.jpg)


كتبت شانتال قمير في “المسيرة” – العدد 1723
جوع… فقر… بطالة… فساد
مين قال بُكرا أحلى؟
ليست خطايا أقلام ولا مزاعم مضللة! إنها حقيقة ومفادها أن معدّل الجريمة في لبنان ارتفع واقترب من معدّل التحليق. يكاد لا يمر يوم من دون أن تسجل جريمة في كتابٍ فاضت صفحاته بالقصص المروّعة والمستمرّة في مختلف المناطق اللبنانية. واللافت إبتكار المجرمين أساليب عديدة في خفايا الجرائم. وليس بأمر مستغرب في ظل تدني مستوى العيش الناتج عن الأزمة الاقتصادية وما يترتب عليها من تداعيات على المستوى الصحي والإجتماعي، وهي تنذر بجرّ البلاد نحو منعطف أمني خطير يسير بالتوازي مع تفاقم الحالة الاقتصادية.
تداعيات الأزمة الأمنية:
على وقع أسوأ إنهيار اقتصادي في تاريخ لبنان والثالث عالميًا، تكرّ سلسلة الجرائم الموصوفة. جوع؟ فقر؟ بطالة؟ تعالوا نسرد واقع الجريمة في لبنان على وقع هذه الأزمات.
منذ 17 تشرين الأول 2019 وصولاً إلى يومنا هذا، خسر آلاف اللبنانيين وظائفهم أو جزءاً من رواتبهم، والتي جاءت نتيجة الفساد الاقتصادي المستشري في مفاصل الدّولة والّذي ينخر شرايينها بعمق، إضافة الى عجز الطبقة الحاكمة عن إيجاد حلول من شأنها أن تحقّق آمال المواطن اللّبناني وطموح الطّلاب والجيل الصّاعد بدلًا من توجيه أحلامهم نحو بلاد الغربة لتحقيقها. وقد انعكست الأزمة على الوضع الاقتصادي بشكل كبير، وتهاوت أسعار صرف الليرة اللّبنانية مقابل الدولار بشكل غير طبيعي وغير مسبوق.
والى الحجر الصحي وحال التّعبئة العامة التي فرضتها جائحة كورونا المستجدّة التي اجتاحت لبنان منذ شباط 2020، ما أدّى إلى تدهور الوضع الاقتصادي بوتيرة أسرع نتيجة تعطل غالبية الوظائف في مختلف المناطق اللبنانية، جاءت جائحة البطالة التي وصلت نسبتها إلى أكثر من 35 في المئة. بالتّالي بات نصف اللّبنانيين تقريباً يعيشون تحت خط الفقر، مما انعكس على الوضع الإجتماعي وأدى الى إرتفاع كبير في الجرائم على اختلافها، كالقتل والسرقة بالدرجة الأولى.
الجرائم بالأرقام:
خلصت دراسة أعدتها شركة «الدولية للمعلومات اللبنانية» إلى ارتفاع جرائم السرقة بنسبة 265 في المئة، والقتل 101 في المئة في البلاد إثر الأزمة التي تشهدها والتي صنّفها البنك الدّولي واحدة من بين ثلاث أسوأ أزمات في العالم، اذ أدّت إلى انهيار مالي وتراجع كبير في القدرة الشرائية لمعظم المواطنين وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
محمد شمس الدين أكد لـ»المسيرة» إنه خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2019 سجلت الأرقام وقوع 89 جريمة قتل، بينما في الفترة نفسها من 2021 تم تسجيل 179 جريمة ما يدل الى ارتفاعٍ كبير ومؤشّر لتدهور الوضع الأمني وتوجّهنا نحو منعطف خطير.
أما عمليات السّرقة فقد ارتفعت بدورها من 1314 في العام 2019 إلى 4804 في العام 2021، وهذا يؤشر الى كارثة على صعيد الوضع الأمني ويُنذر بالأسوأ في ظل عدم إيجاد أية حلول على المستوى الاقتصادي والمالي. وتشير التقارير الى وقوع حوالى 16 عملية سرقة يوميًّا، غالبيتها محصورة بالأموال.
كما ارتفع معدل سرقة السيارات بنسبة 213 في المئة، بحيث تم تسجيل حصول 351 عملية سرقة لمركبات في العام 2019 إلى 1097 عملية سرقة في 2021 ما يدل الى سرقة ما يقارب الأربع سيّارات يوميًّا وهذا وضع خطير!
ووفق دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا الإسكوا في أيلول الماضي فإن 74 في المئة من سكان لبنان يعانون من الفقر.
لبنان اليوم أسوأ من الأمس:
يشير محمد شمس الدين إلى أن تفشي الفقر هو السبب الأوّل لارتفاع هذه النسبة من الجرائم. ومن المتوقع أن نشهد على مزيد من التّدهور الأمني في الأشهر المقبلة في حال استمرت الأزمة الاقتصادية وفي حال عدم مساندة الدّولة لشعبها وايجاد حلول جذريّة للرّكود الاقتصادي.
يضيف شمس الدين «لطالما تميّز لبنان بالتّضامن والأمن الإجتماعي، إلا أنه في العامين الأخيرين لم يعد كذلك بعدما ارتفعت معدلات الجرائم والسّرقة بشكل غير مسبوق.
في ظلّ الأزمة الاقتصادية، السياسية، الدبلوماسية والصّحية الّتي نعيشها فهذه ليست سوى ظروف إستثنائية ومأزومة، وانعكاسها على نفسية المواطنين هو انعكاس سلبي كبير. فعوامل الفقر والحرمان والكبت والإهانة وعدم الاعتراف بقيمة المواطن وبحقوقه جميعها تجعله يميل أكثر إلى ارتكاب الجرائم. وأمام هذا الواقع الكارثي تتضاعف هموم اللّبنانيين يومياً بعد يوم، وترتفع وتيرة الشعور بالقلق وعدم الاستقرار لديهم في بلد وضعوا فيه كل آمالهم، إلّا أنه ضيّق سبل العيش بشكلٍ كبير. فجنح بعضهم الى اللّجوء إلى ارتكاب الجرائم لتأمين قوت يومي أو ربما حليب أطفال أو دواء وغيرها. وهذه يمكن أن لا تكون دلالة على ازدياد العصابات انّما بسبب إزدياد حاجة المواطنين الى تأمين حاجات عائلاتهم… بعدما باتوا خائفين من مستقبل أضحى رهن قرارات طبقة سياسية تحكم بفسادها من جهة، ولا يبدو أنها تعمل على حلّ أزمات البلاد بل تزيد من خطورتها مع انشغالها بخلافات داخلية وأخرى خارجية من جهةٍ ثانية.
وتسببت الأزمة المالية التي اجتاحت البلاد منذ حوالى العامين في تقلص قدرات عدد أكبر من الأسر على التكيف مع الوضع الرّاهن في الوقت الذي انهارت فيه العملة المحلية الّتي باتت بلا قيمة، حكومات تولّت مهمّة الانقاذ ولكن اذ بنا نغرق في دوامة فسادٍ وأزماتٍ متتالية، فاللبناني وتوازيًا مع رفع الدّعم فإنه يصطدم بفقدان العديد من المواد الغذائية والأدوية من السوق، واحتكارها من قبل جهات نافذة تسعى للتحكم في التوجه السياسي العام للبلاد.
ماذا بعد؟ إستعدوا للمفاجأة الأكبر فبحسب الإحصاءات يشهد لبنان وقوع جريمة كل ساعة! وبحسب الإحصاءات الصادرة عن القوى الأمنية فقد سُجِلَ حتى شهر أيار 2021، 64 جريمة قتل، 2553 سرقة، و435 سيارة مسروقة، 22 سيارة مسلوبة، 210عمليات نشل، 299 عملية سلب.
وبجمع أرقام الجرائم المختلفة نحصل على الرقم 3583، وفي حال قسمة الرقم على الأشهر الخمسة التي حصلت خلالها نجد أن 716.6 جريمة حصلت في الشهر، ما يعني أن عدد الجرائم في اليوم 23.88 جريمة، أي أن كل ساعة ترتكب جريمة في لبنان، ما يوضح كم أن العدد كبير في بلد عدد سكانه لا يتجاوز البضعة ملايين.
لكن ارتفاع نسبة الجرائم في لبنان يقابله ارتفاع في عدد التوقيفات، بحسب ما أكده مصدر في قوى الأمن الداخلي لا سيما في ما يتعلق بالعصابات الخطيرة. واللافت أن معظم الذين يتم توقيفهم هم من أصحاب السوابق والمدمنين على المخدرات. ويلفت المصدر إلى أن الوضع الاقتصادي وانتشار البطالة دفعا إلى ارتفاع عدد السرقات، أما جرائم القتل فأسبابها عديدة منها «الثأر والشرف، والجرائم العاطفية والنفسية وغيرها، لكن الوضع متابع على الصعيد الأمني بشكل كبير».
لا حريات ولا كرامة للإنسان ما دام يهدده الجوع، والمرض، والتحرر المادي أول مرحلة في سبيل التحرر الفكري والمعنوي. ومع إستمرار تدهور الوضع الاقتصادي ليس مستغربًا أن يزداد معدل الجوع والفقر اللذين يولّدان آفة الجريمة. ومع إنعدام الأفق لخروج لبنان من أزماته، تبقى الخشية من الآتي!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]