
مُذ وُضع حزب الله على لائحة الإرهاب، دخل معه لبنان مرحلة العقوبات التي تفرضها واشنطن عن طريق الخزانة الأميركية، في اعتمادها سياسة الردع تجاه قيادات ورجال أعمال ومموِّلين يدورون في فلك “الحزب” ويروّجون لأفكاره التي تعتبرها الإدارة الأميركية توجهات إرهابية تستدعي العقاب.
أما جديد هذه العقوبات، توسُّعها لتستهدف أشخاصاً من خارج الإطار الحزبي لحزب الله لتطاول حلفاءه، كرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، ورجال أعمال مقربين منه، بالإضافة إلى شخصيات تنتمي إلى محور الممانعة، كالوزير الأسبق يوسف فنيانوس عن تيار المردة، والنائب عن حركة أمل علي حسن خليل.
ودخل لبنان في عهد الرئيس ميشال عون مرحلة مختلفة من العقوبات الأميركية، إلى جانب وضع “الحزب” على لائحة الإرهاب، إذ باتت الشخصيات الحليفة مستهدفة. فضلاً عن أن أي شخصية يثبت ضلوعها بالفساد أو بإعاقة مسيرة الإصلاح وتحقيق السيادة في لبنان، تصبح مرشحة لتوضع على اللائحة.
وفي جردة شاملة للعقوبات الأميركية على شخصيات وكيانات لبنانية، نجد أنه في العام 2021 أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية “أوفاك” رجلَي أعمال لبنانيَّين، وعضو في البرلمان، ساهمت أفعالهم في انهيار الحكم الرشيد وسيادة القانون في لبنان. وهم، جهاد العرب، وداني خوري المقرب من باسيل، والنائب جميل السيد.
واعتبرت الخزانة الأميركية أن الشخصيات الثلاث استفادت شخصياً من تفشي الفساد والمحسوبية في لبنان، واغتنت على حساب اللبنانيين ومؤسسات الدولة. كما تم تصنيف هؤلاء الأفراد، الذين ينتمون إلى النخبة التجارية والسياسية في لبنان، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13441 الذي يستهدف الأشخاص الذين يساهمون في انهيار سيادة القانون في لبنان، وتم حظر جميع الممتلكات والمصالح في الممتلكات العائدة للأشخاص المذكورين الموجودة في الولايات المتحدة، أو في حيازة مواطنين أميركيين، أو أشخاص مقيمين في الولايات المتحدة أو تحت تصرفهم.
وفي أيار الماضي، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية 7 أفراد على صلة بحزب الله وشركته المالية “القرض الحسن”، المدرجة من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في العام 2007 على اللائحة، ويستخدمها “الحزب” كغطاء لإدارة الأنشطة المالية والوصول إلى النظام المالي الدولي. وهم، ابراهيم علي ضاهر، ويشغل منصب رئيس الوحدة المالية المركزية لحزب الله التي تشرف على الميزانية والإنفاق العام، بما في ذلك، وفق واشنطن، تمويل هذه الجماعة لعملياتها الإرهابية وقتل معارضيها. بالإضافة إلى أحمد محمد يزبك، وعباس حسن غريب، ووحيد محمود سبيتي، ومصطفى حبيب حرب، وعزّت يوسف عكر، وحسن شحادة عثمان، الذين استخدموا لغطاء الحسابات الشخصية في بعض البنوك اللبنانية بما في ذلك بنك جمال ترست المصنَّف من قبل الولايات المتحدة، للتهرُّب من العقوبات التي تستهدف “القرض الحسن” وتحويل ما يقرب من نصف مليار دولار أميركي نيابة عن هذه المؤسسة.
ويقفل العام 2021 أيامه الأخيرة بفرض عقوبات على رجل أعمال لبناني يدعى أحمد الخطيب، مقيم منذ الـ1989 في البرازيل، ويملك فيها مصنعاً للأثاث سماه Enterprise Comércio de Móveis e Intermediação de Negócios في مدينة غواروليوس. وتم إدراجه بقوائم العقوبات، لتقديمه مساعدة للقاعدة، ودعماً ماليا وتكنولوجيا وبالسلع للمصري محمد أحمد السيد أحمد إبراهيم.
فضلاً عن إعلان واشنطن عن فرض عقوبات مرتقبة على موظفي الفئة الأولى في قطاعات الطاقة والكهرباء والاتصالات. وتشكِّل هذه “الوجبة” المنتظرة مادة قلق لعدد من الوجوه التي يتحضر أفرقاؤها للانتخابات النيابية، لأنها تتضمّن أسماء كبيرة نفَّذت مشاريع إنمائية، وهم مجموعة من المستشارين، حاليين وسابقين، فضلاً عن موظفين في الفئة الأولى.
وفي السياق، تجزم مصادر مقرّبة من الإدارة الأميركية، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “لا يمكن لأحد، كيفما كانت علاقته بواشنطن، أن يعلم ما يدور خلف أروقة الخزانة الأميركية، لأن مسار العقوبات سرّي للغاية، والحديث عن عقوبات مرتقبة على موظفين من الفئة الأولى يبقى في إطار التحاليل والتكهنات”، لافتة إلى أن “هناك مساراً واضحاً تسلكه العقوبات عبر قوانين أميركية واضحة المعالم تسير وفقاً لخريطة معينة، وإذا اتَّبعنا هذه الخريطة نجد أن العقوبات تبدأ بالتراتبية. بالتالي، سيتعرض الأشخاص المتصلين بالشخصية المعاقبة، حُكماً، إلى عقوبات، وفقاً لمناصبهم التي تخوّلهم اتخاذ القرارات التي أدت إلى الفساد وإهدار المال العام وتقويض عملية الإصلاح”.
وتضيف المصادر أن، “مسار العقوبات مستمر بوتيرة تصاعدية، وهو لن يتوقف حتى تحقيق الأهداف التي أدت إلى فرضها، خصوصاً أن الطبقة الحاكمة في لبنان لا تبدي استعدادها للتعاون. وهذا أمر سلبي جداً، والآتي أعظم طبعاً تبعاً للمسار الذي تسلكه العقوبات”.
وفي مقابل العقوبات الأميركية، يهدد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على سياسيين وشخصيات لبنانية. لكن حتى اللحظة لم نشهد أي منها، إذ يقتصر الأمر على التهديد عن طريق وفود أوروبية زارت لبنان في العام 2021. بالإضافة إلى إعلان الاتحاد الأوروبي، في نيسان الماضي، عن وضع أسس قانونية لفرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن التعرّض للديمقراطية أو لسيادة القانون في لبنان.
وتوضح المصادر ذاتها، لموقعنا، أن “طريقة عمل الإدارة الأميركية في ما يتعلق بالعقوبات، تختلف عن تلك الأوروبية”. وتشير إلى أن “نظام العقوبات الأوروبية، أو الاتحاد الأوروبي، بحاجة إلى موافقة 27 دولة منضوية تحت سقف الاتحاد. في حين يختلف الأمر في واشنطن، لأنها دولة واحدة بقرار واحد لا يعارضها أحد. فعلى سبيل المثال، إذا قرر الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على حزب الله وعارضته فرنسا، لا يمكن فرض العقوبة إلا بالإجماع، وهذا أمر في غاية الصعوبة”.
وتضيف، “من هنا نرى أن القوانين الأميركية أكثر حزماً وصرامة من قوانين الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أن أميركا دولة عظمى لها تأثير كبير على السياسات العالمية، وقدرتها الاقتصادية تخوّلها شلّ حركة أي شخصية يتم وضعها على لائحة العقوبات. أما في أوروبا، تقتصر العقوبات على تجميد أية أموال أو أصول داخل أراضي الاتحاد الأوروبي وحظر توفير أية أموال أو موارد اقتصادية، بشكل مباشر أو غير مباشر، لصالح هؤلاء الأشخاص المستهدَفين. وعلى عكس الولايات المتحدة، لا تدّعي عقوبات الاتحاد الأوروبي أنّ لها تأثيراً يتجاوز حدوده، ما يعني أنّها تنطبق فقط على الأفعال التي تجري داخل أراضي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي”.
وتشير المصادر عينها، إلى أن “الاجماع الوحيد الذي حصل داخل الاتحاد الأوروبي، هو اتخاذ القرار بفرض عقوبات على شخصيات لبنانية فاسدة تعيق مسيرة الإصلاح، وتم وضع القوانين اللازمة. لكن لم تُفرض أي عقوبة، حتى الآن، والأمر لا يزال قيد البحث داخل الاتحاد الأوروبي، ولا يوجد بعد أي اسم أو شخصية محددة ستستهدفها العقوبات”.
