تدابير “المركزي” مؤقتة… “خبُّوا دولاراتكم”

وسط الشلل الحكومي وغياب الفريق الحاكم عن القيام بالحدّ الأدنى من مسؤولياته لوقف التدهور، بل مساهمته في افتعال الأزمات وتغذيتها، يستفرد مصرف لبنان بتوليد التعاميم والقرارات والإجراءات النقدية والمالية لمحاولة السيطرة على سوق الصرف، والتي يرى كثير من الخبراء أنها عشوائية ومتناقضة. على الرغم من أن الطبقة الحاكمة ليست بعيدة عن قرارات البنك المركزي “المتخبطة”.

فتدابير مصرف لبنان الأخيرة بتزويد المصارف بحصتها النقدية لما تبقى من كانون الأول الحالي بالدولار النقدي بدلاً من الليرة، على سعر صرف منصة صيرفة، على أن تبيع المصارف الدولارات المشتراة على سعر صيرفة كاملةً إلى مختلف عملائها عوضاً عن الليرات اللبنانية التي كانت مرصودة لدفعها بالليرة، بالإضافة إلى إعلانه عن تنظيم سداد القروض التجارية بالعملات الأجنبية نقداً بالليرة على السعر المحدد في التعميم 151 أي 8000 ل.ل. حالياً، أتى بعد اجتماع بدعوة من رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي عقد في السراي الحكومي، الثلاثاء، حضره وزير المالية يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وجرى التداول فيه في السبل للجم تدهور سعر صرف الليرة.

وحول انعكاسات هذه التدابير على سوق الصرف والأسواق، يوضح الخبير المالي والاقتصادي البروفسور روك ـ أنطوان مهنّا، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “البنك المركزي يهدف من خلال إجراءاته الأخيرة إلى خفض الطلب على الدولار وزيادة الطلب على الليرة”، معتبراً أن “هذه إجراءات ترقيعية قصيرة الأمد، ونفسية أكثر ممّا هي فعلية”.

ويشير، إلى أن “زيادة الطلب على الليرة وطباعة المزيد منها، سيرفع التضخم في الأسعار أكثر ويؤدي إلى مزيد من التراجع في قيمة الليرة”، مشدداً على أنه “في حال لم تترافق هذه الإجراءات مع تدخُّل قوي للبنك المركزي وضخّ المزيد من الدولارات، ليكون لاعباً أساسياً في سوق الصرف وتأمين طلباته اليومية، لن تؤتي أي نتيجة”.

وعلى سبيل المثال، يضيف مهنّا، “الطلب اليومي على الدولار نحو 10 مليون دولار تقريباً، ومصرف لبنان يؤمِّن ما بين 3 إلى 5 مليون دولار كمعدل وسطي عبر منصة صيرفة. ما يعني أن 50 إلى 70% من حاجة السوق لا يؤمِّنها البنك المركزي، بل السوق السوداء”.

ويلفت الخبير الاقتصادي ذاته، إلى أن “مصرف لبنان عاجز عن تأمين حاجة السوق اليومية من الدولار. وكما هو معلوم، الاحتياطي النقدي في تراجع متواصل. بالتالي، إن لم يكن باستطاعة المركزي أن يكون لاعباً أساسياً في السوق، فالعلاجات التي يطرحها ستكون موضعية وقصيرة الأمد وغير فعّالة”.

ومن العناصر التي تؤكد ذلك، كما يوضح مهنّا، “رفع مصرف لبنان للنسبة المئوية من الدولارات النقدية التي يطلب من الشركات المستوردة للمحروقات تأمينها ليغطِّي اعتماداتها، من 10% إلى 15%. بالإضافة إلى الإعلان عن إبلاغ الحكومة التوقف عن دفع فاتورة اشتراك لبنان في الانترنت إلى الشركات الخارجية الدولية، البالغة نحو 6 مليون دولار سنوياً، واشتراطه لكي يقوم بتحويل المبلغ احتساب الدولار على سعر منصة صيرفة”.

ويضاف إلى ذلك، “تراجع نسبة الدعم على المستلزمات الطبية، والأدوية حتى المزمنة منها، في منحى متواصل لرفعه نهائياً في مرحلة مقبلة، بالإضافة إلى القمح والطحين ربما. وكل ذلك يؤكد أن البنك المركزي لا يملك ما يكفي من الدولارات للتدخُّل بقوة في السوق، بالتالي الإجراءات الأخيرة مؤقتة ومن دون فعالية جدية كما أشرنا”.

وبرأي مهنّا، أن “لا أفق، في ظل الجوّ السياسي القاتم، والشلل الحكومي، وغياب أي إصلاحات، أو حتى وجود لجنة مركزية على الأقل تتخذ إجراءات لضبط الاحتكار وتفلُّت الأسعار، قبل الحديث عن إصلاحات. وفي ظل غياب الثقة، وعدم انطلاق المفاوضات الرسمية مع صندوق النقد الدولي حتى الآن، وتراجع الاحتياطي المتبقي بالعملات الأجنبية خصوصاً الدولار، وعدم دخول دولارات جديدة من الخارج إلى البلد والذي فاقم منه افتعال الأزمة الأخيرة مع السعودية والخليج ووقف التصدير”.

ويعتبر، أن “كل ما يُعمل هو ترقيع وعملية شراء للوقت وهروب إلى الأمام، ومفعوله على مدى قصير”، مشدداً على أننا “بحاجة إلى صدمة إيجابية، تبدأ بالعودة إلى تفعيل عمل الحكومة، وإقرار إصلاحات جدية، وإطلاق المفاوضات الرسمية مع صندوق النقد. وعندها فقط يمكن أن نبدأ بالتقدُّم تدريجياً، وإلا فنحن سنستمر بالتراجع بشكل متدحرج. وإجراء مصرف لبنان الأخير، نفسيّ معنويّ وفعاليته محدودة، لأنه لا يملك الدولارات الكافية التي تمكنه من التدخل بقوة وليكون لاعباً أساسياً وعرض الدولار في السوق”.

ويؤكد مهنّا، أنه “تبعاً لهذه العوامل، مهما ضخَّ البنك المركزي من دولارات، سيمتصّها السوق. وفعالية هذه الإجراءات، إن كان لها من فعالية، ستكون محدودة وقصيرة الأمد ومؤقتة. بالتالي نحن ذاهبون إلى تفلُّت أكبر في سعر الدولار ولا سقف لهذا الأمر. وفي ظل عدم الثقة والشلل الحكومي وغياب الإصلاحات والإجراءات الجدية، سنستمر في الغرق أكثر فأكثر”، معرباً عن أسفه لأن “الجوّ قاتم، وفي غياب أي صدمة إيجابية، داخلية أو إقليمية أو دولية تغيِّر هذه المعادلة، معاناتنا طويلة”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل