العدالة على قوس الإعدام

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1723

العدالة على قوس الإعدام

والقضاء في قبضة المنظومة… محكمة!

ما لم تكشفه التحقيقات بعد مرور عام وأربعة أشهرعلى جريمة تفجير المرفأ وقد بقي طي الكتمان والمجهول، وضعته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته عشية الذكرى في 4 آب 2021 وليس صدفة. في الوقائع ثمة الكثير من الأدلة التي تؤكد الشعار الذي كتبه أهالي الضحايا والثوار على جدار مرفأ بيروت: «دولتي فعلت هذا».

نعم فعلتها. فـ»الدولة» من أعلى الهرم، وبكافة أجهزتها الأمنية الموجودة على المرفأ، فعلت ذلك بحسب التقرير، وهي كانت تعلم بأخطار مادة نيترات الأمونيوم المخزّنة في العنبر 12 ولم تتصرف. حتى عندما تم إبلاغها لم تتصرف… فهل يكون التقرير بمثابة نطق بالحكم لكن بشكل غير رسمي وغير معلن، وأيضًا خارطة طريق للوصول إلى التحقيق الدولي؟

 

لا تحمل منظمة هيومن رايتس ووتش صفة منظمة عالمية، فهي منظمة غير حكومية وبالتالي فإن تقريرها غير ملزم للدولة اللبنانية. لكن الأكيد أن الأدلة والمعلومات الواردة فيه يُفترض أن يكون له الوقع الأكبر على المنظمات الدولية الحكومية. وتكمن أهمية التقرير في أنه يشكل مادة دسمة من شأنها أن تساعد في التحقيق في جريمة تفجير المرفأ.

الأدلة والمعلومات التي نشرتها منظمة هيومن رايتس ووتش في 127 صفحة غير ملزمة قانوناً للدولة لكنها أحدثت خرقاً نوعياً لدى الرأي العام المحلي والدولي، والأهم أنها أكدت لأهالي الضحايا عشية الذكرى الفاجعة أنهم كانوا على حق منذ اللحظات الأولى على استفاقتهم من غيبوبة هول الجريمة وبعد دفن ضحاياهم.لكن ثمة من بدأ يشكك في إمكان الأخذ بالمعلومات الواردة في تقرير هيومن رايتس ووتش ويجزم بقيام «جهات» حزبية ونافذة بتحويرها وإدخالها في زواريب الفتاوى القانونية بهدف طمس الحقيقة. لكن ماذا لو تبين بشكل مثبت وقانوني أنها مجرد تكهنات ولا تستند إلى معطيات حسية ودقيقة؟ الفرضية موجودة لكنها قابلة للبحث. فإذا ثبت مثلاًأن المعلومات غير دقيقة في بعضها ولا يمت البعض الآخر منها إلى الحقيقة عندها تكون المنظمة قد وضعت نفسها أمام المحاسبة القضائية والرأي العام ويجب ملاحقتها، وإلا يجب الأخذ بها ومن مصادر أخرى لخدمة التحقيق والعدالة.

ما لم يعد قابلاً للشك، أن جريمة مرفأ بيروت لم تعد شأناً داخلياً، فهذه القضية اخترقت ضمائر الإنسانية في العالم وهزت كيان المجتمع اللبناني، خصوصا أنها حصدت حوالى 218 ضحية وأكثر من 7000 جريح عدا الأضرار الجسيمة التي خلّفها الإنفجار الذي صُنّف بأنه ثالث أقوى إنفجار غير نووي في العالم. من هنا يجب أن يأخذ التحقيق مساره الطبيعي ويُصار إلى تسهيل عمل القضاء بدءًا من رفع الحصانات عن الجميع من دون استثناء وهذا هو الأساس شرط أن يوضع في إطاره الطبيعي.لكن حتى هذه المسألة تحتاج إلى تعديل الدستور وأكثرية نيابية للتصويت عليه وهي غير متوافرة. والسؤال الذي يطرح: «هل كان هناك إجماع لدى الكتل النيابية برفع الحصانات؟ وهل الغاية من رفع كتب إلى مجلس النواب هي الوصول الى الحقيقة أم «التمريك؟».

الطريق الأسهل يكون عبر رفع الحصانات عن النواب من خلال مجلس النواب سيما وأن هدف المحقق العدلي الكشف عن الفاعل والمسؤول عن هذه الجريمة وليس استدعاء نواب ومسؤولين بهدف التحقيق معهم فقط وهذا يندرج في إطار احترام الدستور. من هنا يبقى التعويل اليوم على دور مجلس النواب في إصدار قرار برفع الحصانات عن النواب، والبت به سريعا حتى لا يُتهم بعرقلة سير العدالة بسبب الحصانات. وإلا فليتحمّل المسؤولية أمام التاريخ.

 

«حزب الله»… ع المكشوف

على غرار الطريقة العسكرية التي يطبقها في أدائه على باقي أنشطته، بدأ «حزب الله» اللعب على المكشوف مع خصومه ومعارضيه السياسيين في لبنان من خلال اللجوء، وعلى غير عادة، إلى القضاء اللبناني والإدعاء بصفة شخصية في ما يُعدّ سابقة منذ الإعلان عن تأسيسه عام 1983. الهدف واضح: ممنوع ربط إسم الحزب بأي شكل من الأشكال بانفجار مرفأ بيروت، لا على الساحة الإعلامية ولا بإطار أي تجاذب سياسي، وهذا خلاصة ما أعلنه على لسان نائبه إبراهيم الموسوي الذي وقف أمام قصر العدل في بيروت، يشرح مميّزات وأهداف الخطوة الجديدة التي قررها الحزب.

فهل يوجد في لبنان قاضٍ يتجرأ على الإعتراف بأن «حزب الله» غير شرعي غير مسجل لدى وزارة الداخلية اللبنانية وبالتالي لا يحق له أن يتقدم أساساً بالدعوى؟ وهل هناك قاضٍ يتجرأ على حفظ دعوى مقدمة من «حزب الله»، أو تبرئة المدعى عليه من قبل الحزب ؟

يؤكد مرجع قانوني أن السؤال برسم قضاة التحقيق والنيابة العامة التي تقبل بدعاوى مماثلة، إذ يجب أن تكون للشخص المدعي أو الفرقاء صفة أو مصلحة. أما بالنسبة إلى «حزب الله» فهو حزب سياسي لكنه لا يملك صفة رسمية كونه لا يملك العلم والخبر وغير مسجل في وزارة الداخلية، وبالتالي لا كيان معنويًا وقانونيًا يجيز له حق التقاضي أو حق الإدعاء.

المرة الأولى التي لجأ فيها «حزب الله» إلى رفع دعوى قضائية، بشخص نائب أمينه العام، نعيم قاسم، وليس بشخصه كحزب، كانت ضد الإعلامية ديما صادق عام 2005 وكرّت السبحة. اللواء أشرف ريفي، بهاء الحريري، حزب «القوات اللبنانية»، النائب السابق فارس سعيد… من مميّزات هذا السلاح الجديد أن أهدافه قابلة للتعديل، بحيث يطال كل من يوجه إتهامًا للحزب سواء بالتسبب في انفجار مرفأ بيروت أو بأحداث الطيونة.

قد يكون شعور «حزب الله» أنه مأزوم بالخيارات السياسية التي اعتمدها، من هنا جاء الخيار باللجوء إلى القضاء ليدفع بكل من يتهمه أو يتوجه إليه بالمساءلة والمحاسبة الى أن يعيد حساباته، وهذا ما لم يعتمده الحزب في مراحل سابقة بدليل أنه لم يتأثر بأكبر الإتهامات بالإغتيالات والتفجيرات. أما اليوم فبات يتأثر نتيجة الأزمة والحصار الذي يعيشه، بحيث لم يعد يستطيع أن يرد الهجمة التي أثرت على شعبيته داخل بيئته، ما أدى به إلى اللجوء للقضاء من أجل فرملتها. لكن ماذا عن القضاء؟ الجواب في جعبة قضاة التحقيق والنيابات العامة.

 

قضاء غير مستقل بشهادة الأمم المتحدة

وفقاً لدراسة إستقصائية حول معدل الفساد أجرتها الأمم المتحدة مع عدد من القضاة تبيّن أن القضاء اللبناني غير مستقل في اتخاذ القرار. وقد أدّت بعض الملفات القضائية  إلى تقويض ثقة الرأي العام بالسلطة القضائية. واللافت أن ما يهدد استقلال القضاء يأتي من داخل الجهاز القضائي نفسه.

وفي كلمة ألقاها الرئيس الأوّل لمحكمة التمييز والرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى، القاضي أنطوان خيرونُشرت في جريدة النهار بتاريخ 9ــ 6 ــ 2006، أثارتدخل السياسيين في عمل المحاكم اللبنانية الذي لم يتوقف يوماً والأدلة على ذلك كثيرة. ومما ورد فيها: «لماذا أنا في الموقع الذي هو اليوم موقعي؟ ولماذا قبلت؟ قبلت أملاً في أن تستكمل إعادة الإستقلال إلى البلاد دورتها وأن يعود القضاء ليتمتع بكل استقلاليته. هكذا وعدت، ولكن الوقائع الراهنة، ويا للأسف لا تشجع. وبحضور صفوف القضاة المتراصة إلى جانبي أصرّح: «إرفعوا أيديكم عن القضاء. أتركوه يتخلص من أوحال السياسات الصغيرة ومحاولي إبقائه تابعاً ذليلاً لأهل السياسة. كما أنّ تعيين نصف عدد أعضاء المجلس الدستوري من قبل مجلس النواب والنصف الآخر من قبل مجلس الوزراء يسمح لهما باختيار قضاة مقرّبين منهم، ما يجعل التأثير في أعضاء المجلس الدستوري ممكناً ويفقده بالتالي استقلاله وحياده».

 

إلى العدالة الدولية در!

لم تكن دماء الكاتب والباحث السياسي لقمان سليم قد جفّت بعد، عندما ارتفعت أصوات مطالبة بتحقيق دولي غير محلي لكشف ملابسات الجريمة. هي ليست المرة الأولى التي يناشد فيها لبنانيون المجتمع الدولي، للمساعدة من خلال القضاء الخارجي لحلّ لغز جرائم حصلت في لبنان، أو ملفات فساد تسببت بانهيار الوضعين المالي والاقتصادي. فالمطالبة المستمرة بتحقيقات غير لبنانية تكرّس اللا ثقة في القضاء اللبناني، وقد اتخذت مساراً تصاعدياً بعدما تكوّنت لدى معظم اللبنانيين قناعة بتدخل السياسة في عمل القضاء، ما أدى أحياناً إلى تحوير الحقيقة وأخرى إلى طمسها نهائياً.

حقيقة واحدة لا جدل فيها وهي أن القضاء اللبناني أمام التحدي الأكبر، خصوصًا بعد فشل التحقيقات في جرائم بقيت ملفاتها فارغة من أي دليل جدي، وجنايات وحشية حديثة تنتظر شجاعة وكفاءة كما الحال في انفجار المرفأ واغتيال لقمان سليم والأموال المنهوبة. فإذا لم ينجح قضاؤنا في ربح هذا الرهان فالسلام على ما تبقى.

وفي هذا السياق نورد ما قاله وزير عدل سابق عايش ملفات حساسة، حول مدى استقلالية القضاء في لبنان ومن دون تردد: «ليست لدينا دولة بالأصل ليكون لدينا قضاء مستقل. هناك قضاة مستقلون لكن العين لا تقاوم المخرز». الوزير نفسه اعتبر أنه «لو كان لدينا قضاء قادر وكفوء وشجاع، ولو كانت الإمكانات السياسية والقانونية متوفرة لما ذهبنا إلى المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري».

بالتوازي يشرح قاض طلب عدم الكشف عن اسمه عن تقاعس أجهزة الدولة حينها في تلبية مطلب المحقّق العدلي الدولي بالإستماع إلى شهود من الضاحية الجنوبية الخاضعة لنفوذ «حزب الله»، وكم من مرة تعطّلت التحقيقات لرفض القوى السياسية تسليم داتا الإتصالات. ويحمّل الأجهزة الأمنية المولجة إجراء التحقيقات مسؤولية تعثر المضي بالملف أو عدمه. ويقول: «القاضي مهمته أن يحكم، وعندما يصله ملف كامل بالأدلة لا يمكن إلا أن يصدر حكمه. اللائحة بالملفات الخالية تطول، والأسئلة كثيرة حول مصير التحقيقات في جريمة اغتيال المدير العام لقوى الأمن الداخلي وسام الحسن والنواب بيار الجميل وجبران تويني وأنطوان غانم ووليد عيدو والوزير محمد شطح، وغيرها من ملفات بقيت التحقيقات فيها خالية من أي موقوف أو ورقة ثبوتية أو أدلة. وحدها الملفّات المركبة كانت أوراقها كثيرة»!

قضية اختفاء الإمام موسى الصدر من أبرز القضايا التي كانت عالقة لدى القضاء اللبناني. فالملف بقي في أدراج النائب العام في المحكمة العسكرية أكثر من 25 عاماً، ولم يقدم مطالعته فيه لأن أحداً لم يسأله عنه. وعندما راجعه وزير العدل إبراهيم نجار في تلك المرحلة عن أسباب التأخير، تبيّن أن الإعتبار الطائفي كان السبب، بحيث لم تكن هناك ثقة بادعاء النائب العام السنّي، في قضية زعيم شيعي، على دولة سنيّة هي ليبيا حيث يُعتقد أن الإمام الصدر اختفى، علماً أن أي قرار من هذا النوع كان يحتاج إلى ضوء أخضر سياسي لا سيما من قبل رئاسة مجلس الوزراء. وعليه يسأل قاض سابق: «أين التحقيقات في أحداث السابع من أيار؟ لماذا لم يُكشَف حتى اليوم على يد من قُتِل هاشم السلمان وعدد من المواطنين؟ وهل ستصل التحقيقات في ملف انفجار المرفأ إلى الحقيقة؟ وهل يعقل أن قاضي التحقيق لا يستطيع أن يدّعي على أي سياسي، وإلا يُتهم تحقيقه بالمريب كما وصفه أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله؟ ويختم المرجع القضائي «التجاوزات السياسية داخل السلطة القضائية كثيرة، أفظعها حصل عام 2005 عندما أُلغي حكم جزائي، وبُرئ صاحبه لأنه زعيم سياسي، ولكي يتمكن من العودة من منفاه إلى لبنان مجدداً»!..

 

لا حلّ إلا بفصل المناقلات والتعيينات عن السياسيين

في كل دول العالم تُقاس استقلالية القضاء بقدرة السلطة القضائية على إجراء المناقلات وعلى طريقة تكوين السلطة المشرفة عليها، إلا في لبنان. فعلى الرغم من وجود المادة 20 في الدستور، التي تؤكد أن السلطة القضائية هي السلطة الثالثة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية، أبقى القانون الوضعي الذي يرعى عمل القضاء مسألة تعيين مجلس القضاء الأعلى والتشكيلات القضائية في يد السلطة السياسية، وتحديداً في يد مجلس الوزراء عبر وزير العدل. لكن التعديل الذي حصل عام 2000 على المادة 5 من قانون التنظيم القضائي، ساهم في الحد من قدرة وزير العدل على تعطيل التشكيلات القضائية، بحيث أبقى له الحقّ برفض التشكيلات من دون حفظها في جاروره، وحتّم عليه إعادة المرسوم إلى مجلس القضاء الأعلى لإعادة دراسته، لكن إذا أصرّ المجلس على التشكيلات بسبعة أعضاء من أصل عشرة، يضطر الوزير حينها إلى القبول بها وتوقيع مرسومها. لكن تعديل المرسوم الاشتراعي الذي عالج مسألة تعطيل التشكيلات من قبل وزير العدل، أبقى من جهة أخرى على صلاحية رئيس الجمهورية في رفضها وتوقيفها، وهو ما حصل في التشكيلات الأخيرة التي لم تُبصر النور بسبب عدم توقيع الرئيس ميشال عون عليها، على الرغم من موافقة أغلبية مجلس القضاء الأعلى عليها.

وفي هذه الحال لا يمكن الحديث عن استقلالية القضاء، طالما السلطة السياسية لا تزال قابضة على موضوع المناقلات وبطبيعة الحال على التشكيلات القضائية.

 

القضاء اللبناني في ميزان عون

شهد اللبنانيون مسرحية قضائية شكلت سابقة في تاريخ القضاء اللبناني بطلتها  مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي ضربت القوانين والإجراءات القانونية بعرض الحائط عبر سقوطها المدوي من على قوس المحكمة المكلّل بعبارة «العدل أساس الملك» في حلبة السياسة الشعبوية ومدافعتها عن رموز الفساد تحت ذريعة مكافحة فاسدين لا ينتمون إلى عشيرتها السياسية.

بطبيعة الحال، ليس القضاء اللبناني بمجمله على صورة القاضية عون واندفاعها غير القانوني، لكن البيئة اللبنانية الموبوءة تسرّبت إلى قصور العدل حيث أصبحت القوةهي الثقافة السائدة وليس القانون. وفي هذا السياق يُروى أن رئيس مجلس القضاء الأعلى الراحل ووزير العدل الأسبق القاضي يوسف جبران الذي ولد عام 1921 أي بعد عام من إعلان دولة لبنان الكبير لم يكن من القضاة الذين يحبون الأضواء والبطولات كما هو حال البعض في أيامنا هذه، بل كان مثالاً يُقتدى به في الأخلاق والتعفف خلال مسيرته القضائية، وحتى بعد تقاعده حيث عاد آنذاك إلى مهنة المحاماة. وكان يقول» العدالة ليست نصوصاً بل هي نفوس». وخلال فترة ترؤسه للقضاء سعى جاهداً إلى تهذيب نفوس القضاة المتدرّجين وكان يكرر أمامهم»القاضي ليس مجبراً على العبوس على قوس المحكمة ويمكنه أن يرسم البسمة على وجهه ويكون حكمه في الوقت نفسه عادلاً وصارماً كالسيف».

 

إستقالات قضائية… إحقاقاً للحق

قدمت 3 قاضيات استقالاتهن من مناصبهن إحتجاجًا على ازدياد وتيرة التدخلات السياسية، في التحقيق في تفجير مرفأ بيروت والضغوط التي تحيط بالقاضي طارق البيطارالذي يتولى التحقيق في مرفأ بيروت.

 

طارق البيطار مسيرة قضاء وسيرة دعوى

برز إسم البيطار في قضية طفلة لبنانية تعرضت لأخطاء طبية أدّت إلى بتر أطرافها الأربعة، فحكم على الجهات المتسببة بدفع غرامة مالية كبيرة وألزمهم بدفع راتب شهري للطفلة مدى الحياة.

منذ تسلمه التحقيق في جريمة تفجير المرفأ  لاحقت المحقق العدلي القاضي طارق البيطار 16 دعوى، رفعت أمام محاكم مختلفة، طالبت بكف يده ونقل القضية الى قاضٍ آخر، مما أدى إلى تعليق التحقيق لمرات عدة. وبعدما ردت محاكم عدة الدعاوى لأسباب مختلفة، وجد القضاة أنفسهم عرضة لدعاوى تقدم بها المسؤولون المدعى عليهم للتشكيك بصوابية قراراتهم. ومن بين القاضيات الثلاث قاضية ردت دعوى لتنحية البيطار، وجرى التشكيك بصوابية قرارها.

 

4 نواب رفع عنهم المجلس الحصانة… ماذا تغيّر اليوم؟

في محضر جلسة مجلس النواب التي عقدت بتاريخ 24 / 11/ 1994 للنظر في رفع الحصانة عن النائب يحيى شمص (لاتهامه بجرم تهريب مخدرات) توجه الرئيس نبيه بري لشمص قائلا: «لا تستطيع الرئاسة أن تحدد موقفها الآن، حتى لا تؤثر على الرأي العام. فالمجلس النيابي ينظر إذا كنت مذنبا أم لا في هذا الأمر وفقاً للمادة 106 التي أثارها بحق دولة الرئيس كرامي ونبّه لها. هذا أمر بينك وبين القضاء، وبينك وبين الله تعالى». أضاف بري ودائمًا وفق المحضر: «المجلس النيابي ينظر إذا كانت الملاحقة المقدمة له تهدف الى منع النائب من أداء واجبه كنائب، أو منعه من لعب هذا الدور، أو منعه من الكلام أو المعارضة أو الموالاة من هذه الزاوية فقط. أما مسألة تبرئتك فتعود إلى القضاء لأنه هو الذي يقول إن الزميل يحيي شمص نظيف كالثلج أو أنه لا سمح الله مدان كأي مجرم أخر. لقد حلفتني، وأنا اقول لك بكل صراحة وكل وضوح إن هذا هو موقفي لا أكثر ولا أقل، وشكرا».

حصل ذلك في جلسة رفع الحصانة عن النائب شمص عام 1994 فماذا تغيّر اليوم علمًا أنه لم تطرأ على الدستور أية تعديلات؟

منذ الإستقلال حتى اليوم شهد مجلس النواب أربع حالات رفع حصانات نيابية، في العام 1952 رُفعت الحصانة عن النائب رفعت قزعون بتهمة قتل أحد الصحافيين، أما بعد الطائف فرُفعت الحصانة عن النائب يحيى شمص بتهمة تهريب المخدرات، وعن النائب والوزير شاهيه برصوميان في ملف الرواسب النفطية، وعن النائب حبيب حكيم بتهمة الضلوع في ملف محرقة برج حمود وإهدار مال عام، فما الذي يمنع حتى طرح الطلبات المقدمة اليوم؟

يقول النائب السابق إدمون رزق: «عرقلة عمل رفع الحصانة هو عمل سياسي ويتنافى مع الواجب التشريعي وإساءة لاستعمال السلطة من قبل رئيس المجلس». فماذا تغيّر بين العام 1994 واليوم لجهة رفع الحصانات عن النواب الذين استدعاهم المحقق العدلي في جريمة تفجير المرفأ؟

في حال تم استدعاؤهم كشهود لا يمكن التذرّع بالحصانة وعليهم المثول أمام القضاء العدلي. لكن المعادلة تختلف في حال تم استدعاؤهم كمدعى عليهم. عندها يمكن للنائب التذرّع بالحصانة ولا يمكن ملاحقته خلال الدورة جزائيا إلا في حال ضبطه بالجرم المشهود. أما الجرائم العادية فيُحاكم بها أمام القضاء العادي». وأكد رزق أنه «لا يجوز عدم الإستجابة للقاضي العدلي والتذرّع بالحصانة لأن الغاية هي تحقيق العدالة وليس التهرّب منها. والتذرّع بالحصانة في غير موقعها يعني تهرّباً من العدالة».

ثمة الكثير من الفتاوى القانونية لكن الأكيد أن أصحاب العلاقة في جريمة تفجير المرفأ كانوا على علم بوجود مادة نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 ولم يأخذ أي منهم مبادرة لتجنّب وقوع الكارثة التي ذهب ضحيتها 218 شخصًا وأكثر من 6000 جريح ومعوق عدا المتضررين. من كان يعرف ولم يتدارك الأمر يتحمل مسؤولية سياسية وجزائية. ألا يكفي ذلك لإدانتهم؟».  وختم رزق: «حان الوقت ليسترجع لبنان ذاته لكن هذا الأمر يتطلب رجالات دولة. وللأسف هم مُغيّبون. من هنا أدعو من هم في مواقع المسؤولية وغير كفوئين إلى الإستقالة حفاظاً على ما تبقّى من كرامة وماء الوجه».

 

إستقلال السلطة القضائية كلام… بكلام

تكرّس المادة 20 من الدستوراللبناني استقلال السلطة القضائية اللازمة لإحقاق الحق. إنّ أحكام الدستور اللبناني تعكس بشكل عام أحكام الصكوك الدولية ذات الصلة، خاصة المبدأ الأوّل من المبادئ الأساسية المتعلقة باستقلال القضاء حيث جاء فيه أنّ «الدولة تضمن استقلال القضاء الذي ينبغي النص عنه في الدستور أو التشريع الوطني (…)». خاصة أن الفقرة الثانية من مقدمة الدستور تنص على أنّ لبنان هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم بمواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتنص الفقرة التالية على أنّ لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة. أما الفقرة الخامسة من المقدمة ذاتها فتنص على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها. وبذلك فإنّ الدستور يكرّس من حيث المبدأ التوازن بين السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية، ويرفض هيمنة إحداها على الأخرى.

نظريًا هناك توافق مع المعايير الدولية. لكن في الممارسة، فإنّ عمل النظام القضائي هو ضحية التدخلات المستمرة للسلطتين التشريعية والتنفيذية و..الزبائنية !

 

مرفأ بيروت في روزنامة 2021

-4 شباط 2021: إغتيال الناشط السياسي المناهض لـ»حزب الله» لقمان سليم، ولم تكشف التحقيقات هوية المتورطين بمقتله، وهو ما أثار سجالاً سياسياً وشعبياً واسعاً.

– 18شباط 2021: كفّت محكمة التمييز الجزائية يد القاضي صوان، على خلفية دعاوى الإرتياب بحقه، بعد أن ادعى في كانون الأول على حسان دياب و3 وزراء سابقين، هم: علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس، ولم يمثلوا أمامه.

ـ 19 شباط 2021: عيّن مجلس القضاء الأعلى طارق البيطار محققاً عدلياً في جريمة مرفأ بيروت، خلفاً للقاضي فادي صوان، الذي تمتتنحيته بعد نحو 4 أشهر من تعيينه، بسبب دعاوى الإرتياب المشروع (طلبات رد هيئة المحكمة) المقدمة بحقه.

-21  آذار 2021: برزت إشكالية التدخلات السياسية بالقضاء، بعد إصدار النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، قرارًا بكف يد المدعية العامة الإستئنافية القاضية غادة عون التي وصفت بالقاضية المتمردة، وانتقل الإشكال إلى الشارع بين فريقين: الأول يدعم القاضية عون من أنصار باسيل، والثاني يدعم القاضي عويدات من أنصار الحريري.

ـ أيلول 2021: طلب النائب العام، القاضي غسان عويدات، من البيطار إعداد تقرير حول ما يتم تداوله بشأن هذا التهديد.

ـ أيلول 2021: تقدم نهاد المشنوق بطلب أمام محكمة الإستئناف في بيروت لعزل البيطار عن القضية، لكن محكمة الإستئناف رفضت الطلب، فاستأنف البيطار عمله.

ـ تشرين الأول 2021: تقدم النائبان علي حسن خليل ووزير الأشغال السابق غازي زعيتر، إلى المحكمة بطلب ثان لتنحية البيطار عن القضية، على اعتبار أن المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هو المرجع لمحاكمتهما.

ـ 11 تشرين الأول 2021: وجه الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله إنتقادات لاذعة للقاضي البيطار، واتهمه بأنه «منحاز ومسيّس، ولن يصل إلى الحقيقة في تحقيق الإنفجار».

ـ 12 تشرين الأول 2021: أصدر البيطار، مذكرة توقيف بحق وزير المالية السابق علي حسن خليل لامتناعه عن المثول أمامه للتحقيق.

– 13تشرين الأول 2021: إرجاء جلسة حكومة نجيب ميقاتي بعد رفض الوزراء المحسوبين على حركة «أمل» و»حزب الله» حضورها إلا إذا تدخلت لإقالة القاضي البيطار، وفي اليوم عينه دعا أنصار الثنائي الناس للنزول إلى الشارع ضد القاضي.

ـ 14 تشرين الأول 2021: رفضت الغرفة الأولى لدى محكمة التمييز المدنية في بيروت طلب عزل البيطار. وخرجت تظاهرات لأنصار «حزب الله» وحركة «أمل» في بيروت ضد البيطار.

14 تشرين الأول 2021: توافد أنصار «حزب الله» وحركة «أمل» للمطالبة بعزل البيطار، وسرعان ما وقعت مواجهات مسلحة، استُخدمت فيها الرشاشات الخفيفة وقذائف «آر بي جي» في منطقة الطيونة الواقعة بين الشياح ذات الأغلبية الشيعية وعين الرمانة ذات الغالبية المسيحية، واستمرت نحو 5 ساعات، وأسفرت عن مقتل 6 أشخاص و33 جريحا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل