أزمة الولاء

الولاء، في المفهوم الوطنيّ، هو الالتزام المطلق بالإخلاص والوفاء لوطن ننتمي إليه، وننصره، وندافع عن كيانه، ونضحّي لأجل استمرار وجود له غير مدنّس. من هنا، يشكّل الولاء مبدأً وجدانيّاً، وأخلاقيّاً، يصون العلاقة بين الوطن والمواطن، ويفرض نفسه واجباً يرأس سائر الواجبات التي تترتب على المنتمين الى وطن. لذا، لا يدرج الولاء في إطار التنظير، وفي سبك الخطب، إنّما يتعامل معه انطلاقاً من السّلوك، أو الفعل، وهكذا يتمّ الفصل بين من يولي الوطن مناصرةً، وتأييداً، ودفاعاً ولو كان الثّمن الكفن، وبين الذين يتشدقون بدون احتراز، ويزايدون بدون فعل، وينكفئون عند أول أزمة تلوح في أفق الوطن.

لطالما طرح السؤال عمّا إذا كان الولاء واجباً، وإلزاميّاً، وضروريّاً، لاستقامة العلاقة بين الوطن والمنتسبين إليه، بمعزل عن القيد الرّسمي، أو اقتناء الهويّة. إنّ حمل بطاقة التّعريف يمكن ألّا يعني، حكماً، أو يجزم بوجود رابط متين أو عقد جامع يدلّ على ولاء المواطن، قلباً ويداً، واندفاعاً مملوءاً بحميّة يقدح نارها. ففي أحيان كثيرة، يكون حطب الولاء رطباً، يغلب عليه الانهزام، أو المصلحة الخاصة، أو الخيانة والتآمر، ويكون دوام الالتزام به خبيثاً، ومحض تلفيق وزيف، وهذا أشنع المسالك.

عندنا، يمارس الولاء على أنقياء الوطنيّة قوّة أسر، فلا يسمع في ذواتهم إلّا حسّه، لينشأ تعاهدٌ، وتواثقٌ، حتى بذل الرّوح إخلاصاً. وبالتالي، يتحوّل الولاء مذهباً طقوسه العنفوان، وملاحم المدافعة، وفصول النّضال، وشلّال الشهداء، لأنه جديرٌ بأن يصنف في عداد الكتب المقدسة. أمّا نسل الهراطقة الموطنين خارج مساحة الوطن، والذين لم تتولّدْ فيهم ثقافة الترابط بالانتماء، فلا عقدٌ بينهم وبين الالتزام الوطنيّ، ولا أولويّةٌ للولاء كقيمة علائقيّة بالوطن، لذا، لم يكن وجودهم على أرضه، يوماً، نقي الهواء.

إنّ الولاء هو القيمة العليا التي تترسخ في وجدان الناس، ما يجعل تحكّمها إمكانيّةً تدفع بالمجتمع الى تحقيق سيادته، وكرامته، وهدف وجوده، وحصانةً لاستمراره عزيزاً، منيعاً، صامداً بوجه عاتيات الأيام والظروف. أمّا الشّرط الموجب الذي يحصّن الولاء ولا تنتهك حرمته، فهو أن يكون مطلقاً، بمعنى أن يكون ممنوحاً للوطن وحده، من دون ولاءات رديفة أو بديلة أو جانبيّة، من مثل الولاء للمذاهب، والطوائف، والإيديولوجيّات، ولبلدان ما وراء الحدود. والملفت، عندنا، أنّ الولاءات الضيّقة تتفوّق بعصبيّتها، في الكثير من الأحيان، على الولاء الأمّ، أي الولاء للوطن من دون سواه، ما يجعل الفرد قابعاً في جزيرة معزولة عن وطنه، يتناغم معه أو يتنافر تبعاً لتوافق الولاءين أو تباعدهما.

أمّا الخطر الدّاهم في مسألة الولاء، فهو الارتباط العضويّ لبعضهم بالخارج، وهو سلوكٌ صادمٌ من شأنه أن يدمّر مقوّمات الوطن، وأن يشوّه صورته، وأن يزعزع ثوابته بانقلاب يفرض استعماراً، ويبسط حيثيةً مشبوهةً تودي بمرتكزات الكيان الوطني برمّتها. إنّ بعض الداخل المتطلّع صوب مرجعيّات خلف الحدود، يمحضها ولاءه، هو متنكّرٌ لهويّته الوطنية، ومهشّمٌ لشرعيّة دولته، وساع لاستبدال النظام القائم بصيغة مرفوضة، شعارها العودة الى زمن الولاية، أو عصر الممالك، أو ثيوقراطية الخلافة. والأدهى أنّ هذا البعض يجاهر بولائه لهذه المرجعيّات غير عابئ بما يمكن أن يحدثه الشّرخ من فتح باب جهنّم أمام الوطن.

إنّ الولاء للبنان وحده، يسهم في بناء مواطنة صحيحة، ويعزّز التضامن بين شرائح النسيج الوطني، ويضمن انتصار قضية الحقّ في بقاء الوطن سيداً، حراً، منيع الجانب. أمّا ذوبانيّة الانتماء للوطن بولاء غريب، فمن شأنها أن تسوق البلد الى اضمحلال سمته المميّزة، في التّشارك، والتوافق، وتزجّ به في منحىً انحداري يعرّض كيانه للسّقوط، ويصدّع وجوده، ويرمي به في هوامش الانحطاط.

يخطئ من يحسب أنّ التّهديد بالغزو هو خطابٌ ظرفيّ، وأنّ البلوغ بالسيادة الى شهقة الموت هو حملةٌ راهنةٌ تميّع بسهولة، وأنّ قاموس التّهديد بانقلاب شامل هو مجرّد عبارات تمحى بتبدّل الظّروف، فانقضاض مشروع المرتهنين لأجندة مستوردة ينفذ بدقّة، وبشكل ممنهج ما يقتضي التشبّث بسلاح الولاء، فهو خطّ التّماس بين الجبانة والبطولة، وهو الدليل الى المواجهة، وهو الضّامن لإجهاض حسابات المتآمرين ومن خلفهم في الخارج الذين يلوّحون بمقصلة تفرم رقبة الوطن. أمّا التلكّؤ فهو مضيعةٌ للوقت، ولعامل الأمان، وهو اغتيالٌ سافرٌ للحقّ في حياة راغدة يستحقّها الشّعب والوطن على حدّ سواء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل