
مع الطقس العاصف والماطر منذ أيام، دخل لبنان، فعلياً، في فصل الشتاء، الذي يضيف إلى معاناة اللبنانيين، في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المأسوية، معاناة جديدة. فكم من عائلات تعاني في هذا الطقس من البرد القارس، خصوصاً الأطفال، إذ هي عاجزة عن توفير التدفئة كما يجب نظراً لارتفاع أسعار المازوت والغاز والحطب والفحم.
ولا حاجة للتذكير بغياب كهرباء الدولة، إلا في ما ندر، علماً أنه حتى إن حضرت، فقلّة يستطيعون تحمُّل فاتورة استعمال المدفأة الكهربائية، حتى مع الدعم الباقي للكهرباء، بعدما بات أكثر من 80% من الشعب اللبناني في خانة الفقراء. وقِس على ذلك، فاتورة المولّد التي بلغت أرقاماً خيالية، سواء مع تركيب عداد أو من دونه.
وحتى العائلات التي تحاول إيجاد وسائل بديلة للتدفئة، مثل الحطب أو الفحم، عاجزة عن ذلك. فطن الحطب ليس أقل من 3.500.000 ليرة وقد يتخطى الـ4 ملايين، والمنزل في المناطق الجبلية بحاجة إلى 3 طن حطب على الأقل في موسم الشتاء، فيما كيلو الفحم بالجملة بـ10.000 ليرة، لأنهما كسائر السلع يسعَّران على الدولار “المتخايل” صعوداً في “دولة جهنم”، الحارقة للمفارقة من دون دفء بل بصقيع قارس.
ولعلّ قسماً من أهالي الجبال يلبُّون جزءاً من حاجتهم لحطب التدفئة، من خلال تشحيل الأشجار المثمرة، أو اليابسة في الحقول والأحراج. وبالتأكيد يقوم البعض منهم بقطع الأشجار الحرجية، فالبيئة يمكنها الانتظار لكن الطفل الذي يرتجف من البرد لا يستطيع. والمشكلة قد تكون أقسى وطأة على سكان المدن، إذ لا يمكن استعمال (ستوف الحطب) للأسباب المعروفة، بالتالي هم مجبرون على اللجوء إما إلى التدفئة الكهربائية أو على الغاز.
ونظراً لأنه لا يمكن إطلاقاً الاستغناء عن الكهرباء في مختلف نواحي الحياة والعمل، ثمة نصائح وإرشادات يمكن الاستفادة منها في ظل هذه الظروف للتخفيف ما أمكن من فاتورة المولّد لغاية التدفئة، والتي تتراوح ما بين 1.500.000 ومليوني ليرة شهرياً لاشتراك الـ5 أمبير.
ويعرب مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون، عن “أسفه الشديد للوضع المخجل الذي أصبحنا معه مضطرين لهذه الدرجة بالتفكير بتقنين حاجتنا من التدفئة والإنارة. لكن على طريقة الحاجة أمّ الاختراع يمكن التخفيف من تكلفة التدفئة باعتماد بعض التدابير، منها:
اختيار الغرفة الأصغر كغرفة للجلوس، وأن تكون شبابيكها أقل اتساعاً ومحكمة الإقفال، مع فرش الأرضية بالسجاد، وبالطبع ارتداء ملابس شتوية بشكل جيد لا الاكتفاء بالملابس الخفيفة، وربما وضع أغطية على الساقين، ولمَ لا، قبعة من الصوف على الرأس. بالإضافة إلى الجلوس على مسافة قريبة من جهاز التدفئة، لكن بالتأكيد على أن تكون آمنة”، لافتاً إلى أن “الحاجة إلى التدفئة قد تكون أكثر خلال النهار، إذ في الليل وخلال النوم يمكن أن يتغطَّى الإنسان بشكل جيد ويضع أغطية إضافية من الصوف”.
أما بالنسبة لكلفة المحروقات الأوفر بين الكهرباء أو الغاز أو مدفأة المازوت، يرى بيضون، أنه “ربما أصبحت متشابهة نظراً لارتفاع كلفة المازوت والغاز، لكن ربما يمكن التحكم بمدفأة الغاز أكثر من حيث القوة وعدد منافذ التدفئة فيها”، مشيراً إلى أن “هذا ما يحصل عملياً ونلاحظه في ممارسات الناس العادية في القرى ومختلف المناطق، علماً أن البعض ربما يستخدم الحطب أو الفحم إذا كان متوفراً، كل بحسب ظروفه ومنطقة سكنه”.
والأمر ذاته ينسحب على الإنارة، وفق بيضون، “إذ يفترض الانتباه لإنارة الغرفة حيث تجلس العائلة لا إبقاء كل الغرف مضاءة، مع استعمال لمبات التوفير التي لا تستهلك طاقة كبيرة. وعلى سبيل المثال، إذا كان هناك في الغرفة ثريا بلمبات عدة، يمكن الإبقاء على واحدة منها بإنارة كافية ونزع الباقي”.
ويضيف، “في المناطق التي تملك حظّاً أكثر من غيرها بالتغذية من كهرباء لبنان، يمكن استعمال سخان المياه على كهرباء الدولة، إذ لا تزال أقل كلفة حتى الآن من كهرباء المولّدات خصوصاً للاشتراكات بالعداد. بالإضافة إلى تسخين المياه عند الحاجة والطهي على المواقد الكهربائية للطهي بدلاً من مواقد الغاز، علماً أن قسماً كبيراً من مواقد الطهي يتمتَّع بالخاصيَّتين”.
ويشدد، على أنه “في حال استخدام هذه التدابير وغيرها، يجب بشكل أكيد احترام معايير الأمان وعدم الاستهتار بهذا الأمر، والحرص على أن يبقى هواء الغرفة نقياً حيث يمكن فتح الشبابيك من وقت لآخر ولو جزئياً ولفترة دقائق قليلة. كما يجب الانتباه جيداً لعدم استخدام وسائل تدفئة قد تفسد الأوكسيجين الموجود في الغرفة وتعرِّض الحياة للخطر، على سبيل المثال الفحم. وفي حال الاضطرار، يجب التأكد من احتراق الفحم بالكامل خارج المنزل قبل إدخاله، ومن ثم إخراجه من البيت لدى الخلود إلى النوم”.
وبطريقة ساخرة، يضيف بيضون وسيلة يمكن أن تمنح شعوراً بالدفء، ألا وهي “لعن الذين أوصلونا إلى هذه الظروف وهذه الدرجة من الفقر والحاجة للتقنين في التدفئة، بحيث بتنا مضطرين إلى هذا المستوى من التفكير للتعامل مع الوضع بما أمكن”.
ويذكّر، بأنه “قديماً، ولكي ينسى الأطفال البرد، كان الأجداد والجدات يجمعون أولاد العائلة في غرفة واحدة حول الموقد، ويحكوا لهم حكايات بطولية وخرافية مشوّقة، لتسليتهم في أول السهرة ولكي ينعسوا ويناموا باكراً. وربما من المفيد استعادة هذه العادة من تراثنا، فيتجمَّع جميع أفراد العائلة في غرفة واحدة بتدفئة مقبولة، ويحكي الكبار للصغار حكاية أزمة الكهرباء في لبنان، ومن كان السبب”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
