Site icon Lebanese Forces Official Website

في وداع سنة ومرحلة

لكل جيل أفراح وأحزان. أنا المولود في 1960، رحت أنقِّبُ في الذاكرة سعياً وراء قطع حساب بين ما أفرحني وأحزنني من السنين التي عَبَرَتْ، ويا ليتني ما فعلتْ. أحبائي، يا من أبصرتم النور بين 1955 و1975، أتقدم منكم بالتعزية والمواساة. كلنا، من لم يملك خيار الرحيل عن هذا الوطن، أو بقي طواعية، نستحق أن يُعزِّيَ بعضنا البعض. بهذا الماضي المضطرب، كيف وقفتُ على رجليّ وبنيتُ مهنةً وعائلةً وبيتاً؟ عندما أراجعُ تكاليف الأيام، وأتذكر كم مرة كدت أُقتلُ في الحرب، وكم مرة كدت أعتقل في السلم، وكم مرة كدت أجوع، وكم مرة كدت أفرح، ينتابُني شعور بأن من حسن حظي أنني نجوت من حظي السيء! وبعيداً من الشعارات الفارغة، أنا لا ألقي اللوم على طبقة معينة من السياسيين، ولا على النظام ولا على ولادتي في لبنان بدلاً من السويد. لومي على نفسي لأنني في مواضع ومواقف كثيرة كان يجب أن اندفع أكثر لأُقتل فلم اندفع، وكان يجب أن أتحرك أكثر لأُعتقل ولم أتحرك. سلكت طريقَ منطقِ الحياة في بقعة جغرافية لا أرضها ولا شعوبها تربة صالحة للمنطق. وهنا ولمن مثلي تعوزه الغيبيات، الحياة وقوع بالفخ. أقصى ما يمكن تغييره، أن تكتب على ورقة، وتبتدع أسماء جديدة للأماكن وللمستقبل. تكتبُ وطناً ثم تمزِّق ثم تكتبُ ثم تمزِّق. ذلك هو الهروب الجميل.

تنطوي هذه الـ2021 لتقع على كتفيك ثقيلةً فوق عشرات السنوات الماضيات. العالم من حولك مُسرع نحو بهجة الحياة، وأنت عالق. معلق على خشبة وفي زنزانة. كل أبطالك شاخوا. أما آن لهذه المرحلة أن تنقضي وتطل مرحلة جديدة في 2022؟ وحدها المعجزة هي الخلاص، وحيث تكثر الأديان والمذاهب تنتفي المعجزات. أنت في طابور تنتظر الترحيل وغيرك منطلق على دروب الأرض والسماء. المواطن العادي في دولة عادية، يعيش ويموت في ظل نظام هو ذاته على مدى عشرات أو مئات السنوات. أنا اللبناني ومنذ أكثر من عشر سنوات، عايشت صيغتين، أي نظامين، وبين الصيغتين عايشت احتلالات فاقت بعددها الأنظمة والصيغ، وعايشت اللانظام واللاصيغة. كان عمري سبع سنوات وسمعت على الراديو “إن لبنان يمر في أخطر مرحلة من تاريخه”. هل ما زلت في السابعة من عمري لأنني أسمع هذه العبارة كل يوم؟ في صيف 1967 كانت مصابيح السيارات تُطلى بالأزرق النيلي، كذلك شبابيك البيوت تمويهاً للمقاتلات الإسرائيلية التي حسمت المعركة وأصابت العرب بـ”النكسة”. في أنطلياس وعيت على تأثير فيروز علينا كشعب أنطلياسي. كل الأضواء صارت بالأزرق استجابة لنداء فيروز “يا ليل الأزرق خليك سمعنا / انكان رح تتعوق بتسرب معنا”. عشت وأنا أعتقد أن الحرب في لبنان من سُنَّةِ الحياة. لم أستطع أن أحدد بدقة متى تطل برأسها. في 1969 “معارك صغيرة” على أطراف بيروت، وجبهة دائمة النزف في الجنوب. في 1970 معارك في الأردن وأخبار عن معارك تدور في مشارق الأرض ومغاربها. في 1973 حرب. وفي 1975 حرب لم تنته حتى كتابة هذه السطور. كان أبي “مفتاحاً انتخابياً” في قريتنا، ويوم فاز مرشحه أقنعت نفسي أن الفقر سيضمحل وأن الازدهار سيعم، وأن قوة لبنان العسكرية لا تضاهى. كنت سنتها في الثامنة من عمري. وفي الصف الرابع متوسط حملوني إلى ظهر “فاغونة التران” على محطة مفرق شكا، وأنشدت قصيدة لشاعر أعتقد من عائلة دكاش مطلعها: “أماه أنا في الخندق أحمل بندقية / والليل جاسوس لعين يحمل الموتَ هدية”. أمي كانت ماتت قبل خمس سنوات. لم تكن أمي معي ولا كنت في الخندق. ثم اكتشفت أنني عالق في أخدود الصراعات اللبنانية. بعد “موقعة التران” بسنوات وجدت أقصوصة في علبة لأبي. خبر في جريدة “الأنوار” فحواه “طلاب المعهد الوطني للرهبان يقطعون مفرق شكا عند محطة سكة الحديد، ما أجبر رئيس الحكومة رشيد الصلح الانتظار لساعة قبل أن يكمل طريقه إلى قصر الرئيس سليمان فرنجية”. بعدما قرأت الأقصوصة سألت نفسي ما المناسبة التي وضعتني على “ظهر الفاغونة”؟ راجعت التواريخ وتبين أننا كنا في تظاهرة دعماً للجيش اللبناني. بالعودة إلى أمي، فأمي ماتت صبية، لم تُسلم الروح إلا بعد أن عرفت أن عبد الناصر مات. عندها تنهدت، قال لي أبي، وأغمضت. الحرب عشتها في اللاوعي. حملت أمي بندقية في حرب الـ 58. كان ثمة خلاف شخصي بينها وبين عبد الناصر. في 1952 أمَّمَ لها حصتها في شركة سكك الحديد في مصر. عادت إلى لبنان بعدما أحرقت تلة جنيهات تحولت ورقاً بلا قيمة. العم ساسين في بسكنتا قال لي “حاربت على جبهة القنطاري حد قصر الرئيس شمعون”، لليوم، كلما مررت في القنطاري أسمع صوت رصاصات أمي. بعد موتها كانت جدتي تقول “هالصبي متل أمو لاحق الكتائب”. ما معنى “كتائب” غير جمع كتيبة؟ كنت في “كشافة الجرّاح”، لكن كل من ارتدى القميص الكاكي والشورت الأزرق، عند جدتي هو “كتائب”. “كتائب”؟ نُمي اليّ في الثمانينيات أن جورج سعادة كان يقول “كِيف ابن جميل عِمِل قوات”؟ حاز جميل بطاقة كتائب ونسيها في الجارور. كان يحب فارس سعادة الشقيق الأكبر لجورج. فارس “دفش” جورج نحو السياسة. هكذا قال أبي. المهم أنا وأمثالي في العمر خلقنا في مدار الحروب والمعارك والأزمات. لم نر يوماً خارج هذه الثلاثية. يحلو لي أن أسكب كأس نبيذ وأنسى تلك السنوات الآتيات.​

Exit mobile version