
ثمة ظاهرة بدأت تطل برأسها، أبطالها بعض المصارف وشركات الصرافة وتحويل الأموال فضلاً عن بعض التجار، تتعلق برفض قبول الدولارات من إصدارات قديمة، خصوصاً فئة الـ100 دولار، واشتراط التعامل بالدولارات من طباعة حديثة، لتصريفها أو إجراء التحويلات إلى الخارج.
ويعمد البعض، إلى قبول واستلام الدولارات التي يعتبرونها قديمة، باشتراط احتسابها بأقل من قيمتها الفعلية بنسب متفاوتة، قد تصل مثلاً لاحتساب الـ100 دولار 90 دولاراً أو ربما أقل. علماً أن لا شيء في القوانين الأميركية ينص على وجود دولارات قديمة أو جديدة. فالدولار دولار، يبقى صالحاً للاستخدام في سائر التعاملات طالما لا تزال الأوراق سليمة من الناحية العملية والفنية.
وما لا يعرفه كثير من المواطنين ربما، ومن دون الدخول في التفاصيل التقنية التي قد لا تهمّ القارئ، فإن طبع وتوزيع الدولارات الجديدة، واسترجاع القديمة والمتسخة والممزّقة أو المهترئة والتخلص من غير الصالح للاستخدام مجدداً منها، عملية تتم بشكل يومي عادي ضمن آليات وتقنيات محددة ومعروفة.
فأوراق الدولار التي قد تعتبر غير صالحة للاستعمال بفعل تقادمها، تُشحن إلى الولايات المتحدة من جميع أنحاء العالم يومياً، حيث يتسلَّمها الاحتياطي الفدرالي الأميركي الذي يقوم بفرزها وتحديد الصالح منها لإعادة الاستعمال في الأسواق، ويرسل المتضرر والمتهالك إلى التلف ويستبدله بأوراق نقدية جديدة.
ولا يمكن، بالتأكيد، إلقاء اللوم على اللبناني الذي يعيش في جوّ من الخوف على مصيره ومستقبل أبنائه وحياتهم في هذا الوطن، من أي شائعة من هنا أو خبر من هناك، بغض النظر عن مصداقيته، وهو الملدوغ من أوكار السلطة والتجار الجشعين والمحتكرين والمضاربين من كل حدب وصوب، واللاهث وراء لقمة عيشه في ظل شبه اللادولة التي تحكمها هذه الأكثرية الظالمة. لكن من الضروري توضيح ما بدأ يتردد حول هذه الظاهرة، قطعاً لتماديها واستفحالها، واستغلالها من قبل بعض عديمي الضمير.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة في الشأن الاقتصادي والمالي، ليال منصور، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “ما يحكى عنه لا يتعلق أبداً بصلاحية أو سلامة أوراق الدولار التي توصف بأنها قديمة”. وتشير إلى أن “المسألة قد تكون متعلقة بتكلفة شحن أوراق الدولار هذه واستبدالها بأخرى جديدة، إذ ربما تحاول بعض الشركات تحميل هذه الكلفة للمواطنين وللزبائن، الذين يملكون دولارات قديمة ويريدون تصريفها أو تحويلها إلى الخارج لأسباب تجارية أو عائلية، أو غير ذلك”.
وتشدد منصور، على أن “الدولارات القديمة هي تماماً كالجديدة، ولا ضرورة أبداً للخوف لدى المواطنين. وربما شركات الشحن والتحويل تحاول تحميل كلفة شحن الدولارات إلى الولايات المتحدة حيث تستبدل في الاحتياطي الأميركي، للزبائن. لكن بالتأكيد القضية ليست أبداً نقدية”، موضحة أنه “يمكن ببساطة رفض الانصياع لشركات الصرافة أو تحويل الأموال التي تشترط تسلُّم دولارات جديدة من المواطنين أو الزبائن، أو اقتطاع نسبة من قيمة الدولارات القديمة لقبولها، والتحوُّل للتعامل مع صرّافين وشركات أخرى”.
وتفسِّر منصور، أن “أسباب الخوف لدى المواطنين مفهومة، لأن هناك بعض القيود على التحويلات إلى الخارج ربما، والشائعات كثيرة، ولا ثقة عامةً بمجمل الوضع الذي يعيشه المواطنون”، مضيفة أن “أي شخص منا يتعرَّض يومياً لمواقف بحيث المواطن العادي أو التاجر أو الطبيب، أو في أي مؤسسة، وعلى الرغم من أن الجميع يسعى ويفضِّل التعامل بالدولار على الليرة، لكنهم باتوا يتعاملون بحذر ولا يقبضون دولارات إلا من أشخاص ومؤسسات محل ثقة لديهم”.
وإذ تشير، إلى أن “هذه الظاهرة لم نكن نشهدها”، تؤكد منصور أنه “لا يمكن ربطها أو التذرع بالقضية القديمة التي أثيرت في السابق، حول الدولارات غير الشرعية التي تم تهريبها من بلدان خاضعة للعقوبات مثل إيران، أو من العراق أو ليبيا، وغيرها، على الرغم من أن هذه الدولارات كانت سليمة من الناحية التقنية لكنها غير شرعية”، مؤكدة أن “هذه مسألة قديمة، ولا وجود لهذه الدولارات في لبنان اليوم”.
وبرأيها، “لأننا في أزمة عميقة اقتصادية ومالية ونقدية، ولأن هناك شحّاً في السيولة بالدولار، فالناس يخافون من أي شيء، وربما يخشون التعامل بالدولار إذا كان من إصدار قديم لأسباب نفسية. تماماً كما حين يلاحظ مواطن مثلاً في محل تجاري ما، أن سعر كيلو اللبنة من صنف معيَّن هو أرخص بكثير من الأسعار المعتادة أو باقي الأصناف، سيشك تلقائياً بجودتها وأنها غير طازجة ربما، على الرغم من عدم صحة ذلك بالضرورة. وهكذا بالنسبة للدولار إذا كان قديماً، كأي سلعة أخرى”.
وفي شأن متصل بالدولار، حول توقعات ارتفاع سعر الصرف قبيل عيدي الميلاد ورأس السنة، لا تستبعد منصور أن “يكون الأمر مرتبطاً بارتفاع نسبة الاستيراد في هذه الفترة”. وتوضح، أن “الاستهلاك يرتفع في فترة الأعياد في كل دول العالم، حتى في أفقر البلدان. فالناس بحاجة إلى أن تشعر بالفرح والأمل لكي تستمر في الصمود والحياة”.
وتقول، “لا شك أن الاستهلاك سيرتفع في لبنان بفترة عيد الميلاد، الذي لا يمثِّل عيداً طائفياً بل بات عيداً لكل لبنان ويعمّ مختلف المناطق اللبنانية على اختلاف الطوائف، وكذلك بالنسبة لعيد رأس السنة”، وتلفت إلى أنه “في أفقر المناطق في لبنان، شمالاً وجنوباً وبقاعاً، الجميع يلاحظ أنه في عيدي الأضحى والفطر مثلاً، الناس يتزاحمون في الأسواق على الرغم من فقرهم”.
وتوضح، أن “الاستهلاك سيرتفع حُكماً في فترة الأعياد، لا لأن الناس يملكون أموالاً طائلة، بل لأن الأهل يحرمون أنفسهم طوال السنة من حاجيات كثيرة، فقط لكي يمكّنوا عائلاتهم وأطفالهم من الاحتفال بالميلاد ورأس السنة وشراء الهدايا لهم مهما كانت. واللبنانيون يعيشون منذ اندلاع الأزمة على مقولة (خبِّي دولارك الأخضر ليومك الأسود)”.
بالتالي، تضيف منصور، “ربما يقوم الناس بتصريف قسم من الدولارات التي وفَّروها وخزَّنوها لتصريفها في الأعياد والشراء، ما يرفع نسبة الاستهلاك التي ترفع بدورها نسبة الاستيراد لكون لبنان يستورد أكثر من 90% من حاجياته. ما يعني ارتفاع الطلب على الدولار لضرورات الاستيراد، ويؤدي بالنتيجة إلى ارتفاع سعره في السوق الموازية بهذه الفترة”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
