فلسفة الحريّة وإرادة النّضال

حجم الخط

الإشكالية التي استأثرَت بانتباه الفكر، في مسألة الحريّة، هي تَوقُ الإنسانِ الدّائمِ الى أن يكون، هو بذاتِهِ، إلَهاً، يدّعي لنفسِهِ امتلاكَ القدرةِ على القرار، وبذا، افتعلَ صراعاً مع ربِّهِ، بعد أن تخطّى صراعَه مع الطبيعةِ بالإنتصارِ عليها.

جاهرَ الإنسان، منذ وجودِهِ العقليّ، بأنّ مفتاحَ وجودِه هو الحريّة التي، بها وحدَها، تشرِّعُ الكرامةُ ساحتَها. فالحريّةُ هي أمُّ القِيَم، وآيةُ العزّة، ومسقطُ رأسِ الشّعورِ بالشَّرف، ونَسَبُ الترفّعِ عن الخضوع. إنّ مشايخَ العنفوانِ، وهم كُثُرٌ عندَنا، جُرِّعوا من فَيضِها، فشبَّ في حياتِهم زَهوٌ كان سخيّاً فما تحوَّلَ عنه رَيعانُه، وكان مستعدّاً، دوماً، لمَطالع المواجهة، فصالاتُ مواقعِهِ كانت من دون مقاعد، لأنّ الذين يتنفّسون إباءً ما شَهِدوا له إلّا واقفين.

لقد سارَت الحريّةُ في عُقَدِ الزمنِ مَسيرَ الشّمسِ والرّيح، ورُوّادُها، من المُنتسِبين للكرامة، يُقبِلون عليها وما كبَحَ خِيارَهم قُصور، أمّا بطانةُ السّوءِ، عندَنا، الملدوغةُ بسُمِّ التّصفيقِ، والتي نزفَت كرامتَها، ومَرَغَ الذلُّ بَصَرَها بالخَفض، وباتَ وجودُها خِرقَةً لا حسَّ فيها ولا روح، فالعارُ غبَّرَ وجهَها، والعَيبُ المُشينُ أَتلَفَ لونَها، وانحطاطُ خُلقِها صيَّرها أَعواماً عِجافاً. فنُزوعُ هذه البطانةِ الى الخنوعِ ليس اختياراً سنابلُهُ تدرُّ طحيناً، إنّما هو قُبحٌ ينكِّسُ مَن يأتيه، ويرميه في ضِعَةٍ مَقيتة، ويسلّمُه الى الإهانةِ التي يستحقُّها.

إذا كان مُتلِفُ الحريّةِ، في بلادِنا قد ساقَته حدّةُ انصياعِهِ، الى بَيعِ دارِها، وقَطْعِ رأسِها بنَصل الذلّ، فالمتوثِّبون إليها طوّقوا بها جباهَهم، وصاغوا لها فصولاً تُماثلُ ترتيلاتِ المتديِّنين، لأنها عمقُ عَصَبِ الكرامةِ الحادّ، وخبزُ النُّبلِ الصَّلبُ العُود، فلا خِلَعَ للحياةِ بدونِها، ولا عقيدةَ أسمى منها، لأنها منزلُ القضيةِ في وجودِ الناس، بل هي وجودُهم بحَدِّ ذاتِه. من هنا، كانت الحريّةُ ضجّةً سحريّةً يعبقُ فيها لحنُ الكِبَر، أو مزموراً نَوَّطَتهُ مشاعرُ النّضالِ ولكنْ بدونِ شَهقَة.

لمّا كان القهرُ يستبدُّ بالناس، ويحرقُ مواسمَ فرحِهم، ويكمنُ لأملِهم بالأفضل، كان التّائقون الى وطنٍ مُعافىً، ينعمُ بالحقِّ والخَيرِ، لا يمتنعون عن التّصعيد في مخطّطاتِ الحريّة، ليحيكوا للوطنِ مكاناً أعلى من السّماء، يُتَعَذَّرُ أن يهرَمَ ويشيب، ويتبوَّأ، وحدَه، قوسَ قُزَح. فالحريةُ، وحدَها، تستدرجُ الى مائدةِ الشمس، وتغلقُ البابَ أمامَ أيِّ انسياقٍ خلفَ تسطيحِ العنفوان، وأمامَ تسلُّلِ الخضوعِ ليسطوَ على قَدَرِ الناس، من هنا، تسقطُ مقولةُ أنّ الخوفَ على السّلامةِ يفرضُ التخلّي عن الحريّة، فمَنْ يفعلْ، لا يستحقّ حريّةً ولا سلامة. لِذا، فإنّ أيَّ إنسانٍ لا يستطيعُ أن يشعرَ بوجودِه، أو أن يحقّقَ أهدافَه، إذا لم يكنْ يخزنُ في ذاتِهِ مبادئَ الحريّة، فهي أساسٌ لحياةِ الشّرفاءِ من الناس، وهي دينُهم وخليقتُهم، لا يحولونَ عن عهدِها في التزامٍ مشهود وكأنّه النُّذور المقدَّسة.

في موسمِ الحريّةِ العاقر، لدى حكّامِ بلدِنا وبعضِ أهلِه، حيثُ الكرامةُ في زهد، قامت ثورةٌ يُحكَمُ بالفضل لمحاولتِها التفلّتَ من قيودِ القَبولِ بما يُفرَض، ولإقدامِها على مواجهةِ الضارِّ والمؤذي في سلوكِ مَن في السلطة، محفِّزةً على الصّلابةِ، والعزمِ، والحماسةِ، في شنِّ معركةٍ ضاريةٍ في وجهِ المُنزلِقين في الفساد، وفي جريمةِ شلِّ البلد، وإفقارِ ناسِه، ودَفعِهم الى الهجرة. لكنّ عملَها لم يكن ناجزاً، على الرَّغم من أنّ رسالتَها قوبلَت بحظوةٍ ساطعة، وبمساندةٍ ناضجة، ذلك لأنّ كُثُراً انسلخوا عنها لأهدافٍ مشبوهة، وكثُراً سمّموا لها من الدّاخل، وكثُراً بانَت، بوضوح، تبعيَّتُهم لأعدائها، إنْ في السلطة أو خارجِها.

لن نعتبرَ أنّ الحراكَ الذي أُجهِضَ بمؤامرةٍ احترافيّة، هو آخرُ معاركِ العاصينَ عن التَّطبيع، فالإقتدارُ على المواجهةِ لن يكونَ منقوصَ الحظوظ، وسيلعنُ خَبيثو الحكمِ، لِئامُ زمانِ الوطن، حجمَهم إذا كان العاصونَ يبيعون ويشترون، فهؤلاءِ لم يُسقِطوا من حسابِهم أنّ هيكلَ الوطنِ لا يرتادُه إلّا أفواجُ الأحرارِ الذين يُؤمنون بأنّ النّضالَ، وحدَه، هو بابُ الولوجِ الى نعيمِ الخلاص. إنّ آمالَ الناس، بالرّغم من ظروفِ اليأس، وتأوّهاتِ الوجع، واحتمالِ الظّلمِ والقهر، لن تُدفَنَ في النّسيانِ كحلمٍ تاهَ في مهبِّ الرّيح، بحيثُ لا يجرؤُ أحدٌ على نَبشِها، فهي بحاجةٍ الى موقفٍ حرٍّ ثابتٍ يدافعُ عنها بدونِ تَراجُع، ويعيِّشُها في مقاطعِهِ حتى التَّحريض.

المسؤول، عندَنا، لا يعرفُ من المسؤوليةِ إلّا انتحالَ اسمِها، فهي، معه، حلَّةٌ باليةٌ نغَّصَها قبحُ مَن يدّعيها، هذا الذي حشا قلبَ بلادِنا كلَّ الدّموع، وجعلَ مَآلَ أهلِها الى الحضيض. وما ينبغي أن يُواجَهَ به هذا المُفتَري، ومَنْ يُمالِحُهُ من الطّارئين، ليس الحشمةَ والوقار، وليسَ التماسَ التّفاهمِ والتفهّم، وليس الزّخرفةَ الخطابيّةَ المُرَونَقَة، وليس الخَفَرَ وسموَّ النّبل، فكلُّ ذلك يشوِّهُ خُلقَةَ المواجهة، ويطمرُ ملحمةَ النّضالِ الذي يطلبُ أن تكون وصلاتُهُ نبراتٍ حادّةً، جامدةَ الرَّمي، متقنةَ الإصابة، ثابتةَ الدّلائل، ولها السلّطةُ الحيّةُ الوحيدةُ في قيادةِ الناسِ للتخلّصِ من زمنِ الذّبول، فالنّضالُ، وحدَه، يهبُ البقاءَ الحرَّ للشَّعبِ، والخلودَ للوطن.

خبر عاجل