.jpg)
أثار كلام نائب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم عاصفة هوجاء من الردود صدرت عن قسم كبير من القوى السياسية اللبنانية. صحيح ان هذا الكلام يدخل من ضمن أدبيات قيادات “حزب الله”، إلا أنه خطير جداً، ويعكس اتجاهاً بفرض ارادته ومشروعه على الآخرين من دون حتى فتح المجال للنقاش قائلاً في معرض حديثه:” لم يعد ممكنًا أن يكون النقاش حول المقاومة كأي نقاش عادي في البلد”، وتبرز الفوقية بأوضح مظاهرها عندما يقول:”من لا يريد لبنان المقاومة فليبحث عن حلّ آخر”.عندما يسمع كثر من اللبنانيين كلام قاسم، لا يجدون أي قواسم مشتركة مع الجهة التي يمثلها أحد أبرز قيادات “حزب الله”، بل أن كلام قاسم يجافي كل ما له علاقة بالمنطق الوطني والدستوري والسيادي والمؤسساتي والشعبي والدولي. فالمقاومة التي يراها قاسم جزءاً لا يتجزأ من الانتصارات، يراها القسم الأكبر من الشعب اللبناني جزءاً أساسياً من الفشل والاخفاقات لمفهوم الدولة، وما يعتبره قوة تمنع أي احتلال، يعتبرها الشعب قوة تكرّس الهيمنة والاحتلال الايراني، وما يؤمن به بأنها مقاومة تواجه المشاريع التقسيمية، تؤمن أكثرية الشعب بأنها عامل تقسيميّ بإمتياز، وما يشعر به قاسم أنه مصدر قوة، يشعر أكثرية الشعب بأنه سبب ضعف لبنان وتقهقره اقتصادياً واجتماعياً بل هو مسبب للعزلة العربية والدولية!
المشكلة أن قاسم ورفاقه في “حزب الله” يعيشون حالة انكار، ولا يريدون الإستماع أو احترام الرأي الآخر في البلد، ويعتبرون أنهم يشكّلون الأكثرية، فيما الواقع مختلف جداً، وسلاحهم أصبح عبئاً على الدولة اللبنانية، بل يصادر القرار الرسمي للدولة لمصلحة مشروع ايران في المنطقة، ويورطها في حروبها ويقحم نفسه في صراعات لا مصلحة فيها للبنان وشعبه!
ويشعر اللبنانيون ان قاسم ينتمي إلى كوكب آخر عندما يتحدث عن سمعة المقاومة في العالم وانتصاراتها، لأن أكثرية دول العالم الحرّ والمتقدّم تصنف “حزب الله” ارهابياً، ولا تتعاطى معه، وتفرض عليه عقوبات، وباتت تنظر إلى لبنان كمصدّر للإرهاب ووكر للفساد الذي يحمي “الحزب” منظومته.
لبنان الذي يريده اللبنانيون يبدأ من حيث انتهت جمهورية بشير الجميل أي الـ21 يوماً التي تلت انتخابه، فانتظمت المؤسسات وعاش لبنان عرس الوحدة الوطنية وحلم السيادة بعد بدء الكلام عن انسحاب الفلسطينيين والسوريين والاسرائيليين من لبنان!
تمّ اغتيال بشير الجميّل، ونشأ “حزب الله”، وبدأ الانحراف الذي كرّسه الاحتلال السوري بتشكيل غطاء لـ”الحزب” كي ينمو ويشتد ويتوسّع، ثم ينقلب بسلاحه إلى الداخل اللبناني ودول الخليج، كمشروع مذهبي مسلّح، محوره ولي الفقيه، وبناء الامبراطورية الفارسية المترامية الأطراف في هذا الشرق!
كثر من قيادات القوى السياسية اللبنانية ينطقون بالحقيقة ويسمّون الأشياء باسمائها، منتقدين “حزب الله” وانقلابه على الدستور والقوانين ومفاهيم الدولة الحقيقية وارتهانه للخارج، إلا أن الشيخ نعيم قاسم وبقية قيادات “الحزب” لا يُناقشون أي انتقاد بالعقل والمنطق، انما يلجأون إلى التخوين ويستخدمون الاتهامات الجاهزة بأن المعارضين مجرد عملاء للولايات المتحدة الأميركية واسرئيل. تلك الاتهامات باتت جاهزة، غبّ الطلب، وهذا اسلوب خطير، يؤسس لحرب جديدة، لو وُجدت رغبة دولية بذلك، ووُجِد تمويل للقوى السياسية الأخرى، لكن الشكر لله بأن لا قرار دولياً، في دفع اللبنانيين إلى الاقتتال، بدليل أن لا وجود لأحزاب مسلحة سوى “حزب الله”، وبالتالي أي حرب تحتاج إلى راقصين، وهنا لا يوجد إلا راقص واحد!
يتفاخر قاسم بأن “حزب الله” يشبه لبنان فيما الآخرون لا يشبهونه، والجميع يؤكد ان كلام قاسم صحيح، لأن لبنان المشوّه، الفقير، المذلول، والساحة المشرّعة للصراعات، والمنهار اقتصادياً والغارق في الفساد والمحكوم من “الدويلة”، لا يُشبه اللبنانيون، بل لا يشبه إلا “حزب الله”، وبالتالي يرغب اللبنانيون بجمهورية قوية، حيث لا قرار فيها إلا للدولة ومؤسساتها والقانون والحياد وحقوق الانسان والسيادة، والتقدّم والاستقرار والازدهار والانفتاح على كل دول العالم، والأهم ان تكون دولة لا سلاح فيها إلا سلاح الجيش اللبناني.
ويصل الشيخ قاسم إلى ذروة الاستكبار والفوقية عندما يقول:”من أراد لبنان المقاومة فليلتحق به ومن لم يرد فليبحث عن حل آخر”، ويبدو كأنه يقول اما تلتحقون بلبناننا أو ارحلوا عنه، وبالتالي يدعو قاسم اللبنانيين الرافضين لمشروعه إلى الهجرة لأن الشراكة لم تعد موجودة وفق مفهومه، وهنا نسأل ماذا سيفعل قاسم إذا قرر اللبنانيون مواجهة مشروعه؟ هل سيستخدم سلاحه كما استخدمه في بيروت 7 أيار 2008، أو خلدة 2021 أو عين الرمانة 2021؟ وهو يتبع اسلوب “ضربني وبكى وسبقني واشتكى”، فإذا قام بعض اللبنانيين بالدفاع عن أنفسهم في مواجهة اعتداءات “حزب الله”، يتهمهم قاسم وحزبه بالعملاء، ويضغط على قضاة المحكمة العسكرية للنيل منهم وزجّهم في السجون!
اللبنانيون يصبرون صبر أيوب على تمادي “حزب الله” في ممارسة الوقاحة والفجور السياسيين، ويذوقون المرّ في معيشتهم وحياتهم وكرامتهم كي لا يغرقون في دوامة الدم التي قد تُعرف بدايتها ولا تُعرف نهايتها!
قد لا يكون كلام قاسم جديداً، لأن “حزب الله” اعتمد بعد عام 2000 مبدأ تقديس السلاح وبمجرد تقديس شيء تخوّن آخر، و”حزب الله” في عز هذه الأزمة، ابتكر اثر اتفاق الدوحة عام 2008 وضغط السلاح، ثلاثيّة “الجيش والشعب والمقاومة” وهي ابتكار هجين، فعندما تقول جيش وشعب ومقاومة، حتى الجيش شرعيته من الشعب وليست هذه الشرعية جزءاً، بل هي الكل. الشعب حصن الشرعية وأداة الشرعية هي الجيش.
ما من جهة مكلّفة بالمقاومة، فلماذا يحمّل “حزب الله” نفسه مسألة لا تعود اليه وحده بل الى الجميع؟ فالسلطة تكون مصدر حماية البلد والاّ يصبح ذلك اغتصاباً. والمقاومة، إذا لم ترجع الى الانتخاب، هي مقاومة ضد النظام وتفقد شرعيتها من الشعب. واذا احتكمت إلى الانتخابات والخيار الديموقراطي كما هي الحال مع “حزب الله” الذي يشارك في الانتخابات النيابية عادة، عليها احترام نتائجها، لا الانقلاب عليها عندما لا تكون النتيجة لمصلحته! وها هو يمهّد اليوم للإنقلاب على أي أكثرية تنتجها الانتخابات النيابية المقبلة!
المؤسف أن تركيبة مشروع “حزب الله” في لبنان، تجعله يستخدم المقاومة وسيلة لتطبيق مشروع معين وليس الدفاع عن دولة محتلة، وهذا يتناقض مع منطق المقاومة، التي يستخدمها في إطار احتمال تحقيق هدفه وهو سلطة “الولي الفقيه”، لذلك يستمر في طرح المقاومة لتحقيق هدفه الحقيقي من ورائها.
كثر الكلام عن الاستراتيجيّة الدفاعيّة، الاّ ان تعاطي “حزب الله” معها كان لذر الرماد في العيون، فالاستراتيجية التي يقبلها “حزب الله” هي استمرار الوضع على ما هو عليه أي إبقاء سلاحه مرتبطاً بأجندة واحدة: إيران.
في البداية، ربط سلاحه بتحرير مزارع شبعا و منطقة الغجر، باعتبارهما لا تزالان محتلتين. وبعدما طرحت الدولة حلولاً بعد نقاش طويل لترسيم الحدود، ربط سلاحه بعد حرب عام 2006 بتحرير فلسطين، ثم ربطه بالحفاظ على الثروة المائيّة تمّ ربط السلاح بالثروة النفطيّة، وكلّها مبررات وعناوين لإبقاء السلاح!
امام هذا الوضع، يواجه سلاح “حزب الله” مصيرين لا ثالث لهما: إما أن يسلّم سلاحه إلى الدولة ويبقى مقاوماً في السياسة داخل مؤسساتها في ظلّ استراتيجيّة دفاعيّة يتّفق عليها مع الأطياف اللبنانية الممثلة في السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، وإما أن يحتفظ بسلاحه ويندفع نحو مغامرات لا تُحمد عقباها.
لذلك سنستعرض السيناريو الذي يلازم كلاً من الخيارين المذكورين اعلاه:
ماذا لو رضي “حزب الله” بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية؟
لا شك في أن انضمام عناصر “حزب الله” الى الجيش اللبناني سيعطيه المزيد من القوة، وليس في الانضمام الى الجيش الوطني والاندماج فيه تراجع عن الهدف المعلن بحماية لبنان، وأيضاً ليس في الانخراط في صفوف الجيش اللبناني تراجع عن المطالبة بقوّة الدولة لأن انضمام عناصر “الحزب” الى الجيش وسائر المؤسسات سيعطي الدولة المزيد من القوة في مختلف المجالات، وايضاً ليس في انضمام المقاومة الى مؤسسات الدولة العسكرية وغيرها انتقاص من موقع “حزب الله” لأنه لا ينضم الى الجيش والدولة من موقع المهزوم والضعيف.
ماذا لو استمر”حزب الله” في رفض تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية؟
من الواضح أن المعارضة لسلاح “حزب الله” آخذة في التصاعد على نحو سريع ولافت، والضغوط الدولية والاقليمية ازدادت عليه. وإذا كان سلاح “الحزب” الذي يتحرّك بقرار ذاتي مترابط مع قرار إيران، تبرز في هذا السياق الاحتمالات الآتية:
أولاً، أن يفتعِل مواجهات أمنية جديدة، ولكن هذه المرة على مستوى لبنان كله، تثبيتاً لميزان القوى القائم وضماناً لسيطرته الكاملة بعيداً من أيّ مفاجآت عبر إقفاله الطريق على أيّ محاولة لأخصامه لاسترداد السلطة عبر أكثرية نيابية، وهذا سيدفع المكوّنات الأخرى إلى الدفاع عن أنفسها واستخدام مبدأ المقاومة ضد هيمنة “الحزب”.
ثانياً، أن يفتعل حرباً مع إسرائيل في رسالة موجّهة للجميع بأنّ سلاحه ضروري. فالحرب بهذا المعنى، هي حاجة لإعادة فرض نفسه وإعطاء إشارات قوة في لحظة ضعف تحول دون تفكّكه وانهيار منظومة القوى المرتبطة به.
ثالثاً، أن يسعى إلى تغييرات راديكالية في النظام السياسي من قبيل تعويض نقص تمثيل الشيعة عبر السعي إلى إلغاء الطائفية السياسية أو تغيير اتفاق الطائف والاتجاه نحو المثالثة، والمتوقع أن يلقى اعتراضاً قوياً من المسيحيين.
مفهوم المقاومة يستند عادة إلى معطيات وطنية عامة ومشتركة، وصار من البديهي والواضح أن مقاومة “حزب الله” تفتقر إلى الاجماع الوطني، بل مرفوضة من أكثرية اللبنانيين، وهذا أمر لا يمكن القفز فوقه. ولعل هذا الرفض للسلاح يُزعج “الحزب” الذي بات، وفق ما أعلنه قاسم، غير مستعد أن يستمع إلى كلمة حرة أو نقد أو اتهام. أما إذا طالب البعض بالفيدرالية، فيتهمهم بالعمالة لاسرائيل والمشروع الاميركي الاستعماري، فيما يعتمد اسلوباً تقسيمياً في كانتونه المذهبي والطائفي، امنياً واقتصادياً ومالياً وثقافياً!
وإذا لا بد من الردّ على كلام قاسم للبحث عن حلّ آخر غير حل المقاومة، نعرض عليه حلّ اقترحه عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب جورج عقيص كما يلي: حياد، لامركزية موسعة، حصرية السلاح بيد الدولة.
ونرى أن أكثرية اللبنانيين مع هذا المشروع، بل يريدون وطناً سيداً حراً مستقلاً، تحكمه دولة القانون والعدالة الاجتماعية وسلاح واحد في يد الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية وحدها. فهم يريدون وقف الفساد واستقلال القضاء، ويريدون أيضاً الحياد والعلاقات الجيدة مع كل الدول العربية والانفتاح على الجميع واحترام القرارات الدولية.
هذا هو حل أكثرية اللبنانيين، وإذا كان هذا الحل مرفوضاً من الشيخ نعيم قاسم فليبحث هو عن حلّ آخر، لأن الناس تعبوا وقرفوا وباتوا غير قادرين على احتمال هذه الأوضاع الشاذة
