“حارة كل من إيدو إلو”… الكبتاغون مقصلة العلاقات اللبنانية ـ الخليجية

لو كان للتاريخ لسان حال لعرّف السياسة على أنها رهينة الجغرافيا، ولهذا القول ترجمته الخاصة في لبنان. إذ حتمت الطبيعة الأنثروبولوجية والجغرافية للبنان أن ينتزع شعبه واقتصاده دوراً متقدماً عبر الابتكار والابداع النوعي. فلطالما اشتهر هذا البلد بتصدير الأدمغة الرائدة في مختلف المجالات العلمية والتجارية عبر العصور من جهة، وبالصناعات الفاخرة المحدودة الإنتاج كالأرجوان الفينيقي الى المجوهرات في العقود الأخيرة من جهة أخرى. أما في عهد انحلال الهوية واختلال الميزان القيمي، بدلت الدويلة اقتصادها للمنتج عبر الإنتاج الكمي الهائل لحبوب الكبتاغون. ومن خلال التصدير عبر المرافق العامة في دولة “حارة كل من إيدو إلو”، حولت لبنان الى بوابة ترانزيت المخدرات الأول بين نظام الأسد والخليج العربي. إنها نقمة الجغرافيا بسواعد منظومة المافيا ـ ميليشيا، علّنا نستعيد نعمتها بسواعد رجال دولة وسيادة قانون.

شكلت المخدرات نقطة محورية في تدهور العلاقات اللبنانية ـ العربية وكانت الصعقة الأولى في “نيسان الرمان” حين قاطعت المملكة العربية السعودية منتجات الفاكهة والخضار اللبنانية بعد شحنة رمان ملغومة بالكبتاغون مشيرة الى أن تكرار وتصاعد عمليات تهريب المخدرات إليها عبر لبنان إنما هي ممنهجة مسطِّرة تخاذل الدولة اللبنانية في اتخاذ الإجراءات الحازمة. ولم يغب الملف عن البيان المشترك الفرنسي ـ السعودي الموجه للبنان بعيد زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للسعودية، إذ شدد على ضرورة حصر السلاح في مؤسسات الدولة الشرعية، وألا يكون لبنان منطلقاً لأي أعمال ارهابية تزعزع أمن واستقرار المنطقة، ومصدراً لتجارة المخدرات كشرط أساسي لتقويم العلاقة اللبنانية مع الجانب السعودي.

لم تمر بضع ساعات على المبادرة الآنف ذكرها حتى أُعلن عن احباط عملية تهريب كبيرة. وكاستجابة عملية للمطالب الخليجية، أعلن وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي عن انشاء مديرية مركزية لمكافحة المخدرات، المنصوص عنها في قانون مكافحة المخدرات والتي لم تُتطبق لغاية اليوم.

لكن رئيس شعبة مكافحة المخدرات وتبييض الاموال بالجمارك السابق نزار الجردي يجزم بأن “لا قرار لمكافحة المخدرات في لبنان”. ويوضح أن المشكلة ذات بعدين أساسيين: الأول يكمن بغياب القرار السياسي، ثم الشق التقني ـ المادي. وبينما يؤكد الجردي، في حديث لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، أن زراعة الحشيشة في البقاع مسموح بها والتهريب “شغال”، يشدد على أن القوى الأمنية والجمارك يعملون وفقاً لقاعدة “بالموجود جود”، إذ يشير الى أن الدوريات، إن وجدت، فهي بحدها الأدنى بسبب شح المحروقات. أما الـ”scanner” المستخدمة فهي كثيرة الأعطال وقديمة العهد وهي شبه معدومة الوجود فعلياً.

من جانب آخر، يرى العقيد المتقاعد أن للمشكلة المالية تداعياتها على العناصر الأمنية والتكتيكات الأمنية، موضحاً، “يأتي العسكر بمجموعات الى مراكزهم لتوفير المحروقات فما حال معنوياتهم؟”، ويتابع، “تجنيد المخبرين للوصول لطرف خيط أمني يتطلب محفزات مادية وهذا غير متوفر”.

أما عن انشاء المديرية المركزية لمكافحة المخدرات المنصوص عنها بالقانون 673 المتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف، فيشير الجردي إلى أن لا جدية بالتعاطي ولا قرارات في مختلف مؤسسات الدولة، معيداً المشكلة الى سببها الأساس وهي وجود حزب الله وسلاحه وربطه القرار السياسي ببعده الإقليمي.

في المحصلة، ولو سلمنا بوجود نوايا حسنة للقيمين لإعادة وصل ما انقطع مع الخليج العربي، يبقى السؤال عن قدرة الدولة وأجهزتها الأمنية لردع ظاهرة التهريب في ظل هيمنة قوى الأمر الواقع على المناطق حيث مصانع المخدرات وطرق التهريب الشرعية وغير الشرعية. ولو سلمنا جدلاً أنه تم السيطرة على “قطاع المخدرات المزدهر” في لبنان، هل باستطاعة الحكومة الحالية تنفيذ باقي البنود المذكورة في البيان الفرنسي ـ السعودي، من تطبيق القرارات الدولية الى حصر السلاح بيد الدولة، لاستعادة دوران عجلة العلاقات الدبلوماسية، فالاقتصادية والسياسية بين لبنان والخليج؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل