
سرق سيارتي من موقفها في المبنى وترك كرتونة مكتوب عليها “سامحوني مجبور، عفواً”… بهذه العبارة تفتتح إيمان (اسم وهمي) حديثها عبر موقع القوات اللبنانية الالكتروني. وتضيف، “أنا محامية وأوضاعي ع قدي، الفكرة يلي بتزعّل إنو بعدني عم قسِّط سيارتي، وبعد عندي سنين. باختصار فقير سرقو فقير أكتر منو… هيك وطنّا”.
لبنان المرعب، شوارعه باتت مسارح لجرائم عدة بأشكال مختلفة. الـ2021 عام الشؤم، أرقامه مرعبة، سرقة فوق حدود المعقول، جرائم قتل بنسبة مرتفعة جداً. والمؤسف، أن من سرقونا، في قصورهم بأمان والشعب يتناتش بعضه البعض، ويتقاتل ليستمر بالعيش في جهنم، فيما جهنم الدولار يبتلع كل شيء كأنه لم يكن أساساً. قصورهم تلك دافئة وبيوتنا باردة، حساباتهم مهربة وحساباتنا مستولى عليها، سياراتهم محصَّنة وسياراتنا عرضة لأي سرقة على يد سارق تستخدمه عصابة مستفيدة من معاناته، فيصبح هو نفسه ضحية في وطن يبدع بخنق الضحايا وإعلاء الجلادين.
جردة جرائم العام 2021 تؤكد أننا في غابة. الخوف من العقاب مفقود، والسلاح المنتشر يعزِّز العمليات. الغايات كثيرة والهدف واحد، حاجة ملحّة للأموال تحت مسمى “الغاية تبرر الوسيلة”. وفي إضاءته على هذا الواقع، يؤكد الباحث والمحلل الاجتماعي محمد شمس الدين، أنه “مع تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية في لبنان، ارتفعت البطالة بنسبة 35% والفقر تجاوز الـ55%. بالتالي، هذا الأمر أدى الى تراجع الأوضاع الأمنية”.
ويشدد شمس الدين، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، على أن “مؤشرات السرقة والقتل، خلال الأشهر الـ11 من العام 2021، ارتفعت بشكل كبير مقارنة بالأشهر الـ11 من العام 2020”. ويضيف، “من يقوم بعمليات السرقة عصابات منظمة بات لديها القدرة لاستقطاب المزيد من العناصر نتيجة الحاجة، كما أن هناك شعوراً بإمكانية التفلت من العقاب إثر ترهُّل أوضاع الدولة”، لافتاً إلى أن “غالبية من يقومون بعمليات القتل والسرقة، هم من الشباب مدمني المخدرات الذين يلجؤون الى السرقة لتأمين حاجاتهم من المخدرات، وهذا أمر بغاية الخطورة”.
وعن المؤشرات الأمنية، يشير شمس الدين، إلى أننا “نلاحظ أنه في الأشهر الـ11 الأولى من العام 2021 شهد لبنان 5343 عملية سرقة مقارنة بـ2252 في العام 2020، أي ارتفاع بنسبة 137% بمعدل 16 جريمة يومياً”. ويوضح، أن “جرائم سرقة السيارات ارتفعت من سرقة 934 سيارة العام 2020 الى 1219 سيارة العام 2021، أي زادت بنسبة 30.5%. وهنا يلاحظ أن المجرمين يسرقون السيارات ويفكّكونها أو يخرجونها خارج الحدود اللبنانية”. وإذ يشير الى أن جرائم القتل انخفضت من 193 الى 188 أي بنسبة 2.6%، يشدد على أن “هذا العدد بالنسبة لبلد كلبنان، يعتبر مرتفعاً بشكل جنوني”.
ويضيف، “نحن اليوم أمام ازدهار العصابات التي تستبيح ممتلكات وحياة الناس، وللأسف في حال استمر الوضع على ما هو عليه سنشهد مزيداً من الجرائم والمؤشرات السلبية خلال العام 2022″، معرباً عن “عدم تفاؤله إزاء أوضاع كارثية مرجحة للازدياد، ما لم تتخذ خطوات جدية تنقذ اللبنانيين”.
وفي السياق ذاته، يؤكد مصدر رفيع المستوى في قوى الأمن الداخلي، عبر موقع “القوات”، أنه “خلال التحقيقات في جرائم السرقة يمكن التفريق بين نوعين من السارقين: أفراد عصابات منظَّمة تخلّ بالأمن وتعمل وتنشط بشكل مبرمج، وبين شباب أغلبهم من الأحداث يتم استقطابهم من قبل العصابات عبر اللعب على وتر حاجاتهم (مال، مخدرات، مسؤولية عائلة إثر غياب الوالد…)”.
ويشدد المصدر الأمني ذاته، على أن “المضحك المبكي، أن أرباح هؤلاء إثر السرقة، بغالبيتها، تسيطر عليها العصابات، ليأخذ السارق مبلغاً زهيداً. بالتالي، هؤلاء أيضاً ضحايا جهل كبير وعدم متابعة فعلية منذ الصغر للاندماج بشكل صحيح في المجتمع”.
أما عن معدل المبلغ الذي يتقاضاه السارق، يقول، “أوقات بكون سارق سيارة بيعطوه 400 ألف…”. ومع تأكيده على أن “الوضع مأساوي فعلاً”، لكنه يشدد على أن “لا شيء يبرر جرم السرقة. وهنا يجب على العائلة والمجتمع بكل مؤسساته لعب دور توعويّ منذ الصغر، لئلا يكون الانسان عرضة لاستقطابات سيئة من هذا النوع”.
ويؤكد المصدر، أن “الأسباب خلف السرقة تتعدد، فنسبة كبيرة من الشباب تُقدم على الجرم نتيجة الإدمان، ونسبة أخرى نتيجة الفقر والحاجة، وثمة نسبة لا يستهان بها تقوم بذلك لمساعدة العائلة نتيجة الأوضاع الكارثية. لكن مهما كانت الأسباب النتيجة واحدة، سيعاقب الفاعل عاجلاً أو آجلاً”، موضحاً أننا “نعمل مع جمعيات كثيرة على إعادة دمج الشباب ومساعدتهم خلال وجودهم في السجن، ليخرجوا إلى الحياة بشكل مختلف وليتمكنوا من متابعة حياتهم كأفراد صالحين”.
صعوبات الحياة عديدة وتختلف طريقة التعامل معها من شخص لآخر. ضحايا السلطة التي سلبت اللبنانيين أبسط حقوقهم كثر، تحوّلوا من شبان إلى مجرمين، أو الى مسروقين… لبنان العام 2021 ارحل بلا عودة. وليتحنَّن علينا المولود في مغارة، علّ أعجوبة تغيِّر مصير العام 2022 المحتوم.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
