نحن أبناء الرجاء وسنهزمهم بالحياة!

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1724

نعلن لكم ولادة فرحٍ بميلاد يسوع

نحن أبناء الرجاء وسنهزمهم بالحياة!

 

أليس الميلاد بحد ذاته مقاومة؟ ولد المسيح ليخلّص العالم من الحقد والعبودية، قاوم العالم كله لأجل المحبة والسلام، كيف لا نكون على صورة الربّ ومثال؟! يقولون لبنان مات!! نقول فشرتوا!! كلمة بشعة باللغة الشعبوية المحكية، لكنها معبّرة فيها فائض من التحدّي، فيها الكثير من العناد. فشرتوا وبكل أبعاد الكلمة والحروف أن يموت لبنان، ونحن مع ميلاد يسوع ثورة تجدد، ثورة تحدّي، ثورة صلاة مع الآتي بإسم الرب لأجل خلاصنا، وليش ما بدنا نساعدو؟!

قبالة مغارة الميلاد أعود الى صور سمير جعجع تحديدًا، وهو يزور الشباب على الجبهات ليلة عيد الميلاد. مرّ وقت طويل قبل أن أفهم فعلاً ماذا كان يعني أن يذهب قائد الى جبهات ما كانت لتهدأ غالبًا، إلا ليلة عيد الميلاد وبسحر ساحر، بحسب أخبار بعض الرفاق الذين عاشوا شرف المقاومة لأجل لبنان. فهمت متأخرة أن السهر مع المناضلين ليلة الميلاد، هي محاولة لتعويضهم الغياب عن أهاليهم، ولإعلان الإحترام لهم، فالناس في سهرها وهم حراس الجبهات، وحراس الليل، وحراس الأرض، هذه أشرف مقاومة عبر بها تاريخ لبنان الحديث. لا نريد جبهات مماثلة، ولا حربًا مماثلة تجتاح الآن تلك الجبهات، لكن تُشن علينا حروب أسوأ بكثير وأخطر بكثير بكثير، حرب بقاء لبنان أو زواله كليًا، حرب الجوع والإفقار، حرب تغيير وجه لبنان من الحياة الى الموت، حرب تعميم اليأس حتى في عزّ الأعياد! ومرّة جديدة فشرتوا… وها نحن بالفرح نقاوم.

شو حلوة هالنجمة تحت السماء تضيء بألوانها، تتربع على عرش شجرة جميلة حلوة حنونة بأضوائها وتواضعها، ما زالت بيروت تتزين؟ كنت أظن أن المسيح هجر المدينة وسكن هناك فوق في ضيعتي الجردية، جارة الجبال والوديان. أصلاً أما زال لبنان يحتفل بعيد الميلاد؟!! عن جدّ بعدنا عم نحتفل؟! بماذا نحتفل والخوابي فارغة من البركة والمعجن يأكله الصدأ، والإحتلال حوّل الحياة إلى موت سريري؟!

كلام إنهزامي لكن الآتي باسم الرب يحكمنا بالأمل والرجاء! صحيح، نحن مقاومون لم ننسَ بغمرة المآسي أن نخترع فرحًا. نحن مناضلون لأجل المسيح، لم ننسَ في غمرة الموت أن نعيش. نحن لبنانيون، لن نسمح لهم بأن يخطفوا منا وهج الأرض المزنّرة بالمقاومين الشهداء والأحياء.

ليست بيروت بيروت. تحاول مدينة 4 آب، أن تسترد أنفاسها. لا أعرف لماذا هذا الشعور العارم بأن يسوع يسكن تفاصيلها كافة. هو خائف عليها، كأنه يجول بين أحيائها يراقب عن كثب من زيّن له البيوت والساحات ليسجّل في مفكرته السماوية، من يتحدى الحياة نفسها لتبقى الحياة دروبًا مغروزة بخطواته المقدسة. وكأن بيروت تتجاوب مع حارس ليلها ونهارها، كأنها تدخل في زمن صلاة كانت نسته لفترة في غمرة أضوائها المشتعلة. كلنا نصبح في الأزمات أقرب الى الله. تتحدى بيروت نفسها، تتحايل على آلامها وتزيّن بعض شوارعها الكبيرة بأضواء ملك المجد الآتي. راقصة على الزجاج بيروت، تنشد أوبرا البقاء بصوت مجرّح. تجترح الفرح من عمق عمق ظلامها، هي التي صنعت من الفرح عدوى للشرق والغرب كافة. لم تهرم المدينة، جعلوها بالقوة ختيارة تتآكلها تجاعيد القهر والعوز والعجز والحرمان، هي صبية لم تستسلم، ذهبت الى جرّاح تجميل شاطر، إسمّه التحدي وهويته الأمل، أمرته أن يطمر غدر الزمان بـ بوتوكس الفرح، وما الضير في ذلك يا حلوة نائمة في زمانها. أغمري وجهك بعمليات التجميل، دعي مبضع الجرّاح ذاك يحفر في كلومك خيوط الصبا والأنوار، جرّاحك الشاطر مبضعه من وجه المسيح، ووجه المسيح لا يسكن فيه إلا الضوء، وأنت مقاومة فهل تستسلمين؟

لم تستسلم بيروت، تواضعت في زينتها صحيح، كي لا تجرح قلب الحزانى، كي لا يظنوا أنها نسيت أوجاعهم، فعلت القليل لكنه كاف ليفرح فيها حب البقاء وعنفوان الصمود، كاف لتكون صرخة مدوية في وجه من أمعنوا في قتلها، بأننا نتحداكم يا وحوش الموت، نتحدى إرهابكم، عمالتكم إحتلالكم للأرض وللفرح. سنبقى نفرح، وحين نفرح نحن تغرقون أنتم في جحوركم المعتادة العائمة بمجارير الإحتلال وجرذان القذارة. أحسنت يا بيروت، يا مدينة لم تكن يوما مدينتي، فأنا إبنة الضيعة، لكنها وجدان قضيتي وأنا إبنة القضية. هناك فوق تختلف المشهدية. فوق في الضيعة كأن السماء أقرب، حتى المدينة عادت الى ساحات الضيعة، عادت الى رائحة الأرض العابقة بفوح المطر. كيف نفسّر شعور العودة ذاك؟

ثمة إحساس عام بأن الناس إرتدّوا الى أنفسهم، إرتدّوا الى التواضع والإيمان بعدما غمرتهم المآسي في الاتجاهات كافة. شو حلوة يا ضيعة حين تغرقين بأضواء الميلاد. لا أشجار إصطناعية ضخمة هنا تتزين، ولا ساحات مبهرة بالأنوار، ولا حتى إحتفالات ومعارض وكيرمس الميلاد وبابا نويل ذاك، الذي بقينا عمرًا عاتبون عليه بأنه إمتياز خاص لأهل المدينة.

في ساحة الضيعة مغارة متواضعة عميقة حنونة خلابة من حواضر الطبيعة، مغارة حيطانها من خشب الأشجار، مشقوع فوقها الجنفيص للإيحاء بلون الجرد، وكم حجر دبش من بساتين الضيعة وحدائقها، أغصان سنديان وجوز، وشقعة حطب على الجوانب وموقدة مفترضة وجلول مزروعة بالقمح، وأغصان عارية مرشوشة بالقطن والثلج الإصطناعي هناك وهناك للإيحاء بأن الإسطبل مزنّر بغابة والتلج نازل بالدني تجريح، ورشّة كثيفة من نشارة الخشب للإيحاء بأنها التبن الطري الذي نام فوقه يسوع، ومن حوله العذراء مريم ومار يوسف والمجوس والرعيان، وكم بقرة وغنمة وحمار، وشوية تفاصيل إضافية ليكتمل المشهد، وأضواء مستمدة من إنارة البلدية، تُضاء معها ومعها تنطفئ. إنها مغارة من حلم، وليس أقل، ومعها نصنع مقاومتنا الصغيرة الكبيرة لمنظومة اليأس المحتلة أرضنا.

غصبًا عنهم نعلّق الزينة في الساحات والبيوت ونجود بالموجود. غصبًا عنهم نزيّن بيوتنا ونزرع نجومنا على الطرقات والمفارق، لنعلن أن العيد آتٍ، وأن الحياة لن تموت طالما نحن في المقاومة. في الزينة نعلن الحياة، وفي ممارسة طقوس العيد نعلن المقاومة. ليلة الميلاد تزهر الأرض، ومعها تزهر تقاليدنا الحلوة التي سنبقى نمارسها وصرنا أكثر عنادا وتصميما لتعزيزها، لنعلن النصر على إرهاب المحتل الذي يريد تغيير وجه لبنان وهويته. غصبًا عنهم وعن الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضوها علينا، تصنع نساء الرعية المغلي، ويوزعنه على الناس ونأكلها ليلة العيد بعد قداس منتصف الليل. أكيد نذهب الى القداس وتقرع أجراسنا عاليًا عاليًا وتتنادى القرى في ما بينها عبر طنطنة الأجراس تلك لتعلن للعالم كله، أننا هنا نحتفل بميلاد يسوع، ميلاد أكبر ثائر في التاريخ، أعظم إله شهيد في تاريخ البشرية.

تغيّرت إحتفالاتنا، صارت كأنها رسالة حياة مباشرة موجهة الى أساطين الموت. تغيّرت مفاهيم مقاومتنا، صارت أعمق أجمل لأنها موجهة صوب الإيمان بمحبة اكبر وبخوف أكبر بكثير. صرنا نخاف لأن حناننا على وطننا يزيد. مع الحنان الخوف يقول الرحابنة، صرنا نحب أرضنا أكثر ونخاف عليها أكثر فنهرع الى ممارسة تقاليدنا وطقوسنا كي لا تضيع منا ذاكرة الأيام ويروح التراث فراطة تحت همجية أقدام الإحتلال. هذه مقاومة. الفرح مقاومة. الدعوة الى الفرح ونقل عدواها مقاومة. سنفرح يسوع، قرانا مدننا ساحات ضوء مع ميلادك ربي. نحن أبناء الرجاء وهم يعيشون للموت. سنهزمهم بالحياة. أصلاً هزمناهم وخلصنا. مقاومتنا لليأس أكبر هزيمة لهم. إنكسروا بعنادنا، إنكسروا باصرارنا على الحياة.

في ساحة ضيعتي أقف وحيدة أمام المغارة التي تزيّن ساحة البيدر. لا لست لوحدي. دقائق وامتلأت الساحة، صقيع لكن الدفء غامر للقلوب، دفء يفوق حرارة الموقدة التي أشعلها الشباب لنتحلّق من حولها ونشرب كأس الفرح بميلاد المخلص يسوع… كأس وطني يا الله.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل