
حددت اتفاقية مونتفيديو (1933) المداميك الأساسية لكيانية الدولة المستقلة. وبخلفية هذه المعاهدة، كانت إرادة السكان المستعمرين أو الأقليات العرقية في الجنوب الأميركي لتقرير مصيرهم. وسهلت معايير الاتفاقية في ما بعد على الدول الأخرى ذات السيادة المحدودة الحصول على الشخصية القانونية الدولية والاستقلال. أوجبت اتفاقية مونتفيديو أن تمتلك الدولة بصفتها كياناً خاضعاً للقانون الدولي المؤهلات التالية: سكان دائمون، إقليم محدد، حكومة/سلطة سياسية والقدرة على الدخول في علاقات دولية.
لبنانياً، يفتقد الشعب استقراره الدائم، إذ ينقسم بين مهاجر وطامح مستمر إلى الهجرة. عن المساحة، حدودنا الجغرافية مشرعة للانتهاكات والتهريب يمنة ويسرة من دون ترسيم نهائي لا أرضاً ولا جواً ولا بحراً. أما عن السلطة السياسية، فحدث لا حرج عن سنوات التعطيل والفراغ من جهة، وانعدام سيادة القانون وغياب حصرية السلاح بالقوات العسكرية الشرعية من جهة أخرى. وأخيراً في العلاقات الدولية، يتخبط لبنان بين جدران المقاطعة والانصياع للممسكين، بأمر الواقع، بقراره الاستراتيجي. فلا تستبشروا استقامة للوضع الراهن من دون “مونتفيديو” لبناني يشترط قيام الدولة بكامل ركائزها أولاً حتى تحقيق الاستقلال الناجز.
وعلى أشلاء الدولة وأنقاض الجمهورية، تشتد وتيرة شد الحبال بين مكونات الحكم، وعند كل مفترق طرق مصيري أو اشتعال أزمة جديدة، تتباين التوجهات المختلفة. جديد هذه الأزمات، واستكمالاً للأزمة مع الخليج العربي، بيان وزارة الخارجية البحرينية شديد اللهجة الذي دان استضافة بيروت مؤتمراً صحفياً عقدته جمعيّة “الوفاق” بغطاء من حزب الله، وهي جمعية حلّتها الحكومة البحرينية في العام 2016. وعقب البيان، أوعز رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى محكمة التمييز بالتحرك لملاحقة المنظمين، فيما تداول الإعلام أن هناك توجّهاً رسمياً لترحيلهم.
على الإثر، بدا واضحاً امتعاض الثنائي الشيعي في النشرة المسائية لقناة “المنار”، لا فقط من قضية البحرين، انما من نهج ميقاتي تجاه أزمة الخليج كاملاً.
وتسجّل مصادر مقربة من “الثنائي الشيعي” عتباً على “التحول” الذي طرق على نهج رئيس حكومة “معاً للإنقاذ”. وتلفت المصادر الى أن ميقاتي اعتاد اعلام “الثنائي” والتنسيق معهم الا أن هذا الأمر تغير بُعيد الاتصال الثلاثي بينه وبين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وتضيف المصادر، “دول الخليج وعلى رأسها السعودية لا تبادل مد اليد اللبنانية تجاهها أو تلاقيها في منتصف الطريق حتى”، متسائلة عن جدوى “التنازلات وليس أولها استقالة وزير الإعلام جورج قرداحي وصولاً لبيانات الاسترضاء اليومية التي تقدم على حساب كرامة البلد من دون أن تبادل بأي خطوة إيجابية خليجياً”.
وعن “مجاراة الاحتجاج البحريني” الأخير، تسأل المصادر، “أليس إيعاز ميقاتي لمحكمة التمييز بالتحرك لملاحقة منظمي مؤتمر جمعية الوفاق تدخلاً في القضاء فيما هي مسألة بحت متعلقة بحرية التعبير؟ بينما يعتكف الأخير عن معالجة وضعية قاضي التحقيق في قضية مرفأ بيروت طارق بيطار الذي يكاد يطيّر الحكومة والسلم الأهلي معاً”.
في المقابل، يؤكد النائب علي درويش أن “رئيس الحكومة يحاول المحافظة على أفضل العلاقات مع جميع الأفرقاء والتوازن بينهم، إذ إنه رئيس حكومة كل لبنان”. أما عن العلاقة مع الخليج، فيشير عضو كتلة الوسط المستقل الى أن ميقاتي يعتبر أن “المنطق الطبيعي أن يكون لبنان بعلاقة جيدة مع العالم العربي وخصوصاً مع دول الخليج، ويعتمد منهجيته بالتعامل مع الأزمة الخليجية وفقاً للمبدأ الاستراتيجي السابق ذكره من جهة، ووفقاً للبيان الوزاري الذي التزمت به الحكومة اللبنانية مجتمعة”.
ويشير درويش، في حديثه لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، إلى أنه “إذا كان لكل فريق على مستوى السياسة الداخلية تصوُّر معين، هذا لا يمنع ميقاتي الالتزام بالثوابت الأساسية المبنية على العلاقة الجيدة مع كافة الدول وخصوصاً الخليج”. وعما إذا انتقل ميقاتي من “تدوير الزوايا” إلى “الاصطفاف السياسي”، يرى النائب الطرابلسي أن “صيغة ميقاتي تاريخياً وسطية، ويلعب دور رجل الإطفاء لا مشعل الحرائق”.
من جهته، يوضح عضو كتلة ميقاتي النيابية، النائب نقولا نحاس أن “مسألة المؤتمر قضية انتظام عام. فمن قام بالمؤتمر لا يمتلكون إذناً من جهة، ويعكرون علاقات لبنان الخارجية. فهذا إذاً من صلب العمل التنفيذي ووزارة الداخلية اتخذت الإجراءات المناسبة”.
ويضيف، في حديث لموقع القوات”، مُخرجاً الملف من سياقه السياسي، “الأمر منفصل تماماً عن موضوع القاضي طارق بيطار، إذ إن الأخير محكمة بينما في الحالة المطروحة رأت الحكومة أن هناك مخالفة للقوانين والأنظمة واتخذت الإجراءات”.
ويبقى السؤال عما إذا كانت سياسة “الإطفأجي” التي يتبعها ميقاتي قادرة على إطفاء نيران الغضب الخليجي من “اليد الطولى” لحزب الله على القرارات الاستراتيجية. وهل “الوفاق” مع الخليج قابل للإنعاش مجدداً في ظل التعايش مع السبب الرئيسي في انقطاع أوصال العلاقات معه؟
