(1).jpg)
لمّا كانت الروايات الخرافية لا تثبتُ في الزّمن، كبعض الأساطير، لأنها ليست من صُلب الحقيقة، ولا تعبّرُ عنها عَفواً، إنّما هي مرويّاتٌ مسموعةٌ بسذاجةٍ همجيّةٍ من فَمِ عابرِ طريق، لا تلبثُ أن تضيعَ كأنّها لم تكن، هكذا الطّارئون على الشأن العام، عندَنا، في غالبيّتِهم، وكأنّ لأَباطيلِهم نَسَباً مع الخرافة، فلن يكلِّفَ المستقبلُ نفسَه حتى بالقَول عنهم: “فلانٌ”… مَرَّ من هنا.
إنّ النّجاحَ في العملِ السياسيّ ليس خَلعةً مجانيّة، فهو، مع كثيرينَ حَلموا به، قد عمَّهُ الأسى، وذَرَّ على رأسِه الرّماد، عندما أُجلِسَ فوق وِسادةِ السلطة مَنْ تعمشَقوا بها للتّذكار. والقليلون خَلَفوا الأوّلين المُجَلّين في هذه السُدّة، واقتُلِعَتِ الفواصلُ بينهم وبينها، فتكاملوا مع النّجاحِ من دون مطمع، لأنه كان يُجلَسُ بين أيديهم ليُؤخَذَ عنهم أنّ السياسةَ وجهٌ من وجوهِ الرسالةِ الوطنيّة، ملازِمةٌ للأخلاق، تتمتَّعُ بأنّ أعلامَها خضراءُ تَخفقُ في مدىً واحدٍ متَّصلٍ بالإنسان، وهو إنصافُ الحقّ.
العِبرة في تولّي المسؤوليةِ ليست تَمَنطُقَ الحاكمِ بعِصابةِ السلطةِ مُحتكِراً، يسجِّلُ فساداً يصلُ به الى وصمةِ الخطيئة، ما يسبَّبُ للوطن خسائرَ فادحة. فهذا ” المُستَولي ” لا يلبّي دعوةَ الكرامةِ بقدرِ ما تعصفُ في مُخِّهِ أصداءُ المصلحة لتضيعَ، بذلك، الاستقامة وكريمُ الشّمائل، ويطفوَ فوقَ هامتِهِ الدَّنَس. أمّا مَنِ اغتذى من شَغَفِ بلادِه، ودَندَنَ نشيدَه في ثنايا ضلوعِه، وما غرَّته المزالقُ ومشهديّاتُ التّيهِ المنسوجةِ بخيوطِ العنجهيّةِ الغبيّة، فهو الذي يسجّلُ لوحاتٍ مشرقةً في زمنِ الوطن، ولو قَدِرَ لَجَعَلَ الصفيحةَ من جِلدِهِ، والألوانَ ممّا يسيلُ في الشّرايين. وهكذا، يُفرَزُ، على بساطِ الوطنيّة، المؤمنون عن الوثنيّين، فالمُنكَبُّ عليها والكثيرُ الإرتياضِ فيها، يحصلُ له تَهَيُّمٌ بها يغورُ، تلقائيّاً، للتعزُّزِ بالوطنِ فهو، وحدَه، العَضَدُ والرّكنُ الذي يُؤوى إليه.
الشُّغل بالسياسةِ فنّ وعِلم، بالرَّغم من أنّها واحدةٌ من أَعتى المُعضلاتِ التي رزحَ تحت صُدوعِها الكثيرون، وهي تُشبِهُ الجاريةَ التي ليس بها عَرَج، أمّا مَن أرادها للمُتعَةِ، فالعَرَجُ لا يمنعُهُ عن ذلك، ليجعلَنا نرى أنّ رذائلَ قَبيحي الأزمان هي أَصغرُ من رذائله. فهذا الواقعُ المَقيتُ والهامدُ والمُدَمِّرُ، في آن، والذي يستبطنُ عدائيّةً للوطنِ وأهلِهِ مِمَّن رُكِّبوا على كرسي السلطة، ليس سوى مقدّمةٍ مشؤومةٍ لأهدافٍ مشبوهةٍ ترمي الى هدمِ بنيانِ هذا الوطنِ، وتوضيبِهِ في كَفنٍ يَبلى ولا مَنْ يصلّي على روحِه.
تَعَقُّب هؤلاءِ المجرمين المفتونين بأطواقِ الغرباءِ التي تحزُّ رقابَهم، وهم غافلون، هو واجبٌ ولو جرَّ أزمةً، ففي حضرة الوطنِ ينبغي أن نتقلَّدَ المواجهةَ التي، وحدَها، تُعيدُ الى لبنان لونَه بدونِ صِباغِ تبعيّةِ حاكميه، وخداعِ فاسديه، ومؤامرةِ خائنيه، وعمالةِ الطارئين عليه… فلا عفوَ لهؤلاء، لأنهم أَشركوا في وجودِ الوطن، وأتَوا ذنوباً من الكبائرِ التي تُحجَبُ عنها الرحمة، فالإلحادُ والفسقُ، والدَّنس، والخيانة، تتساوى أمامَ ميزانِ الوطنيّة، فلا تُقبَلُ توبةُ المُنغمسينَ في ارتكابِها.
في لبنان، وبالرغم من جَفافِ الحسّ الوطنيّ في جُثَثٍ ” ديكوريّةٍ ” متجوِّلةٍ تُدعى حكّاماً وسياسيّين، ساقوا البلادَ الى كلِّ مكروه حتى الهلاك، وأوصلوا ناسَها الى الفقر، والهجرة، واليأس، فإنّ آلةَ الرّشد الوطنيّ لا تزالُ شغّالةً في وجدانِ مُستَقيمي الإيمانِ بالوطنِ، وهؤلاءِ ليسوا أقليّة. إنهم مشحونون بالعنفوان، مخلِصون للقضيّة، ملتزمون بالدّفاع عن كيانٍ لطالما روَته الدّماء، ففي ذلك، بالذّات، دفاعٌ عن وجودِهم الحرّ، فالوفاءُ للوطنِ، معهم، ليس شريداً، والوطنيّةُ ليسَت مضَعضَعةً بحاجةٍ الى وكالةِ غَوث، وولاؤهم ثابتٌ لا يخضعُ لدوراتِ تأهيل، والأهمُّ أنّهم يرفضون استخدامَ مفرداتٍ مستوردةٍ من قواميسِ الخارج.
وطننا معرَّضٌ لمخاطرَ نَسَجَها الخارجُ المعروف، مع بعضِ الدّاخلِ المعروفِ هو أيضاً. ولكن، لا يحسَبَنَّ هؤلاءِ الجُهّالُ الخرافيّون أنّنا نرتابُ في عَمى بصائرهم، فمؤامراتُهم واضحةُ الرّسوم، ولن نسمح بأن تخطفَ أنفاسَ الوطن، وتغتالَ رجاءَ أهليه، مهما تشعّبَت طارئاتُ الإنحطاطِ المؤذية، فالحتميّةُ النضاليّة لا بدّ منها. وبها، هي التي تشكّلُ مفصلاً أساسيّاً في زمنِ لبنان، يمكنُ الإنتقالُ الى التّغييرِ، والتّطوير، وإخصابِ الفرح، في ولادةٍ جديدةٍ، ولو اضطُرَّ الوطنُ الى جراحةٍ تجميليّةٍ لواقعٍ ينبغي أن يكون مستعدّاً لها.