2022… إنفراج منشود

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1723

لبنان في العام 2021 تحديات وأزمات

2022… إنفراج منشود

 

لم تكن سنة 2021 أسوأ مما كان متوقَّعًا لها أن تكون. لم يكن أحد من المراقبين والمتابعين أصلًا يرتقب ظهور الضوء، وبعدُ لم نبلغ نهاية النفق. فحتى من كانوا يتوقعون عدم تشكيل حكومة حتى نهاية العهد، تشكّلت الحكومة وما أسقطت توقعاتهم، إذ بقيت بفعل القوة القاهرة حكومة تصريف أعمال غير منتجة وغير قادرة على الإلتئام أو مفاوضة صندوق النقد. وإذا كانت الأزمات في لبنان تُسلَّم بالأمانة من عام إلى عام، إلا أن العام 2021 سجّل أشدّها حدّة وأكثرها تفجّرًا وأثقلها وطأة على كواهل المواطنين. تشعّبت الأزمات في الداخل من غير أن يبادر المعنيون إلى إيجاد حل بل انغمسوا في الصفقات والتسويات، وتوسّعت مع الخارج من غير أن يُدركوا مدى الضرر الذي يُلحقونه بالبلد والناس، قاطعين آخر شريان بين الأطراف والقلب. ومع تعدد تصنيفات الأزمة ووصفات المعالجة، إلا أن عدد الذين باتوا يُدركون أن السبب الأم المولّد لكل هذه الأزمات المتكاثرة والمتعاظمة هو أمران: إستقواء «حزب الله» بالسلاح وفرض إرادته على الدولة ومؤسساتها والقوى السياسية في البلد، وخضوع معظم من في منظومة السلطة لهذه الإرادة خلافًاً للدستور ولمصلحة الوطن وأبنائه. ويدركون أيضا ألا حل إلا بعودة الدولة إلى ذاتها وسيادتها على قرارها، واعتلاء رجالها منصة الحكم وناصية القرار…

دخل لبنان العام 2021 وهو في متاهة حكم وجدل وخلافات. كان المنتظر من العام الجديد أن يحمل إنفراجات أقلّه عبر ممرّين: المبادرة الفرنسية مسندة باندفاعة الرئيس إيمانويل ماكرون، وتشكيل حكومة توحي بالثقة وتنفّذ الإصلاحات بما يؤسس لبداية خرق في جبل الأزمات المتعالي على صدور اللبنانيين. لكن قساوة الأزمات وتراصفها كانا أصلب من إبرة الأمل الساعية إلى فتح الكوّة. فما كان من العام إلا أن استرسل في التفلّت رافعا حجم المخاوف إلى الذروة، وهو ما توالى على مدى أيامه حتى انتهائه. وقد حذّر خبير بريطاني من أن يكون لبنان وقع في مخاطر مستعصية العلاج.

 

… ولم تتشكل حكومة!

بحسب المنطق الطبيعي للأمور والإدارة الرشيدة للمجتمعات، كان يُفترض بالحكومة اللبنانية التالية لحكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة بفعل زلزال الرابع من آب، أن تتشكل في غضون 24 ساعة للملمة آثار ما حصل ومواكبة التحقيق ومعالجة ما كان قد توالد وتراكم من أزمات، تلافيًا للإنفجار الكبير. لكن شيئا من هذا لم يحصل ولم تدفع فداحة الوضع بالمعنيين إلى التخفيف من تشدّدهم المصلحي، فكان العام 2021 مجرد إضافة على روزنامة الوطن العليل، لا بل تأجيجًا أكثر للوضع الذي بلغ مع نهاية العام حالًا لا تُطاق ولا تُحل.

فمع إنقضاء الأسابيع القليلة الأولى من العام كان مرّ على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة حوالى ثلاثة أشهر من دون تسجيل أي خرق، علمًا أنه التكليف الثاني بعد اعتذار السفير مصطفى أديب بسبب رفض «حزب الله» الإلتزام بمندرجات المبادرة الفرنسية. وراحت تتوالى الأيام والأشهر من غير حكومة، ومن غير فرملة لتهاوي الدولة ومآسي الناس. وحتى منتصف تموز موعد إعتذار الحريري كانت الأزمات تتفاعل والبلد يغلي من غير حكومة. 19 زيارة قام بها الحريري إلى بعبدا آلت إلى إرتفاع منسوب السجال بينه وبين الرئيس عون ورمي التهم بالتعطيل وتحميل المسؤولية. وما أنتج كل هذا الوقت إلا كشفًا عن الطريقة التي تتم بها إدارة البلد خلافًا للأصول وقواعد التأليف الدستوري.

ومن نهاية العام الماضي حتى تموز 2021، أزمات وسقطات وتحديات وعقوبات. فمع بداية العام كانت لا تزال أصداء فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل تتفاعل. ورأى مراقبون أن خطوة واشنطن ذات دلالات على سلوك باسيل من جهة واتجاهات السياسة الأميركية في لبنان من جهة ثانية. كما شكلت عاملًا إضافيًا في تأزيم الأوضاع السياسية بين القوى العاجزة عن التوافق تحت مظلة المبادرة الفرنسية.

ولم يقتصر التوتير على السياسة ولم يكن الميدان أقل تفجّرا. ففي كانون الثاني شهدت طرابلس، مواجهات بين مئات المتظاهرين وقوات الأمن، أسفرت عن سقوط قتيل وجرحى، إثر حالة الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع. وحذّرت قوى عديدة من جرّ البلاد إلى الفوضى والفتنة. وتواصلت هذه الإحتجاجات الغاضبة ولو متقطعة وصولًا إلى إحراق القصر البلدي في المدينة وتوالي سقوط الضحايا ولو بأحداث غير مترابطة، لكنها تُثبت في كلّيتها مدى انزلاق الشارع إلى الفوضى والدم.

ومن الجنوب بعد الشمال ومن الفوضى إلى الإغتيال، تمكّن الغادرون من النيل من الناشط السياسي المناهض لـ»حزب الله» لقمان سليم، وانتهى العام من غير أن تكشف التحقيقات هوية المتورطين بمقتله، مثلها مثل عملية إغتيال المصوّر جو بجاني أمام أطفاله في الكحالة. وهذا ما أثار سجالًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا. لكن الأحداث في لبنان مهما عظمت، تأكلها أحداث أخرى، والحقائق ليست ملكًا لأصحابها إنما رهينة القوة لدى المتسلطين وضحية الضعف لدى المسؤولين.

وسط هذا الواقع المتفاقم تأزمًا ما كان من بكركي إلا رفع الصوت كما هي دائمًا في الملّمات وعند المنعطفات المفصلية في تاريخ الوطن. مرّة جديدة في مسيرة هذا الصرح الوطني المتبقّي صامدًا صلبًا على رغم تهاوي العديد من الصروح، رفع البطريرك الراعي صوته وعصاه واضعًا إصبعه على الجرح مسميًا الأشياء بأسمائها ألّا خلاص للبنان إلا بحياده وأن الإرتماء في أحضان المحاور لن يجرّ عليه إلا المزيد من النكبات. أوجعت العصا من يستسيغون خطف لبنان وتحويله ورقة تفاوض إقليمية، فعلت أصوات أكثر من مسؤول في «حزب الله» مهاجمة سيّد بكركي بنعوت خارجة عن لياقة التخاطب السياسي. فما كان من الرأي العام المؤيد لطرح بكركي ومن مختلف الطوائف إلا أن عبّر عن تضامنه مع الصرح وسيّده في مواجهة الهجمة عليه وعلى ما يمثّل طرحه من أمل للبنان. وفي 27 شباط توافد آلاف اللبنانيين إلى الصرح البطريركي تأييدا لمواقف البطريرك الراعي، الداعية إلى «تدويل الملف اللبناني»، و»حياد لبنان». وهتف البعض بالشعارات المنددة بالتدخل الإيراني. مرّة جديدة كانت «القوات اللبنانية» حاضرة تلبية للواجب ووضعًا للأمور في نصابها. فردت على التصريحات التي طالت بكركي وحضر المحازبون إلى ساحة الصرح في يوم الزحف الكبير.

شهد نهار 27 شباط كلمة مدوّية للبطريرك الراعي متوجهًا إلى اللبنانيين بالقول «لا تسكتوا» معددًا الكثير من المخالفات والمغالطات التي يجب ألّا يسكتوا عليها. وتعقيبًا على موقف البطريرك الراعي الداعي للحياد قال ديبلوماسي غربي في بيروت: «قد لا يتحقق الحياد غدًا أو ينعقد المؤتمر الدولي بعد غد، لكن أهمية موقف البطريركية المارونية أنه حدد أساس المشكلة في لبنان ووضع تصورًا متكاملاً للحل».

وخارج أسوار الصرح لم يكن الشارع أقل غلياناً، لكن اللافت أن أداء الجيش اختلف عمّا كان عليه تجاه المتظاهرين منذ انطلاق ثورة 17 تشرين. وقد أعلن قائده العماد جوزف عون خلال إجتماع عسكري، رفضه وضع الجيش بصدام مع المتظاهرين، ووجه إنتقادات للسلطة السياسية متسائلا: «إلى أين نحن ذاهبون؟ حذرنا من خطورة الوضع وإمكان انفجاره..». وقال إن «العسكريين يعانون ويجوعون مثلهم مثل بقية الشعب». ولم يكن صوت الجيش هو صوت المؤسسة الوحيدة التي شكت ورفضت التدخلات السياسية في شؤونها، بل وقف القضاء بدوره رافضًا تلك التدخلات واستخدام قوسه لمآرب سياسية سواء لدى القاضي المالي أو ما دأبت عليه القاضية غادة عون من تسخير للعدالة وتحوير للملفات، أو في شكل أكثر نفورًا ما حصل ويحصل في قضية التحقيق في انفجار المرفأ.

ولم تمرّ أسابيع على تظاهرة التأييد إلى بكركي حتى خرجت في منتصف آذار تظاهرة شعبية في يوم غضب إلى القصر الجمهوري مطالبة باستقالة رئيس الجمهورية. هذه البلبلة كان يفترض لها أن تنتهي مع تشكيل حكومة جديدة طال انتظارها، لكن شيئا من هذا لم يحدث. فبعد اعتذار الحريري في 15 تموز ثمّة من توقّع أن يستمر البلد بلا حكومة حتى نهاية العهد. وبالفعل وصل الأمر بالرئيس ميقاتي أكثر من مرّة إلى حافة الإعتذار. غير أنّ التشكيل الدستوري للحكومة الذي أُخرج بعملية قيصرية، لم يخرج البلد إلى الورشة المنتظرة، فأصيبت الحكومة بمرض موت حديثي الولادة وبقيت في الحاضنة مشلولة وكأن البلد بلا حكومة.

 

فرنسا الحاضر الغائب

منذ انفجار الرابع من آب كان الحضور الفرنسي في لبنان لافتا وتجسّد بزيارتين للرئيس ماكرون في غضون شهر، وتحديد زيارة ثالثة. لكن هبوب الرياح اللبنانية بما لا تشتهيه السفن الفرنسية حوّل في مسار المساعي وخفّف من زخمها، ولم تحصل الزيارة الثالثة لماكرون بل استُبدلت بزيارات لوزير خارجية الإليزيه جان-إيف لودريان وتعديل في وجهة المبادرة وشروطها. كان الهدف الفرنسي منذ الأساس واضحًا: حكومة إختصاصيين مستقلين عن القوى السياسية وقادرين على مخاطبة المجتمع الدولي في الخارج وإجراء الإصلاحات في الداخل. في الواقع، الطرح هو عملي وبنّاء والوحيد القادر على إحداث ثغرة في الجدار. لكن المتضرر الأول من مفاعيله هو «حزب الله» لذلك تصدّى له. وبدل أن يجر ماكرون الحزب إلى ملعب المبادرة، جر الحزب ماكرون إلى لعبة البيدر الذي اختلفت حساباته عن حساب حقل باريس.

غاب ماكرون ولم تغب باريس. فهي واصلت حضورها عبر موفدين على رأسهم رئيس الديبلوماسية الفرنسية جان-إيف لودريان الذي كانت محطته الأبرز في بيروت في 5 و6 أيار حيث قال «إن القادة اللبنانيين لم يلتزموا بتعهداتهم التي قطعوها أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مهدداً بتشديد العقوبات على معرقلي تشكيل الحكومة في هذا البلد العربي» .وفيما خيَّمت على الزيارة أجواء سلبية، ومقاطعة من بعض الأحزاب والمجموعات المعارضة، أكدت باريس اتخاذها عقوبات بحق «شخصيات لبنانية متورطة في العرقلة السياسية لمسار تشكيل الحكومة والفساد»، من دون أن تحددها ومن بينها منعهم دخول الأراضي الفرنسية.

لكن مساعي باريس لم تتوقف سواء مع الحريري أثناء التكليف أو ميقاتي بعد التأليف. وهما زارا فرنسا وقصر الإليزيه أكثر من مرّة بحثاً عن صيغة هجينة تحافظ على الحد الأدنى من المبادرة الفرنسية ولا تلقى رفضا من «حزب الله». لكن مثل هذه الصيغة التي لم يسلّم بها الحريري، تبناها ميقاتي معتبرًا أن إضفاءه بعض الإخراج عليها بأسلوبه الخاص قد يجعلها قابلة للحياة. لكن سرعان ما ظهر بطلان ذلك فسقطت المبادرة والحكومة معا أسرى مهادنة الحزب.

 

أزمات وحضور «القوات»

هذه الطروح الخادعة والحلول الضائعة، أعطت الخارجين على الدولة نَفَسًا وتركت لهم ممرّا عريضًا للقفز فوق القانون. وأكثر ما ظهر هذا الواقع في أحداث 14 تشرين الأول في الطيونة وعين الرمانة. فـ»حزب الله» الذي يعمل بكل الوسائل لنسف التحقيقات في تفجير مرفأ بيروت، من تهديد قاضي التحقيق في الملف طارق البيطار إلى الضغط على الحكومة لتنحيته واستبداله بعدما فشلت المحاولات عبر القضاء، قرر فرض واقع ميداني ينفد من خلاله إلى مبتغاه. وكانت الخطة ثلاثية الأهداف كما أفصح مصدر عسكري: كف يد البيطار، وتوريط الجيش، والتصويب على «القوات اللبنانية». ويضيف أن ما لم يتداول به كثيرون أن الخطة الموصوفة بأنها «7 أيار» صغيرة لم تكن تقتصر على عين الرمانة، بل تشمل فرن الشباك والأشرفية، ولو بحدّة أخف. وتحاشيًا لسقوط ضحايا تضطر الحكومة إلى الرضوخ. إنما فشل المخطط عند أبواب عين الرمّانة وانكشاف المعتدين ثم جلاء التحقيقات ألّا كمينَ كان معدًّا لهم ولا قناصين كما حاكت رواية «حزب الله» وسقوط غير منتظر لسبعة قتلى من الحزب وحركة «أمل»، أوقف التنفيذ وذهبت الأمور في غير الإتجاهات المعدّة لها.

ومع أن هجوم السيد حسن نصرالله على «القوات» وتحميلها مسؤولية ما حصل في كلمة له عقب الأحداث، كان يهدف إلى عزلها واستهدافها، إلا أن تعاطف الرأي العام معها وحملة التأييد الواسعة للدكتور سمير جعجع في شتى المناطق المسيحية والسنّية والدرزية، أجهض محاولات «حزب الله» من جهة وأظهر حالة عارمة من الرفض للحزب وممارساته لدى معظم اللبنانيين. عدا عن أنه أدى إلى الإلتفاف حول «القوات» والدكتور جعجع بدل عزلها ومحاكمته.

فخطاب الدكتور جعجع خلال العام 2021 لم يكن إلا امتدادا لمواقفه المبدئية كلها، لكنه بدا أكثر وضوحا أو أن الرأي العام أظهر درجة من الوعي للمخاطر المحدقة ولأسباب ما بلغه لبنان من أزمات أكثر مما كان عليه من قبل. وفي شباط كشف جعجع أنه «في المرحلة الأخيرة وصلت «القوات» إلى قناعة بأن حتى التنسيق التقني مع «حزب الله» يجب وقفه لأنه يستحيل بناء الدولة من دون رفع يد الحزب والعهد الحالي عنها، وهذا ما يفسِّر مطالباتها بحكومة اختصاصيين مستقلين تماما، لأن مصير أي حكومة الفشل في حال واصل فريق 8 آذار إمساكه بمفاصل السلطة في لبنان. واعتبر أن المواجهة السياسية مع «حزب الله» لن تنتهي قبل أن يسلِّم سلاحه للدولة التي لا يمكن أن تنهض في ظل وجود دولة داخلها، ولا تهاون في هذه المسألة التي حوّلت لبنان إلى دولة فاشلة بسبب تعليقها دستوره وقوانينه، وأدت إلى عزله عن العالمين العربي والغربي».

هذه المواقف، جعلت «القوات» أكثر استهدافاً من قِبَل الخصوم. وهذا ما يفسّر محاولات توريط رجل الأعمال إبرهيم الصقر، مرّة بتهمة إحتكار المحروقات وأخرى بحيازته نيترات الأمونيوم والتصويب من خلاله على «القوات». غير أن التحقيقات في ما تلى من الأيام أظهرت براءة القوات من «الكمين المفترض» في عين الرمانة والصقر من مخالفة القوانين.

مرّة أخرى تفاعلت الأزمات وحضرت «القوات». وهذه المرّة خارجيًا لترتيب الأزمة مع المملكة العربية السعودية بعد اكتشاف شحنة الكابتاغون المصدرة إليها من لبنان، وكذلك إرتفاع حدة الهجوم عليها من مسؤولين لبنانيين حزبيين ورسميين، ما أدى إلى اتخاذ المملكة قرارًا بوقف دخول الصادرات اللبنانية إلى أراضيها. فكانت لـ»القوات» مبادرة في تموز تحت عنوان «إعادة تصدير الأمل». مؤتمر في معراب شارك فيه السفير السعودي في لبنان وليد البخاري وتخللته كلمة للدكتور جعجع عن أهمية عودة علاقات لبنان العربية إلى سابق عهدها وعرض عن حجم التبادل التجاري بين لبنان والخليج عمومًا والمملكة السعودية بوجه الخصوص.

لكن إذا لم يبنِ الرب البيت عبثاً يتعب البنّاؤون. ففي تشرين الأول تم تسريب تسجيل لوزير الإعلام جورج قرداحي واصفاً فيه أعمال الحوثيين ضد المملكة بالمحقة، فأعاد تصدير التوتر بين البلدين. وبدل ترتيب الأمر صبّت تصاريح وزير الخارجية عبدالله بو حبيب الزيت على النار وطبعًا لم يوفر الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله مناسبة هو وأركان حزبه وإعلامه لم يهاجم فيها السعودية. فتأججت الأزمة وما تزال قائمة، فيما يدفع اللبنانيون العاملون في الخليج وكل لبنان الثمن.

 

إنفجار على أمل الإنفراج

في العموم لم تتميّز الأشهر الـ12 الممتدة من تشرين الثاني 2020 حتى كانون الأول 2021، عن أشهر وسنوات خلت من سوء إدارة الدولة والمؤسسات والعلاقات. إلا أن الإنهيار المتواصل تخطّى كل الحدود، وتمادي الإنقضاض على الدولة قوّض أساساتها من غير أن يبادر مسؤول رسمي إلى وقف هذا النزف. فمفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل توقفت، والحكومة التي جاءت تحت عنوان معًا للإنقاذ تبحث عمّن ينقذها علّها تنجح في العودة إلى الإلتئام ولو من غير إنجاز. فهي بدأت عملها الفعلي في 13 أيلول وتجمّدت في 13 تشرين الأول وكأنها جاءت بكارت تشريج فرنسي لشهر واحد ولم يسمح الحزب بتجديده.

وبالتوازي استمر مسلسل العقوبات على شخصيات وكيانات لبنانية حيث فرضت وزارة الخزانة الأميركية في أيار عقوبات على «سبعة مواطنين لبنانيين على صلة بجماعة «حزب الله» المدعومة من إيران»، حيث صنفتهم على أنهم «إرهابيون عالميون». وفي تشرين الأول أدرجت الوزارة النائب جميل السيد ورجلي الأعمال جهاد العرب المقرّب من سعد الحريري وداني خوري المقرّب من جبران باسيل، على قائمة العقوبات الأميركية.

ثمّة مؤشرات عديدة أخرى برزت خلال العام صبّت جميعها في تأكيد ألا قيام للدولة بوجود دويلة تنهش من لحمها وتتوسّع على حساب هيبتها ووجودها. لم يكن ذلك أحجية من قبل، لكن هناك من كان يتستّر ويذرّ الرماد في العيون، وهناك من كان مضللاً وتائهاً، فجاءت شواهد هذا العام لتحسم الجدل وتعيد الأمل. ومن النواحي المضيئة الجديرة بالذكر تسجيل المغتربين أسماءهم للإقتراع في الإنتخابات النيابية المقبلة والذي بلغ رقمًا عاليًا يعوَّل عليه في تبديل النتائج. ومن المؤشرات أيضًا مواقف بكركي و»القوات» التي حددت المسار الصحيح للقضية اللبنانية: فهي بكل وضوح صراع بين مشروع الدولة المتمثّل بمجموعة من القوى السيادية الرافضة التخلي عن لبنان ليكون ساحة صراع إقليمية ومن هنا كان طرح الحياد، وبين مشروع الدويلة الذي يصارع للبقاء ممسكاً بمكتسباته التي حققها عبر السنوات. لكن بات أكثر وضوحًا الخيط الذي يربط بين معظم المراقبين حول أن ما يشهده لبنان ليس إلا العاصفة التي تسبق الإنفراج وأنه لم يعد ببعيد.

ومع أن تلميحات تكررت خلال العام عن إمكان تأجيل الإنتخابات النيابية المحددة في آذار المقبل أو التمديد للعهد بحجج واهية، إلا أن اللافت في كلمة رئيس الجمهورية بمناسبة الذكرى الـ78 للإستقلال قوله إنها الأخيرة بهذه المناسبة. أما المسار العام فيبقى واضحًا أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، لكن الثمّن لن يكون بقليل.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل