قرار ميقاتي بعد لقاء عين التينة

 

لم يعد بإمكان أفرقاء السلطة إجراء تسويات وصفقات ومحاصصات علنية بلا محاسبة، فالسلطة بكاملها الآن تحت مجهر العقوبات والإجراءات الدولية، من واشنطن الى باريس وصولاً الى الخليج العربي، فضلاً عن أنّ غالبية الأحزاب السياسية تخاف اتخاذ أي إجراء غير شعبي على أبواب انتخابات هي بدورها من الصعب تأجيلها أو «تطييرها» إلّا لـ»قوة قاهرة» تُقنع الغرب والأمم المتحدة.

إنطلاقاً من ذلك، ترى جهات سياسية أنّ المقايضة بين التعديلات على قانون الانتخاب والتحقيق في انفجار مرفأ بيروت لم تمرّ، فمن الصعب أن يتمكّن «التيار الوطني الحر» من إقناع البيئة المسيحية، بقراره التصويت مع إحالة المدّعى عليهم في هذه الجريمة من نواب وزراء سابقين على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، في هذا التوقيت، وبعد اعتراض سابق على ذلك، وقُبَيل أشهر معدودة من انتخابات تُعتبر أنّها مفصلية. كذلك قد يكون تزامن زيارة الأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس للبنان مع «طبخ» هذه التسوية عشية قرار المجلس الدستوري حيال طعن «التيار»، من الأسباب الضاغطة لسقوط هذه التسوية وخروج المجلس بـ»لا قرار» وبالتالي سريان قانون الانتخاب النافذ، فرئيس الحكومة نجيب ميقاتي سمع من أعلى سلطة أممية ما سبق أن سمعه من قيادات كلّ الدول الكبرى والمؤثرة، عن قرار بدعم لبنان وعدم تركه ينزلق الى الفوضى والمجهول، شرط التزام الإصلاحات والدستور والقوانين، وإجراء الانتخابات والتحقيق في انفجار المرفأ والتفاوض مع صندوق النقد الدولي. وبالتالي، عزّز ميقاتي عبر زيارة غوتيريس، موقفه السابق لجهة عدم التدخل في عمل القضاء، وفصل ملف المرفأ عن انعقاد مجلس الوزراء.

 

وبمعزل عمّا دار بين ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، في لقائهما أمس الأول في عين التينة، والذي خرج رئيس الحكومة منه «غاضباً»، وبصرف النظر عمّا إذا كان ميقاتي رفض الدخول في المقايضة التي كان يُقال إنّ «الثنائي الشيعي» و»التيار» كانا يحضّرانها، أو أنّها غير صحيحة، إلّا أنّ المحسوم أنّ ميقاتي «ضاق ذرعاً» بالتعنُت الداخلي وعرقلته قطار النهوض، بينما الخارج يستعجل عمل الحكومة ويمدّها بكلّ «عدّة الشغل» وأدوات الدعم، وما عليها الّا الاجتهاد، فيما أنّها مُفرملة بمكبح «داخلي». لكن على رغم ذلك، إنّ قرار ميقاتي بعد لقاء عين التينة، كما قبله: «لا صدام ولا تحدّ بالدعوة الى انعقاد مجلس الوزراء قبل تأمين التوافق، وبالتوازي لا اعتكاف ولا استقالة».

 

كذلك إنّ ميقاتي لا يدخل في تسويات على حساب موضوع دستوري أو قانوني، وسبق أن قال إنّ هناك مؤسسات دستورية عليها أن تأخذ دورها، وهو ليس بصدد أي مقايضة في ملف المرفأ، بحسب مصادر قريبة منه، وهو مع أن يأخذ هذا الملف منحاه القانوني. وعن زيارته لبري، توضح المصادر نفسها، أنّ رئيس الحكومة يزور رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب باستمرار، لحلّ موضوع انعقاد مجلس الوزراء، كذلك أتت بالتوازي مع زيارة غوتيريس للبنان، والتي بات واضحاً من خلالها، أنّ هناك رغبة في إبقاء الوضع مستقرّا وعدم تركه يَنحو الى «الفلتان» الكامل، خصوصاً في هذه المرحلة. وكانت الجلسة بين بري وميقاتي روتينية، لطرح إمكانية انعقاد مجلس الوزراء. أمّا انفعال ميقاتي بعد اللقاء، فليس سببه الخلاف مع بري، بل مردّه الى الضغوطات التي يعيشها رئيس الحكومة خصوصاً على مستوى المطالب إن كانت داخلية أو خارجية، وفي ظلّ عدم انعقاد الحكومة، ما يخلق توتراً، لكن هذا لا يعني استقالة رئيس الحكومة أو اصطدامه برئيس مجلس النواب الذي تربطه به علاقة طويلة يُمكن أن تحتوي أيّ «مشكل» مستجد بينهما، بحسب المصادر نفسها.

 

أمّا عن إبلاغ ميقاتي الى بري أنّه سيدعو الى جلسة لمجلس الوزراء بمعزل عن «رضا» حركة «أمل» و»حزب الله» ورَدّ بري مهدداً باستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة، فتذكّر المصادر القريبة من رئيس الحكومة أنّه سبق وأعلن أنّه لن يدعو الى جلسة لمجلس الوزراء ما لم تتأمّن صيغة توافقية من جميع الأفرقاء. كذلك كان ميقاتي قد قال قبل أيّام، علناً، إنّ الدعوة الى انعقاد مجلس الوزراء ستُستتبع باستقالات من الحكومة، وبالتالي هذا ليس بالمُعطى الجديد.

 

وعمّا ذُكر عن تلويح غوتيريس بعقوبات على مسؤولين من الصف الأول، في حال عدم التزام لبنان تعهداته، تقول المصادر إياها، إنّه «على المستوى اللبناني لا معلومات حول الامر، أمّا على المستوى الدولي فالتلويح بعقوبات من فترة الى أخرى قائم ومستمرّ، لكن لا معطى حول جديتها وصحتها الآن. أمّا الرئيس ميقاتي فيسعى ما يستطيع، وجميع المسؤولين الأمميين والدوليين والإقليميين لمسوا لمس اليد أنّه يقوم بجهده إن في العملية الإصلاحية أو التفاوض مع صندوق النقد الدولي أو إجراء الانتخابات والتحضير إليها كما يطالب كلّ المجتمع الدولي».

 

لا شك في أنّ ميقاتي بات يحظى بغطاء خارجي مربوطاً بالغطاء للبنان، فحكومة ميقاتي جسر عبور الى الانتخابات النيابية وخشبة نجاة من الغرق الى حين حلول ذلك الموعد الدستوري. وتأتي زيارة غوتيريس للبنان والمواقف التي أطلقها، لتشكّل غطاء دولياً للحفاظ على الاستقرار وعدم الانزلاق الى مزيدٍ من الازمات. وتكتسب هذه الزيارة أهميةً شكلاً ومضموناً، إذ إنّ الأمين العام للأمم المتحدة له سلطة على كلّ الأطراف والمؤسسات التابعة للمنظمة الدولية وعلى الجهات المانحة. كذلك تأتي هذه الزيارة بعد زيارات ميقاتي لفرنسا والفاتيكان ودول عربية والاتصال الثلاثي الذي ضمّه الى الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي، وكلّها تصب عند أنّ «لبنان غير متروك».

 

وعلى رغم أنّ هناك نزاعا إقليميا – دوليا كبيرا يتأثر لبنان به، ولا خواتيم واضحة المعالم له بعد، إلّا أنّ لبنان يتمكّن من أن يحفظ الحد الأدنى من الغطاء على المستويين الإقليمي والدولي لعدم انزلاقه الى مزيد من التأزم، لكن يجب أن يكون لدى المسؤولين اللبنانيين رغبةً في خدمة مصالح البلد من خلال التلاقي والتعاون، وهذا ما دعا إليه الخارج ويدعو إليه ميقاتي باستمرار، بحسب المصادر القريبة منه. وبالتالي، يجب أن ينعقد مجلس الوزراء، ما يدفع في اتجاه أريحية داخلية تنعكس إيجاباً إقتصادياً وسياسياً، ويساعد على إمرار هذه المرحلة، في ظلّ عوامل إقليمية مؤثرة، بأقلّ خسائر ممكنة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل