست بمعزلٍ عن مُعطى الحقّ بالحياة، وصوتُهم ليس ضجيجاً، وثورتهم التي ينتصرُ لها أتباعٌ كُثرٌ، ليست لوحةً باردةً في جِدار، ولن تزولَ مفاعيلُها إلّا بعدَ أن يرى لبنان إشراقةَ القيامة.

يواجهُ أهلُنا، راهناً، ظرفاً متجهّماً، لاعاديّاً في تاريخ أكثرِ الشّعوب، قوالبُهُ مسَنَّنةٌ هوجاءُ تُحَبِّذُ الأذيّة، وتداعياتُه صادمةٌ صَعبٌ التّعافي منها، ووجهه شَرِسٌ أَسوَدُ الإِثم، يدفعُ قبحُه الى عبادةِ النّار لأنّ الشرَّ الذي يفاخرُ بالانتماء إليه، هو الأَبقى فيه. إزاءَ هذا الواقع الصّعب، من الطّبيعيّ أن ينفرَ منه الناس، فبالرَّغمِ من أنّ مائدةَ الحياة لا تُقَدَّمُ عليها، في كلّ مرّة، أطباقٌ لذيذة، غير أنّ الاعتصام الصّارمَ بنَبضِ المجابهة هو ضربٌ من النّضال المُحِقّ لمواجهةِ تدنيسِ الوطن، والزَجِّ بأهلِه في أتونِ القهرِ الضّاري.

إنّ حياتنا في بلدنا فُصولٌ من القلق، ورهينةُ الخوف، بؤسُها سببُهُ شراسةُ المسؤولين وتسلّطُهم، وارتجالُهم في مقاربةِ الأزمةِ، وعجزُهم عن إيجاد حلولٍ لها، وهو عجزٌ مقصودٌ ومُغرِض، لكي يبقى الناسُ أَسرى اليأس. لكنّ انتسابَ الناس، وجدانياً، الى الكرامة الوطنية، يدفعهم الى الاحتجاج على المساس العدوانيّ بالأرض، وبهم، ما يحفّزهم، كقوّة ضاغطة، على قَلبِ الموازين، انتصاراً على عاملِ الخوف، والطّاعة، للإمساك، ديمقراطياً، بحقِّ صناعة القرار، ولا يتمُّ ذلك إلّا بالانتخابات الموصلةِ الى أرض الخلاص.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل