Site icon Lebanese Forces Official Website

توازن الرعب بين “الحزب” و”القوات”!

لا يمكن القول بعد أحداث عدة شهدتها سنة 2021 أنّ لا أحد يستطيع مواجهة “حزب الله” في لبنان، ويبدو أن هذه السنة لم تكن لمصلحته بعدما شهد نكسات عدة، محلياً واقليمياً، ولا يزال مستمراً في تراجع تراكمي يُنذر بنهاية هيمنته على لبنان.

بموضوعية نقول ان “الحزب” لم يفقد كل نقاط قوته، وهو قادر حتى هذه الساعة على التحكّم بمفاصل الدولة وخصوصاً مؤسستي رئاسة الجمهورية ومجلس النواب وسياسة لبنان الخارجية، لكن لا بد من الاعتراف بأن “الحزب” ليس مرتاحاً في وضعيته الحالية، والسلاح لا يمكن ان يساعده في فكّ الحصار المحكم عليه من كل الجهات، فيما برهنت الأحداث تصاعداً لافتاً لـ”القوات اللبنانية” التي سجّلت نقاطاً على “الحزب” في الآونة الأخيرة، وخصوصاً أن مشروعها يبدو الأكثر وضوحاً بين كل القوى السياسية، بدليل أن اعلام “الحزب” وما يدور في فلكه يشنّ حملات مبرمجة وهادفة للاساءة لـ”القوات” والنيل منها، وما نشهده اليوم من شدّ حبال بين الطرفين اللدودين سيستمر إلى ما بعد الانتخابات النيابية، علماً أنهما خطان متناقضان لا يمكن أن يلتقيا بتاتاً، إذ يظهر أنّ لكل منهما مشروعاً ورؤية مختلفة للبنان!

لا شك في أن بيئتي الحزبين مرهقتين تبعاً للأزمة الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية التي يمر فيها لبنان، وهذا ليس سراً، ورغم أن “الحزب” مرتاح أكثر لوحدة الطائفة الشيعية خلفه من خلال ما يسمى الثنائي الشيعي، إلاّ أن التذّمر من الأوضاع والفقر والجوع والذل طال ايضاً بيئته، حاول الحزب من خلال المازوت الايراني”  تخفيف النقمة عليه قليلاً، مع ذلك فشل “الحزب” في اجتراح حلول جذرية، بدليل أن الأمين العام لـ”الحزب” حسن نصر الله يخصص اطلالاته الاعلامية للتوجّه إلى بيئته لطمأنتها حتى تحوّل حزبه برأي كثيرين إلى ما يشبه مؤسسة اجتماعية خيرية لإرضاء هذه البيئة الثائرة التي بات يعلم كثر من ابنائها ان ما يعيشه لبنان من بؤس سببه سياسة “حزب الله” ووضعه في محور ايران.

في المقابل لا تجمع “القوات اللبنانية” كل المسيحيين حولها، وهم يتوزعون على احزاب عدة، إلا أن شعبية “القوات” متنامية باعتراف خصومها، وهي تقدّم المساعدات بفلس “الأرملة”، وتعتبر رؤيتها إلى ارضاء بيئتها وكل اللبنانيين مختلفة عن رؤية “حزب الله”، إذ تعمل على دعم مفهوم الدولة ومؤسساتها لتصبح قادرة على اراحة شعبها، بدلاً من الاستسلام لمبدأ فيدرالية الأحزاب!

تلقّى “حزب الله” الضربة تلو الأخرى منذ عامين، علماً أن الهزائم بدأت منذ ثورة 17 تشرين الأول 2019 تحديداً، عندما انتفض الثوار في الساحات ولم يوفروا “الحزب” من انتقاداتهم، مما دفعه إلى مهاجمتهم معتبراً أنهم اتباع السفارات، فيما بدت “القوات اللبنانية” أكثر انصهاراً مع الثورة، بل كانت المحرّك الرئيسي للشارع المسيحي في ساحات جل الديب والزوق وجبيل والبترون وصولاً إلى عمق الكورة.

أما الضربة القصوى لـ”الحزب” فكانت في ثلاث محطات: الأولى في خلدة، الثانية في شويا، الثالثة في عين الرمانة، مما يعكس غضب اللبنانيين بطوائفهم كافة من اداء “الحزب”، ولعل حادثة الطيونة وعين الرمانة كانت الأكثر خطورة. وكانت المواجهات واضحة بين بيئتي “الحزب” و”القوات”، وقد حاول الأول استغلال الحادثة لتركيب ملف للثانية، لكنه تلقى صفعة بعدما واجهت “القوات” حملة “الحزب” السياسية والاعلامية والقضائية بصلابة، وخرجت منها أقوى، مكرّسة توازن رعب لا يمكن تخطيه بين الحزبين.

ولا بد من التذكير بأن القضية التي أوصلت إلى الاشتباك بين الحزبين هي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، فـ”القوات” تدعم قاضي التحقيق طارق البيطار وتقف مع اهالي الشهداء، وتبدو مرتاحة في تموضعها الى جانب مؤسسة القضاء الصامد في وجه ضربات “الحزب” الذي أثار الريبة بنقمته على البيطار، بل جعل اصابع الاتهام مصوّبة اليه بسبب تورّط معيّن في انفجار المرفأ!

باتت قضية انفجار المرفأ أشبه بخط تماس بين الحزبين، فـ”القوات” تعتبر هذه القضية جوهرية وتقاتل بشراسة لأجل استمرار البيطار في مهامه، و”الحزب” يسعى بكل طاقته إلى “قبعه”، والنتيجة انه فشل بذلك حتى اليوم، وبالتالي حققت “القوات” نقاطاً بعد هذا الاشتباك الذي كاد يؤدي إلى حرب أهلية.

من جهة أخرى، سيلتقي الحزبان على جبهة الانتخابات النيابية، ومن الواضح ان “الحزب” غير مرتاح لهذا الاستحقاق لعلمه انه سيخسر الأكثرية، بدليل أن قيادييه يبشّرون اللبنانيين بأن الأكثرية لن تحكم وحدها ويطالبون بالمحافظة على الشراكة انطلاقاً من مبدأ الديموقراطية التوافقية، وهذا ما سيشكّل مادة سجال كبيرة بين “الحزب” و”القوات” في المرحلة المقبلة، لأن الأخيرة ترفض الاستسلام للثلث المعطل في أي حكومة بعد الانتخابات.

في سوريا، تلقى “الحزب” ضربات موجعة من اسرائيل، من دون ان يسعى إلى الرد، بل أن أجواء المحادثات الروسية – الاسرائيلية لا تبدو لصالحه بتاتاً، اضافة إلى الانفتاح الخليجي على النظام السوري لسحبه من مخالب “ايران”، وبالتالي هذه الورقة قد يفقدها “الحزب” رغم كل تضحياته الاقليمية.

آخر الصفعات التي تلقاها “الحزب” كانت استقالة وزير الاعلام جورج قرداحي الذي هدّد “حزب الله” بانسحاب وزرائه من الحكومة في حال الاستغناء عن مهام قرداحي، لكن النتيجة كانت خضوع “الحزب” للضغوط الدولية، بعد لقاء مهم جداً بين السعودية وفرنسا، انتج ما يسمّى “اعلان الرياض” الذي أطلق ثلاث ثوابت: اولاً حصر السلاح بيد الدولة، ثانياً تطبيق الدستور، ثالثاً تنفيذ القرارات الدولية. مما اعتبره “الحزب” محاولة اشتباك معه، وكسب لولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي جرّ الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى التموضع معه، وقد اعتبرت وسائل الاعلام المقربة من “الحزب” ما صدر عن اللقاء الفرنسي – السعودي أنه بيان الانتداب، ورأت أنه لا يمكن قراءته الا من زاوية تسعير الأزمة مع لبنان، بطرحه عناوين سياسية انقسامية تصب كلّها في وجه “حزب الله”، تصفية لحساب قديم – جديد. فالبيان السعودي – الفرنسي وضع دفتر شروط سيادياً بامتياز.

في المقابل، وجدت القوى السيادية وفي طليعتها “القوات اللبنانية” هذا البيان دعماً واضحاً لخياراتها، بل يتبنى مطالبها بالفاصلة والنقطة، وما على السياديين سوى التمسّك بثوابتهم التي من دونها لن يستعيد لبنان ازدهاره وعافيته واستقراره وتألقه، وبالتالي ما حصل في الرياض هو رسالة دعم للفريق السيادي اللبناني من أجل مواصلة نضاله سعياً إلى الحرية والعدالة والسيادة. أولى البشائر على الأرض كانت تلقّف الرئيس نجيب ميقاتي سريعاً البيان والدعوة إلى اجتماع وزاري مصغّر خرج بخطوات عملية ترمي إلى ضبط الحدود ومنع التهريب من منطق “ضرب الحديد وهو حام”. وينتظر الفرنسيون والسعوديون من المسؤولين اللبنانيين والقوى السياسية السيادية ايجاد آلية من اجل وضع الحدّ الفاصل بين الدولة ودورها، وبين “حزب الله” ودوره الذي يجب منع تأثيره في دور الدولة، مع مواصلة الدفع الدائم من أجل تسليم سلاحه، لأن لا دولة في ظلّ سلاح خارجها.

لا أحد يستهين بموازين القوى بين “الحزب” و”القوات”، لأن تجربتي استقالة الوزير قرداحي وتعذّر اقالة القاضي البيطار تقدمّان تجربة ملموسة وهي أن “الحزب” لم يعد ذاك “المارد” الذي لا يُقهر، ونموذج صمود “القوات” وعنادها في الانحياز إلى الحق وعدم الاستسلام حتى ولو اضطرت إلى الذهاب نحو مواجهة سياسية حاسمة وعدم التسليم بالأمر الواقع والنضال السلمي، لا بد من أن يحقق أهدافه ولو بعد حين!

Exit mobile version