.jpg)
لا يمكن للعقل السياسي، مهما طغت عليه البراغماتية، وأدرك لعبة الأمم، أن يُسلّم بنظرية المؤامرة القائلة بتواطؤ دولي خالص، أميركي أوروبي تحديداً، لتعزيز النفوذ الإيراني (الفارسي الشيعي استطراداً) في وجه مواقع القوة العربية (السنّية واقعياً من الخليج إلى مصر)، وذلك بهدف الإبقاء على الصراع، لحفظ التوازن تارةً هنا، وكسره طوراً هناك، ودائماً بخلفية توسيع أسواق الأسلحة والاستثمارات التجارية والصناعية وإعادة إحياء البنى التحتية التي تهدّمها الحروب، كما في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، إضافةً إلى التحكّم بالثروات النفطية واستراتيجية حماية إسرائيل.
في الواقع، لا يمكن حذف هذه الدوافع مجتمعة عن لعبة الأمم والصراعات العالمية الكبرى بين جبابرة القرن الراهن، خصوصاً الصين وروسيا والولايات المتحدة.
لكنّ المياه الجارية تحت جسور الإقليم تكذّب غالباً الغطّاسين، فيستطيع المراقب رؤية بعض الحقائق بين الأمواج المتلاطمة.
وأبرز هذه الحقائق أن المجتمع الدولي، على تناقض مصالحه وتصادمها، يريد إيران دولة قوية بشرطَين:
– الأوّل أن تكون قوية ضمن حدودها الوطنية، وهذا يعني تقليم أظافر نفوذها ووقف تمدّد مجسّاتها في العالم العربي، عبر ضبط واحتواء “جيوشها الستّة” التي نشرتها في المنطقة،
ومن بينها “حزب اللّه” في لبنان والميادين الخارجية التي ينشط فيها.
– الثاني أن تكون مخلوعة الأنياب النووية والصواريخ البالستية، لأنّ العالم لا يحتمل خطراً وجودياً ثانياً بعد كوريا الشمالية.
والواضح أن الدول التي استطاعت أن تملك أسلحة نووية من خارج المنظومة الدولية التقليدية، خاضعة عملياً للقرار الدولي،
وليس لها صلاحية التصرف بسلاحها النووي، مثل باكستان وإسرائيل مثلاً.
لذلك، وخلافاً للظاهر، فإن مفاوضات ڤيننا تدور في عمقها حول مسألتين مترابطتين، سلاح إيران النووي وقدرتها الباليستية، مع نفوذها المتغلغل خارج حدودها.
وبمعاينة التطورات في الإقليم، يتضح أن عملية ضبط الانتشار الإيراني قائمة على قدم وساق، ويمكن الاستدلال على ذلك بمؤشرات ثلاثة: تبدّل الميزان السياسي في العراق بعد الانتخابات الأخيرة،
السعي السوري الحثيث للعودة إلى الحضن العربي،
وإخفاقات “حزب اللّه” في لبنان بارتخاء نسبي لقبضته وفشله في فرض أجندته كاملة.
وقياساً على حركة التاريخ، يمكن الاستنتاج المنطقي أن فورة الهيمنة الإيرانية منذ ١٥ سنة إلى انحسار، وأن التوازنات عائدة إلى سياقها الطبيعي، وسيكون لبنان حلقة من حلقات التوازن الإقليمي الجديد، فتتحرّر شرعيته ويستعيد سيادته وموقعه في بيئته العربية الطبيعية.