
كتب شارل جبور “المسيرة” – العدد 1724
دفاعًا عن وطن وقضية وشعب
القوات والإنتخابات… التغيير من صندوق الإقتراع
يأخذ البعض على “القوات اللبنانية” إهتمامها الزائد في الإستحقاق النيابي، وتعويلها عليه من أجل التغيير، في الوقت الذي يعتبر هذا البعض أن الفريق المُمسك بالسلطة سيعطِّل الانتخابات إن من خلال التمديد، أو بتعطيل نتائجها، وبالتالي في الحالتين لا تقدِّم الانتخابات ولا تؤخِّر، فيما التركيز يجب أن ينصبّ على مسائل أخرى، وعندما تَسأل هذا البعض عن طبيعة هذه المسائل وما الآليات التي يقترحها للمواجهة لا تجد الأجوبة المطلوبة.
بمعزل عن الأسباب التي تجعل هذا البعض لا يعطي الانتخابات الوزن المطلوب وفي طليعتها عدم قدرته على تحقيق النتائج المطلوبة، فإن “القوات” لم تقل يومًا إن الانتخابات هي نهاية المطاف وأن الأزمة اللبنانية ستنتهي مع صدور النتائج في صناديق الإقتراع، إنما تنظر إليها إنطلاقا من العوامل التالية:
العامل الأول يتعلّق بالإستحقاق بحد ذاته وضرورة التعامل معه بجدية كون المقاطعة غير مطروحة لدى أي من القوى السياسية، إلا إذا كان هناك من يعتبر أنه قد حان الوقت للتخلُّص من الحياة السياسية التقليدية المتصلة بالانتخابات والإستشارات وتأليف الحكومات وانتخاب الرؤساء والتأسيس لانتفاضة ضد النظام السياسي برمته، وهذا الطرح لا يحظى بتأييد يي فريق سياسي وازن ما زال يراهن على التغيير من داخل المؤسسات وتحت سقف الدستور، ولذلك، يجب أن يحظى الإستحقاق النيابي بكل الإهتمام المطلوب.
العامل الثاني يرتبط بوجود مناسبة يمكن تحويلها إلى إنتفاضة من خلال تعبئة الناس من أجل الإقتراع، ومن الخطيئة تفويت هذه المناسبة، لأنه بإمكان الناس أن ينزلوا كل يوم إلى الشارع للإعتراض والتظاهر، ولكن ليس بإمكانها التصويت سوى مرة واحدة كل أربع سنوات، وبالتالي أين الحكمة من عدم الإقتراع أو التقليل من أهمية هذا الإستحقاق؟ فلتُخاض الانتخابات كما يجب عن طريق تجييش الرأي العام من أجل ممارسة واجبه وحقه، والدفع لاحقاً لترجمة نتيجة هذه الانتخابات بإعادة إنتاج سلطة جديدة، وفي حال تمّ منع التغيير يكون الناس قد سجلوا نقطة ثمينة في مرمى فريق السلطة الذي انفضح على حقيقته وتفاقمت مأزوميته، وبإمكانها العودة حينذاك إلى الشارع وبقوة أكبر ومن دون سقوف هذه المرة لأن من يمنع التغيير بواسطة صناديق الإقتراع عليه أن يتحمّل مسؤولية تحقيق هذا التغيير في الشارع.
العامل الثالث يتعلّق بضرورة إستخدام كل الطرق والوسائل الممكنة لكفّ يدّ فريق الأمر الواقع، والانتخابات وسيلة من هذه الوسائل التي تقلق هذا الفريق كثيرا لأن الناس مجيّشون ضده بسبب واقعهم المعيشي المأسوي، خصوصا أن هذه الانتخابات تجري وسط انهيار مالي يتحمّل الفريق الحاكم مسؤوليته والذي يخشى أن يفقد ورقة أكثريته النيابية وورقة أكثريته المسيحية التي توفِّر له الغطاء السياسي، فيما يجب الإستفادة من كل ما من شأنه حشر هذا الفريق وتطويقه. والسؤال الذي تشكل الإجابة عليه حسمًا باتجاه الانتخابات أو عدمها هو التالي: هل من مصلحة الأكثرية النيابية إجراء الانتخابات النيابية في موعدها أم التمديد للبرلمان؟ والإجابة واضحة بأن لا مصلحة لـ”حزب الله” في الانتخابات تجنبًا لخسارته الأكثرية في لحظة تفاوض نووية يفضِّل الحفاظ فيها على الستاتيكو الحالي، ولا مصلحة لـ”التيار الوطني الحر” بخسارة ورقة أكثريته المسيحية عشية الانتخابات الرئاسية التي خاضها ويخوضها على أساس أنه الأقوى مسيحيًا، وبالتالي أين المصلحة في ترييح هذا الفريق بعدم إجراء الانتخابات أو عدم إيلاء هذا الإستحقاق الإهتمام المطلوب؟
العامل الرابع يرتبط بالمواجهة السياسية التي تتطلّب توسُّل كل أساليب المواجهة الديموقراطية، من الانتخابات النيابية والبلدية والإختيارية والنقابية والطالبية، مرورًا بالتجمّعات واللقاءات والبيانات، وصولاً إلى استخدام الشارع عندما تدعو الحاجة مع الحرص دوما على الإستقرار، وبالتالي يجب عدم توفير أية مناسبة أو محطة أو إستحقاق إلا واستخدامه في سبيل الدفع قدما نحو التغيير.
ويخطئ من يراهن أو يصوِّر أن التغيير يتحقق من خلف البحار من دون إرادة الناس، لأن تبدُّل المعطيات الخارجية لا يعني بالضرورة تبدلا في المعطيات الداخلية في حال لم تكن البيئة الداخلية جاهزة للتغيير، وهنا بالذات تكمن أهمية الجهوزية الشعبية المطلوبة سياسيًا بشكل دائم، والدفع المتواصل من أجل التغيير بواسطة إرادة الناس، والتعامل مع المعطيات الخارجية التي تصبّ في مصلحة الدولة والسيادة والإستقلال والقضية اللبنانية كـ”bonus”يجب تلقفه في الوقت المناسب، إنما التعويل يجب أن يبقى دومًا على إرادة اللبنانيين.
فلا يمكن لأي أمر واقع أن يستمر في حال كانت أكثرية اللبنانيين ضده، وقد تكون المرة الأولى منذ العام 2005 التي تتكوّن فيها أكثرية شعبية لمست لمس اليد معنى تغييب الدولة، لأن الإنهيار الحاصل ما هو سوى نتيجة طبيعية لهذا التغييب المتمادي، ولو لم يحصل هذا الإنهيار في الأمس لكان حصل اليوم أو غداً، لأنه لا مفرّ من هذا الإنهيار في ظل سياسة الأمر الواقع، ويستحيل الخروج من هذا الإنهيار سوى بالدخول في مشروع الدولة.
وقد لمس المواطن أن الأمور مترابطة بشكل محكم فلا يمكنه مثلا أن يغض النظر عن خطف قرار الدولة في القضايا الاستراتيجية وأن يطمئن في المقابل على ودائعه ونمط عيشه، ولا يستطيع أن يتجاهل السلاح غير الشرعي وأن يشتكي غياب الإستقرار والبؤر الأمنية والعزلة الخارجية، فإما هناك دولة ودستور وقضاء وقانون واستقرار مالي وسياسي وأمني، وإما الفوضى وعدم الإستقرار والفقر وشريعة الغاب…
وهنا بالذات تكمن أهمية الانتخابات النيابية المقبلة التي تجري وسط انهيار مالي بدّل للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية اللبنانية بنمط عيش اللبنانيين، ولم يعد بإمكان أحد من المواطنين القفز فوق الصراع القائم والتعامل معه وكأنه غير موجود، إنما عليه أن يتحمّل مسؤوليته للخروج من هذا النفق المظلم الذي انعكس على حياته ويومياته، وجلّ ما هو مطلوب منه صوته في صندوقة الإقتراع لمن يحمل مشروع الدولة والسيادة والحياد والإستقلال…
فالانتخابات فرصة للتغيير ولدفع مشروع الدولة قدمًا، ومن الخطيئة التعامل معها بخفة واستلشاء، ويجب التفكير دومًا في كيفية تعبئة الناس واستنفارهم في كل محطة ومناسبة تحقيقاً لمشروع الدولة، وكيف بالحري إذا كانت الانتخابات النيابية التي هي الوسيلة الأساسية للتغيير المنشود.
فالنضال لا يتوقّف عند محطة من المحطات، إنما هو مسيرة مستمرة، مسيرة أجيال سعيًا لبناء دولة للإنسان، ونضال “القوات اللبنانية” لا يتوقّف مع الانتخابات النيابية التي تعوِّل فيها كثيرًا على إرادة الناس، إنما يستمر في كل الظروف والأوقات دفاعًا عن وطن وقضية وشعب ومواطن ودولة…
شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]