Site icon Lebanese Forces Official Website

النووي في فيينا بين حصار إيران وكباش النفط 

 

 

ثلاث تطورات سجلت في الأيام القليلة الماضية: تدخل الناتو القوي لحماية أوكرانيا من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والصدام الأميركي النفطي مع اوبيك واوبيك بلاس، والاشتباكات الحدودية بين إيران وأفغانستان.

في الشأن الاوكراني، يبدو ان واشنطن أيقنت أن استمرار اعتمادها مبدأ المسالمة واللاحروب او اللاصدام بحجة الدور للدبلوماسية لم يعد فيه الجدوى التي كانت ابان اندلاع الثورات العربية ـ وقد اثبتت التجربة على سبيل المثال ان عدم تدخل واشنطن ـ أوباما في الملف السوري أدى الى ما أدى اليه من حرب مدمرة لهذا البلد انتهت بأمر واقع لم تستطع واشنطن ـ ترمب الخروج منه، فسلمت الملف السوري للروس مع ضمانات بحماية إسرائيل وكبح الوجود الإيراني وميليشيات إيران وضمان ابتعاد رئيس النظام السوري بشار الأسد عن إيران.

انتفاضة الناتو على الحدود الغربية لروسيا دفاعاً عن أوكرانيا بمثابة كارت اصفر رفع بوجه بوتين الذي يتسول المساعدات المالية لإعادة اعمار سوريا، ولا يريد الدخول في توترات مع الغرب والخليج الذي بدأ معه صفحة كبيرة من التعاون والعلاقات الاقتصادية والعسكرية.

ومن شأن استنفار الناتو ان يؤشر الى مرحلة جديدة من التعاطي الغربي مع روسيا ـ بوتين، انطلاقاً من تذكير الأخير بقواعد اللعبة الإقليمية والدولية وتوزع مناطق النفوذ وعدم جواز تخطي الخطوط الحمر التي من بينها خط الغاز الاوكراني لأوروبا.

وفي الشأن النفطي، يبرز الصراع بين أميركا وكل من اوبيك واوبيك بلاس بقيادة المملكة العربية السعودية وروسيا على أشده خصوصاً أن واشنطن هددت المجموعتين باتخاذها إجراءات غير مسبوقة ان لم تقرران الاستجابة لمطالبها برفع مستويات الإنتاج خلافاً لإرادة المملكة واوبيك بلاس اللذين ليس لديهما الحافز لزيادة الإنتاج بقوةـ بحسب تقرير غولدمن ساكس. فالمملكة بالتالي لم تكن تنوي خوض غمار رفع ذلك الإنتاج، ما اضطر واشنطن الى استخدام احتياطها الاستراتيجي وضخ 50 مليون برميل، فيما الهند أفرجت عن 5 ملايين برميل وبريطانيا عن مليون ونصف مليون برميل.

وقررت اوبيك بلاس في الثاني من الشهر الحالي المضي قدماً في زيادة انتاج النفط في شهر كانون الثاني 2022 بنسبة 400 ألف برميل يومياً كل شهر. وهذا الصدام النفطي يؤشر إلى أكثر من معادلة:

الأولى: وهن وضعف واشنطن في تأثيرها على حلفائها التقليديين وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، ما يثير علامات استفهام حول الانسجام المفقود بينهما لا بل الثقة المفقودة منذ اشغال الرئيس جو بايدن والديمقراطيين البيت الأبيض، وعودة الخيار الديمقراطي المنحاز لإيران في المنطقة والمتخلي عن التزامات واشنطن العسكرية والسياسية تجاه حلفائها الإقليميين التاريخيين.

الثانية: وقوع الولايات المتحدة تحت رحمة اوبيك بلاس، إنْ لم تنسق معها سياساتها النفطية وخطط الطاقة.

الثالثة: النفط ورقة ضغط متبادلة، ففي حين تستطيع دول اوبيك واوبيك بلاس ممارسة الضغط على سياسات واشنطن عبر الورقة النفطية، فإن لواشنطن قدرة بنفس الوقت على المناورة من خلال عدة أوراق ليس اقلها ورقة النفط الإيراني. بمعنى ان تقدم واشنطن على الاتفاق مع الإيرانيين الذين لهم مصلحة في بيع نفطهم لتأمين إيرادات مالية (طهران حاليا تبيع النفط للصين بأسعار خاصة خارج اطر وسياسات اوبيك ما يؤمن لها إيرادات مالية)، فماذا اذا كان الشاري هو الأميركي نفسه؟

وفي حال استخدام واشنطن هذه الورقة سيكون لهذا تأثير كبير على سير المفاوضات النووية في فيينا التي على ما يبدو بدأت بالاتجاه نحو صيغ تسووية ما قد يكون من ضمنها الإقرار بحق إيران النووي السلمي والافراج عن جزء من أموالها المحتجزة مقابل رزمة تنازلات بشأن سوريا وإسرائيل وميليشياتها في المنطقة.

اما بشأن الاشتباكات الحدودية الأخيرة بين إيران وأفغانستان، أي بين الحرس الحدودي الإيراني وطالبان، فأول ما يتبادر الى ذهن أي مراقب، والذي سبق لنا وذكرناه في اكثر من مقال وتحليل، المنحى المرشح ان تأخذه تداعيات انسحاب الاميركيين من أفغانستان، والمحاصرة “السنية” للجمهورية الإسلامية في إيران.

وفي هذا السياق، نتوقف عند الملاحظات التالية:

أولاً: سبق وقلنا ان انسحاب الاميركيين من أفغانستان ضربة جيو سياسية موجهة أولاً ضد إيران لعدة أسباب من بينها قيام نظام سني متطرف على حدود إيران الشرقية يضاف الى التهديد الباكستاني والتركستاني والاوزبكي، ما يجعل طهران في موقع مهدد باستمرار ويلزمها بالتعاون والتوافق في رسم سياساتها الإقليمية.

ثانياً: ما لتأثير ما يحصل حول إيران على وضعها الداخلي، فهشاشة النظام الإيراني بلغت درجة متقدمة مع اندلاع الانتفاضات الداخلية التي قد تغذيها التوترات الحدودية، فتجد طهران نفسها محاصرة من الخارج والداخل ما يؤثر مباشرة على استقرارها وربما في مرحلة لاحقة على وحدتها.

ثالثاً: الدور المطلوب من إيران بالانسحاب من غرب اسيا (الشرق الأوسط) وسحب ميليشياتها الى الشرق حيث المعركة الكبيرة ترتسم معالمها هناك، فيما الشرق الأوسط مقبل على تسويات تقلب المشهدية وتغير من قواعد اللعبة التقليدية.

فالاشتباك الحدودي بين إيران وأفغانستان يشي بمرحلة جديدة من التوترات المتوقعة شرق ووسط آسيا، خصوصاً أن الصدام الأميركي الصيني الروسي بدأت ترتسم معالمه بوضوح اكبر وآخرها تشدد الناتو ضد بوتين في أوكرانيا، وهذه التوترات تجعل من ايران حاجة أميركية وأداة إدارة معركة تحتاجها واشنطن والغرب. ومن هنا، أوراق كثيرة ترمى على طاولة فيينا النووية اخذة بالاعتبار حلول مهل بدء تصفية الحسابات شرق ووسط آسيا، والحاجة الى ترتيب معسكر مواجهة الصين وروسيا.

 

Exit mobile version