#dfp #adsense

ألف سنة… ثوابت “القوات” كأمس الذي عبر

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1723

تتعامل «القوات اللبنانية» مع عامل الوقت إنطلاقاً من الجملة التي يحرص رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع على تضمينها بعض خطاباته «ألف سنة في عينيك يا رب كأمس الذي عبر (…)»، والتي تختصر عمق تفكير «القوات» بأن القضية التي تعمل على تحقيقها مفتوحة في الزمن، وأن دور «القوات» يشكل إستمرارًا لمن سبقها منذ قرون.

قلة من القوى السياسية تفقه معنى فلسفة الوقت، فيما معظمها يسابق الوقت سعيًا لمواقع نفوذ وسلطة، وهذا لا يعني أن الفئة الأولى لا تسعى إلى المواقع، إنما سعيها يندرج في سياق تحقيق مشروعها الإنساني في هذه البقعة من العالم.

فالقضايا التي تتعلّق بالإنسان الوجود والكون لا تنتهي في سنة ومحطة واستحقاق، إنما هي عمل متواصل على مواكبة الحداثة والتطور وتوفير سبل العيش الأفضل في بيئة مستقرة وآمنة يحقِّق فيها المواطن ذاته في إيجاد فرصة العمل الأفضل وبناء عائلته وعيش حياته وحرياته.

فقوة «القوات» بهذا المعنى لا تقتصر على ثلاثية تنظيمها الدقيق وحيثيتها الشعبية وعقيدتها السياسية، إنما ترتكز أيضًا على فلسفتها لعامل الوقت الذي تكمن أهميته في الثلاثية التالية:

أولاً، لا تخضع لضغط اللحظة السياسية وشروطها ومغرياتها ومتطلباتها السلطوية الآنية، أي أنها لا تخضع لابتزاز ومقايضة.

ثانيا، لا تحدّ مشروعها السياسي بمنصب رئاسي أو موقع وزاري أو مقعد نيابي، بل تحوِّل هذه المواقع إلى وسيلة تحقيقاً لمشروعها السياسي.

ثالثا، لا تتبع سياسة الخبط عشواء، إنما تعتمد سياسة التراكم في النضال والمواقف والخطوات والإنجازات.

فعين «القوات» على مشروعها السياسي وليس على السنوات والوقت الذي يمضي قبل ولوج هذا المشروع، لأن الخضوع لعامل الوقت يؤدي إلى التراجع عن المشروع والهدف والقضية، فيما لا علاقة للوقت بتحقيق الأهداف التي تتطلّب مسارًا طويلاً لا يمكن تحديده في زمن معيّن.

ومن هذا المنطلق الأولوية دائمًا بالنسبة إلى «القوات» هي للنضال لا الوقت، أي للقضية بمعزل عن المدة الزمنية التي يمكن أن تستغرقها من أجل تحقيقها، وهناك في المقابل من يراهن على عامل الوقت نفسه بغية دفع فئة معينة من الناس للتراجع عن أهدافها، ولعلّ أبرز مثال على ذلك حقبة الإحتلال السوري للبنان التي كان الأفق السيادي فيها مقفلاً، ويمكن أن يحكم النظام السوري لبنان لعقود مديدة، وفي أوقات من هذا النوع يُعمل على تيئيس الناس وإحباطهم من أجل دفعهم إلى التسليم بسياسة الأمر الواقع مع إنتفاء أي خيارات بديلة أمامها.

وفي أوقات من هذا النوع أيضًا تُمتحن المجتمعات بين من لديه القدرة على الصمود والمواجهة والنضال على رغم صعوبة الظروف والأفق المقفل، وبين من يتأقلم مع الواقع في ظل بدائل غير متوافرة، وهنا بالذات تكمن قوة «القوات» التي لا تتخلى عن أهدافها في زمن الشدائد وتعود إليها في زمن الإرتخاء والإرتياح، لا بل تجوهر في الصعوبات التي تعيدها إلى ينابيع منطلقاتها الفكرية والنضالية.

وعلى رغم الحقبة الذهبية التي عرفها لبنان بين الإستقلال والحرب، فإن جذور الأزمة اللبنانية كانت تحت الرماد، إلا أنه في أول تحدٍ فعلي ومنعطف دقيق انهار لبنان كليًا بسبب الخلاف العميق حول دور هذا البلد ونهائيته، وبعد أكثر من خمسة عقود على الإنهيار ما زالت المشكلة نفسها والأزمة ذاتها على رغم توسُّع قاعدة المؤمنين بالسلام والإستقرار، ونتيجة هذا الوضع بالذات نشأت الحالة العونية بخروجها عن الخط المسيحي اللبناني المرتكز على الدولة والحياد والحرية والشراكة، وذهبت إلى السهل الممتنع الذي تتخلى بموجبه عن الثوابت مقابل السلطة، وهذا ما لم تفعله «القوات» لا في زمن الحرب ولا الزنزانة ولا خطف الدولة، لأن الدور غير المستند إلى الثوابت مصيره الفشل والسقوط.

وعلى رغم التسونامي العوني في العام 2005، وعلى رغم وصول الرئيس ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية وحيازته أكبر تكتل نيابي ووزاري، فإن الحلم الذي راوده منذ كان قائدًا للجيش بأن يكون رئيسًا للجمهورية أدى إلى أن ينهي أو أن يختم حياته السياسية بفشل كبير بسبب تبديته السلطة على الثوابت، وبفعل استناده إلى قوة «حزب الله» لا قوة الدستور، والرأي العام المسيحي الذي كان أيّده من منطلق أن مشروع الدولة سيبقى متعثرًا وأن البحث عن البدائل يبقى الأجدى ولا مفرّ منه، إصطدم بالحائط المسدود، لأن لا خيار خارج إطار الدولة والشرعية والدستور، وهذه ثوابت كونية وإنسانية..

وهذا الخط المسيحي اللبناني الذي لم تغادره «القوات» يومًا على رغم العروض التي انهالت عليها في زمن الحرب والإحتلال وبالتزامن مع خروج السوري من لبنان حيث أتاها من يعرض عليها التحالف المسيحي على الوطني في لحظة تحول باتجاه اللبننة، فبقيت على الثوابت نفسها والقضية عينها لأن مشروعها ليس مشروع سلطة يجب أن يتحقّق في فترة زمنية محددة وبأي ثمن وعن طريق أي وسيلة، إنما مشروع وطن وجمهورية للإنسان.

فالثبات في الخط السياسي يولِّد التراكم الوطني والنضالي، ولا بدّ لهذا التراكم من أن يؤتي ثماره، خصوصًا أن جوهر المشروع الذي تعمل عليه «القوات» هو الإنسان الذي يُفترض أن يشكل هدفاً للجميع ومساحة مشتركة بين الجميع، وكل العقائد تسقط أمام أولوية توفير كل مقوّمات الحرية والراحة والطمأنينة والإستقرار للناس.

ويُفترض ان تكون التجربة الإيرانية آخر التجارب التي تعيشها المنطقة وفي طليعتها لبنان مع مشروع سياسي قديم لا يمت إلى الحاضر والمستقبل بصلة، ومواجهته تتطلّب التمسك بالثوابت ورفض التسليم بالأمر الواقع والرهان على وعي الناس لمصلحتهم في قيام دولة تحافظ فيها على نمط عيشهم واستقرارهم وأمنهم وحاضرهم ومستقبلهم، خصوصًا بعدما اختبروا من كيسهم ولحمهم الحي كارثية نأيهم بأنفسهم عن المواجهة السياسية الوجودية القائمة.

فـ»القوات اللبنانية» في العام 2021 هي هي على غرار ما كانت عليه في الأعوام التي سبقت وما ستكون عليه في الأعوام التي ستلحق، أي المزيد من الشيء نفسه في سياق سياسة التراكم التي ستقود اللبنانيين يومًا إلى دولة وسيادة وحياد وحرية، ويمكن لأي مواطن مثلاً أن يغيب عن المشهد الوطني لعقد أو أكثر من الزمن، وعندما يعود سيجد «القوات» كما عرفها عن بعد أو عن قرب: الثوابت نفسها، الإلتزام نفسه، والإصرار على مشروعها لا يتوقف أمام إحتلالات وعقبات وتهديد وترغيب…

ومع إنهيار المشروع الآخر وانكشافه أمام الرأي العام على حقيقته بأنه مشروع تعطيل وعدم إستقرار وفقر وخراب، إقترب المشروع الذي تحمله «القوات» أكثر فأكثر من الترجمة على أرض الواقع، ومن انتظر نصف قرن وأكثر من الإنهيار أصبح بإمكانه أن يرى حلمه بوطن ودولة قريب المنال والتحقُّق وأقرب مما يتصوّر.

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل