2022 نسخة معدّلة برافعة الانتخابات وإلا…

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1723

الحزب والتيار حلف الإنهيار

2022 نسخة معدّلة برافعة الانتخابات وإلا…

يمكن ببساطة كلية وصف العام 2021 لبنانيًا بلوحة الكوارث، لأنه أشبه بلوحة إلكترونية تضم مربعات عدة، وكل مربع يؤشر إلى أزمة أو مصيبة أو مأساة، وقد تمت إضاءتها تباعاً، ولم يبق منها إلا القليل لاستكمال تحفة فريدة لم يشهد لها اللبنانيون مثيلاً.

إنها لوحة لا تحتاج تيارًا كهربائيًا، ولعل هذا من معجزات التيار البرتقالي، لأنها تشع تلقائيًا بإنجازات رائعة حققها حلف السلطة الفاسدة والدويلة، أو حلف التيار و «حزب الله»، وذلك بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة على مدى عام واحد يكاد يختصر الأعوام العجاف التي مرت على لبنان منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم.

ولمَ لا، يمكن أن نسبغ على العام 2021 لقب صندوق الفرجة، هذا الصندوق السحري الذي كان يمكن من خلال فتحة نافذته رؤية مشاهد جميلة يتم تمريرها بدولاب تباعًا وفق رغبة صاحبه الذي كان يجول في الأحياء والبلدات ليدهش الكبار والصغار.

أطلبوا تجدوا واقرعوا يُفتح لكم، يقول السيد المسيح. اللوحة أمامكم وصندوق الفرجة رهن أنظاركم. وفي الحالتين اللوحة على رغم إشعاعها تنعكس في النفوس سوداوية وإحباطا، والصندوق يستحيل جمالات مؤلمة وموشاة بالدم والأحزان.

وإذا كان من الصعب الرهان على فكفكة أواصر الحلف الميمون، على الرغم من بعض الملاحظات والإنتقادات المتبادلة ظاهريًا، فإن من السهل جدًا عرض فصول المهالك التي أوصلنا إليها في عام واحد، والتي تشكل نموذجًا لمؤامرة منهجية وخبيثة على لبنان الوطن والدولة وعلى اللبنانيين من دون تمييز.

ولكن لا بد من تفنيد كل حالة بذاتها، على قاعدة تسجيلها في خانة أحد الفريقين، بنسبة أو بأخرى، إذ يصعب نزع المسؤولية المشتركة ولو كانت محدودة أحياناً، باعتبار أن هذا الحلف قائم على التسليم بواقع الدويلة وسطوتها على الدولة، مقابل التسليم للتيار، من الراعي إلى وزير البلاط بالزرع والضرع في مؤسسات الدولة وفي الحكومات المتتالية فسادًا وهدرًا وصفقات ومحسوبيات وصرف نفوذ.

إن أكثر ما يزعج جماعة التيار هو ملف الكهرباء الذي يتنصلون منه بتذاكٍ بائس هو الإستغباء بذاته، فيعتبرون أن لا علاقة لهم به، وأن شعار «ما خلّونا» أكثر ما ينطبق عليه، علمًا أن «حزب الله» حاول التمايز عن التيار في مقاربة هذا الملف حتى في مجلس الوزراء، لكنه لم يصل يومًا إلى الإعتراض الصريح على أداء حليفه فكم بالحري إدانته. ولعل العام 2021 شكل التعرية الحاسمة للتيار في هذا الملف، بعدما تنبّه اللبنانيون إلى أن تآكل ودائعهم وأموال الخزينة وتراكم الدين العام  وتاليًا إنهيار الليرة، هي كلها نتيجة الفظاعات المرتكبة كهربائيًا «وطاقويًا» إن جاز التعبير، وإلا لما وصلنا في العام المنصرم إلى خيار رفع الدعم أو تخفيضه إلى درجات دنيا، ما ضاعف الضغوط على العملة الوطنية وفاقم وتيرة التضخم الهائل وتسبّب بالأزمات المالية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والصحية على اختلافها.

في العام 2021 أعاد اللبنانيون إكتشاف الظلام بأبهى تجلياته، واستعادوا الكثير من وجوه يوميات الماضي البعيد، لأن وزير البلاط وفريقه في «وزارة الطاقة وكل الطاقات»، إستمر في معاندة بناء معملين غازيين تراوح كلفتهما بين مليار ومئتي مليون ومليار وخمسمئة مليون دولار من أجل توفير تيار 24/24، علمًا أن شركات عالمية أبدت استعدادها مرارًا لبنائهما وفق طريقة الـBOT أي من دون أي قرش يترتب على الخزينة وبوقت قياسي لا يتخطى نحو عام واحد.

ولكن، ولأن الغاز يستحيل أو يصعب جدًا سرقته أو تهريبه نظرًا للشروط التقنية لنقله وتخزينه، فهو مرفوض حتى إشعار آخر، لمصلحة الفيول والمازوت. وهنا سر فضيحة الفيول والعقود مع سوناتراك ولفلفتها من قبل القاضية التي تعرف كيف تفتح الأبواب بأوكسيجين التلحيم، وكيف تقفل الملفات وتزجّها في الأدراج بعد قطع الأوكسيجين عنها. وهذا ما تجلّى بخاصة في العام 2021، في موازاة عراضات التدقيق الجنائي بعمل شركات نقل الأموال والتي باتت أيضًا رهن النسيان على الرف نتيجة ضحالة الملف والفشل في إثبات الشبهات، علمًا أن التدقيق الجنائي الذي تم تسريع وتيرته تشريعيًا وإجرائيًا هذا العام لا يبشر بالكثير، لأن المطلوب منه كما يبدو حماية المرتكبين الكبار وتبرئة أهل السلطة مقابل التركيز على حسابات مصرف لبنان الذي يخضع أساسًا في معظم سياساته وقراراته الكبرى للسلطة السياسية.

وإلى العتمة، أعاد اللبنايون بفضل الإنهيار المالي للدولة وتداعياته، إكتشاف معاني المونة وأهمية الحطب والتخلّي عن الكثير من ترف وسفر وكماليات، وصولاً إلى العودة لتقنين المأكل والتخلّي عن التبريد المستدام والتسليم بتوازن دقيق بين تكلفة المولّدات الخاصة والحفاظ على حد أدنى من الحياة الكريمة.

العام 2021 هو أيضًا عام مغادرة البواخر التركية التي رافقتنا نحو عقد من الزمن وامتصت من جيوبنا أضعاف ثمنها مرات عدة من أجل سويعات تغذية يومية وكرمى للعمولات والصفقات.

على أن «حزب الله» الذي يدّعي التعفف عن التورط في الفساد داخل الدولة، بحجة أن مشاركته في الحكومات لا تتجاوز أكثر من وزيرين في كل حكومة بحقائب «غير حرزانة»، فإن مجرد تغطيته أو تحالفه مع الفاسدين واستفادته من خدماتهم تشكل إدانة واضحة له، وهو المتحكم الأول والأخير بمفاصل السلطة في ظل الأكثرية الحالية.

على أن التهريب الذي يشكل المورد الأساسي للحزب عبر المعابر البرية الشرعية أو غير الشرعية، وعبر المرفأ والمطار، يمثل أخطر ظواهر الفساد وأشدها وقاحة، لا سيما وأنه يحرم الخزينة سنويًا أكثر من مليار دولار رسومًا جمركية وضريبة  على القيمة المضافة، علمًا أن التهريب من لبنان إلى سوريا للمحروقات والمواد الغذائية المدعومة شكل كارثة فاضحة في العام 2021 كلّفت الخزينة مليارات الدولارات، وعلى حساب اللبنانيين المخدوعين والذين عانوا الأمرين، وهم ينتظرون في الطوابير أو يبحثون عن دواء أو علبة حليب، ليستغل «حزب الله» الواقع المر بهمروجة المازوت الإيراني الذي لم يكن عمليًا، وبحسب الكثير من المراقبين، إلا المازوت اللبناني المهرّب إلى سوريا والذي أعيد بيعه للبنانيين بأسعار مضاعفة عن كلفته، فيما استفادت سوريا من الشحنات البحرية على أساس أنها مخصصة لمساعدة اللبنانيين ولا تخضع أو تتفلت من عقوبات «قانون قيصر».

وإذا كان الملف المالي الاقتصادي الاجتماعي سجل هذا التراجع المريع في العام المودّع، كعامل يحمل الكثير من الإفتعال لاستكمال تقويض الدولة لمصلحة الدويلة، فإن محاولات ضرب القضاء ومن خلاله تعمية الحقيقة لا سيما في انفجار المرفأ شكلت العنوان الثاني الأبرز للعام 2021 . فالعام 2020 كان عام تفجير مرفأ بيروت، وكان يفترض بالعام 2021 أن يكون عام كشف الحقيقة وبناء المرفأ، لكن ما حصل أنه تحول إلى عام تدمير التحقيق العدلي ومعه القضاء وإضاعة الحقيقة وإزهاق الحق، وخلاله برز إسم القاضي طارق بيطار خلفاً للقاضي فادي صوان كمحقق عدلي يبدو أنه توصل إلى معطيات وقناعات حتمت عليه الإدعاء على عدد من كبار المسؤولين من رؤساء ووزراء سابقين، ما رفع مستوى القضية من ملاحقة مجرد موظفين إلى «المسّ بالمحرّمات». على أن الحملة الشعواء على القاضي بيطار الذي يمكنه بحسب مسار التحقيق أن يطاول أسماء أكبر أيضًا، تشي بمدى خشية أصحابها وعلى رأسهم «حزب الله» من إنكشاف الحقيقة، وهو ما يفسر التدخل الشخصي لوفيق صفا تهديدًا وصولاً إلى افتعال غزوة عين الرمانة لرفع منسوب الضغط على القاضي بيطار بحجة التسبب بالفتنة.

وكانت المفاجأة في الحملة الغاضبة التي شنّها الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله على «القوات اللبنانية» ورئيسها سمير جعجع، والتي بررها بأن «القوات» ارتكبت مجزرة بحق الرعاع الذين هاجموا الأحياء الآمنة في فرن الشباك وعين الرمانة، علمًا أن التحقيقات كشفت تباعًا حقائق مرة ولو لم يرغب «حزب الله» في هضمها، وهي أن الجيش كان المتصدي الأول، وأن أهالي عين الرمانة هم الذين تصدوا للمهاجمين، وبما تيسّر، بعدما أصيب عدد منهم بالرصاص المباشر وتمادى المعتدون في التكسير والتخريب والإهانة.

وإذا كان من حقيقة يتم تعميتها حول تفجير المرفأ، فإن الوقائع المرتبطة بالضغوط على القضاء وافتعال التوترات في الشارع ورفع لغة التهديد والوعيد والتحركات الإستفزازية تكفي للدلالة على تلك الحقيقة، علمًا أنه لا يكفي تهديد السلم الأهلي والسعي لتقويض القضاء، ليتم اللجوء إلى تعطيل الحكومة التي شكلها حلف الفساد والدويلة بنفسه، ومعها تعطيل مشاريع الحلول والمعالجات على غرار التفاوض مع صندوق النقد الدولي والذي يكاد يكون الباب الوحيد للأمل بخروج بطيء وصعب من الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة. وأخشى ما يخشاه اللبنانيون هو أن يحوّل الحلف الميمون العام 2022 إلى نسخة معدلة عن العام 2021، علمًا أن لدى اللبنانيين القدرة على كسر هذا المسار، سواء بالانتخابات النيابية العتيدة، أو بإطلاق إنتفاضة جديدة تتعلم من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بعض راكبي موجة الثورة بحق الثورة وبحق لبنان.

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل