.jpg)
وعلى الرغم من إصرار عون في الآونة الأخيرة، على أن آخر سنة من عهده ستكلَّل بالإصلاحات الفعلية، لكن سبق له أن بشَّر اللبنانيين نهاية العام الماضي بدخولهم “جهنم”. فالشعارات البرّاقة التي يحاول القصر الرئاسي ترويجها لن تخرج “شعب لبنان العظيم”، لا من الانهيار التام في القطاعات كافة، ولا من القبضة الإيرانية ونفوذ حليفه حزب الله، لأن من أدخل لبنان إلى “الجحيم” الإيراني وحنى رأسه لسلاح الدويلة لن يستطيع القيام بالإصلاحات المرجوّة.
واللافت أن العام 2021، السنة ما قبل الأخيرة من ولاية عون، شهدت أزمات مالية واقتصادية غير مسبوقة، لا في عهده ولا في تاريخ لبنان!
تصريف وتأليف وموت سريري
استهل لبنان العام 2021 بحكومة تصريف أعمال برئاسة حسان دياب، ورئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، الذي ظلّ يتأرجح بين بعبدا والسراي ليخرج بتشكيلة حكومية ترضي التيار العوني. وعلى الرغم من المحاولات والزيارات المكثّفة والإصرار الدولي على تشكيل حكومة، اعتذر الحريري في 17 تموز، أي بعد نحو 9 أشهر، متهماً عون بوضع العراقيل، وأن “لديه خبرة طويلة في تعطيل التشكيل الحكومي وتأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية، بالإضافة الى أنه لا يزال يتشبث بالثلث المعطل، وحزبه لم يكن ليمنح الثقة للحكومة”.
وبعد 13 شهراً من استقالة حكومة دياب وحوالي شهرين من اعتذار الحريري، تشكلت حكومة برئاسة نجيب ميقاتي في 10 أيلول 2021، وما إن وُلدت حتى ماتت سريرياً، على يد الثنائي الشيعي الذي يقايض رأس المحقق العدلي بانفجار بيروت القاضي طارق بيطار بإنعاشها.
خسائر مالية وليرة منهارة
على الصعيد المالي، يقدَّر حجم الخسائر بنحو 69 مليار دولار، فيما تشير مؤسسات مالية دولية الى أن الخسائر تخطّت الـ82 مليار دولار. كما تَلفت بيانات الإدارة المركزية للإحصاء التابعة للحكومة اللبنانية، إلى أن معدل التضخم السنوي في لبنان بلغ 173.57٪ في تشرين الأول 2021. وتشير بيانات رسمية إلى أن الدين العام سيتخطّى حاجز الـ100 مليار دولار مع غياب الإصلاحات، ناهيك عن تراجع ميزان المدفوعات واحتياطي لبنان من النقد الأجنبي واحتياطي المصرف المركزي، بالإضافة الى انهيار الليرة اللبنانية المستمرّ، وهبوطها الى مستويات قياسية لتخسر أكثر من 90% من قيمتها.
مفاوضات “الصندوق”: “راوح مكانك”
لا شك بأن مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي تراوح مكانها منذ العام 2020، خصوصاً بعد تخلّف البلاد عن تسديد دفعة مستحقة من ديون الدولة الخارجية بسندات “اليوروبوند”، البالغة نحو 39 مليار دولار.
وعلى الرغم من عقد 17 جلسة بين حكومة دياب وصندوق النقد، عُلّقت المفاوضات نتيجة عدم استيفاء الشروط التي وضعها الصندوق، وهي تقديم تقديرات موحَّدة للخسائر المالية، وإقرار خطة إصلاح شاملة وتوحيد سعر الصرف.
ومع استئناف المفاوضات مجدداً، يعلّق اللبنانيون آمالهم على المساعدات التي سيقدّمها “الصندوق”، في حال نجاحها، مع لجنة التفاوض الحالية.
عام التعميمات
وفي السياق، دخل مصرف لبنان العام 2021، في جملة قرارات وتعميمات متتالية للسيطرة على انفلات سعر صرف الدولار في السوق السوداء، مثل سحب الليرات من السوق وضخ الدولارات بالمقابل، أو تزويد البنوك بالدولارات عبر منصة “صيرفة” لتتمكن من صرف مبالغ بالدولار لأصحاب الودائع بدلاً من صرفها بالليرة. غير أن التعاميم الصادرة عن المركزي لم تستطع كبح جموح الدولار والحدّ من تأثيرات الانهيار الاقتصادي، بل إن معظمها أربكت المودعين والعملاء.
طوابير “الجحيم”
وألقى شبح الأزمة المالية خلال “العهد القوي” ظلاله على كل مفاصل الدولة، بدءً من احتجاز المصارف لأموال المودعين، مروراً بفقدان المحروقات، والسلع الغذائية الرئيسية، والأدوية، وحليب الأطفال والمستلزمات الطيبة، وصولاً الى بنوك مهددة بالإفلاس، وصيدليات مُقفلة، ومستشفيات بلا كهرباء، وثلاجات فارغة في منازل اللبنانيين.
وتضاعفت أسعار بعض السلع لأكثر من 500% خلال العام 2021. وعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار اللحوم لأكثر من 110%، وسعر ربطة الخبز بنسبة تتخطّى الـ91%، بالإضافة الى ارتفاع أسعار المحروقات لأكثر من 66%، ليصبح راتب المواطن الذي تتآكل قدرته الشرائية مع تدني الحد الأدنى للأجور حوالي 20 دولاراً، موازياً لثمن صفيحتي بنزين تقريباً.
وشهد عام “الجحيم” طوابير ذلّ غير مسبوقة، تهافتاً لشراء البنزين والخبز والأدوية، في ظل رفع الحكومة، التي أصرّ عون على تأليفها بمن فيها، الدعم تدريجياً عن السلع الأساسية، ناهيك عن الحوادث الأمنية التي وقعت إثرها، من إطلاق نار على محطات المحروقات الى إحراق بعضها والتعرض لأصحابها، والعديد من حالات الإغماء والانتحار نتيجة الانتظار لساعات طويلة خلال الصيف.
لبنان غارق بالظلام
ولم تسلم الكهرباء من التداعيات المالية، إذ ارتفعت ساعات التقنين لتتخطى الـ22 ساعة يومياً، نتيجة نفاد الفيول التدريجي في مؤسسة كهرباء لبنان، والارتفاع الجنوني لكلفة الاشتراك بالمولدات الخاصة وأسعار المازوت.
وإثر شح الوقود، وسرقة معظم الأسلاك الكهربائية لمحطات تابعة لكهرباء لبنان، انقطعت خدمات الاتصال والانترنت في معظم المناطق، لتهدد مستقبل مئات آلاف الطلاب الذين يكملون تعليمهم عن بعد. كما ألقى شبح الكهرباء بظلاله على قطاع المياه، مع ارتفاع كلفة ضخ المياه إلى البيوت.
ارتفاع هستيري للرعاية الصحية
وفي ظل العتمة الاقتصادية، تدهور النظام الصحي مع الارتفاع الهستيري لتكاليف الرعاية الصحية، وغياب المستلزمات الطبية الطارئة. بالإضافة إلى ارتفاع أعداد الإصابات بـ”كورونا” التي “زادت الطين بلّة” على المستشفيات، جرّاء إخفاق الدولة بالتصدّي للوباء.
الانزلاق الى فقر مدقع
وفي سياق متّصل، يلفت تقرير حديث للبنك الدولي (صادر في 1 كانون الأول 2021) إلى توسع هائل في حزام الفقر في لبنان، ليضم فئات جديدة تبلغ نحو 2.3 مليون نسمة من المقيمين. كما يشير تقييم لـ”الإسكوا” إلى أن معدّل الفقر في لبنان تضاعف من 42% في العام 2019 إلى 82% من إجمالي السكان في العام 2021.
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدوليّة ووزارة العمل، وصل معدل البطالة في لبنان إلى 37% في العام 2021. مع إقفال عدد كبير من المؤسسات والشركات وتسريحها لعمّالها. في حين يوضح تقرير لـ”اليونيسف” صدر في 17 كانون الأول 2021، أن مليون طفل على الأقل معرضون للعنف، أي أكثر من 80% من الأطفال في لبنان.
“يروحوا يهاجروا”
وأثار الرئيس عون جدلاً واسعاً، بعد تصريحات أدلى بها حول الأزمة واحتجاجات 17 تشرين الأول العام 2019، حين قال، “إذا ما في عندن أوادم بهالدولة يروحوا يهاجروا”، لأنه أكد عجزه عن معالجة الأزمات وفشله ببناء جسر حوار مع الشعب اللبناني. لكن اللافت أن أعداد المهاجرين بلغت نحو 78 ألفاً في العام 2021، في حين ارتفع عدد المتقدمين للحصول على جواز سفر يومياً إلى 8 آلاف جواز، بحسب المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم.
ولم يستثنِ شبح الهجرة الأطباء، والمعلّمين، والمهندسين، والمحامين، والمتخصصين من مختلف القطاعات، بل تحوّل الى رحلة موت بقوارب غير شرعية للهروب عبر البحر. وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسميّة دقيقة لعدد الأشخاص الذين غادروا لبنان عن طريق الهجرة غير الشرعية، تشير بيانات “وكالة الأناضول” الى أنه يُسجل كلّ شهر توقيف مركب أو اثنين.
“الأمن” بخطر
ووصلت الأزمة الاقتصادية إلى صفوف الأجهزة الأمنية أيضاً، إذ تم إلغاء اللحوم من وجبات الطعام المقدمة للجيش اللبناني الصيف الماضي، في حين تواجه المؤسسة العسكرية صعوبة كبيرة بدفع رواتب الجنود، وحالات فرار غير مسبوقة. واللافت أن أغلبية زيارات قائد الجيش العماد جوزف عون على عدد من الدول، هدفها صمود المؤسسة العسكرية، وتأمين الغذاء والطبابة والنقل.
لبنان قنبلة موقوتة
وفي ظل الخوف من انهيار المؤسسة العسكرية، لوحظ تفلّت أمني غير مسبوق هذا العام، إذ ارتفعت جرائم السرقة بنسبة 137% وجرائم سرقة السيارات بنسبة 30.5%، وشكّلت الفئات الشابة النسبة الكبيرة من عصابات السرقة والقتل، خصوصاً أن أغلبيتهم يتعاطون المخدرات، وفقاً للشركة الدولية للمعلومات.
كما أصبحت حياة اللبنانيين “شبه رخيصة” مع تفلّت السلاح والرصاص الطائش والانفجارات الأمنية، من خزان الوقود ببلدة التليل في عكار إلى مخزن الأسلحة المنفجر تحت أحد المساجد في مخيم البرج الشمالي في مدينة صور.
غزوة عين الرمانة
وتحت قناع “المقاومة” والاحتجاج السلمي، قام الثنائي الشيعي بغزوة عين الرمانة، وافتعل “ميني 7 أيار”، في محاولة منه للضغط على حزب اللقوات اللبنانية، وترهيب السكان بسلاح غير شرعي.
الإساءة الى الدول الشقيقة
قاطعت الدول الخليجية لبنان دبلوماسياً هذا العام، ما يعتبر سابقة خطيرة في تاريخ البلد وعلاقاته مع الدول الشقيقة وحضنه العربي، خصوصاً مع الجنوح لقرارات إيران وتزايد دور حزب الله الحليف الرئيسي لعون، بالإضافة إلى الإساءة لدول الخليج بشتّى الطرق.
وأبرزها، تصدير حبوب الـ”كبتاغون” مخبأة في صناديق الرمان إلى السعودية، ما أدى الى تعليق الرياض عمليات الاستيراد من بيروت. يليها تصريحات وزير الخارجية السابق شربل وهبة، المحسوب على فريق عون، والذي اعتبر أن الدول الخليجية وشعبها “البدو”، بحسب تعبيره، أتت بـ”داعش” والتنظيمات الإرهابية الى لبنان.
ثم وقعت الضربة القاضية على العلاقات اللبنانية الخليجية، مع تصريحات وزير الإعلام السابق جورج قرداحي، المنتمي لمحور الممانعة والمعيَّن من حصة تيار المردة، والتي انتقد فيها التحالف العسكري الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ما اعتبرته الرياض النقطة التي طفح معها الكيل، فاستدعت سفيرها في بيروت، وأمهلت السفير اللبناني لدى الرياض 48 ساعة لمغادرة البلاد. وتضامناً مع السعودية ورفض الاساءة لها، عبَّرت دول مجلس التعاون الخليجي عن استيائها واستنكارها من تصريحات قرداحي، واستدعت كل من الإمارات والبحرين والكويت واليمن سفيرها في بيروت.
وأخيراً، عقدت جمعية الوفاق البحرينية المعارضة للمملكة مؤتمراً صحفياً لها في لبنان بغطاء ودعم من حزب الله، كاد أن يسبب أزمة دبلوماسية بغنى عنها مع مملكة البحرين، بعد استنكارها لاستضافة بيروت لمؤتمر يسيء إليها.
وأرخت المقاطعة السعودية ثقلاً كبيراً على الاقتصاد اللبناني، إذ قُدّرت الخسائر بمئات ملايين الدولارات، خصوصاً مع تعليق الرياض عمليات الاستيراد من لبنان، لأنه شكّل ضربة قاضية للقطاع الصناعي والزراعي، بالإضافة إلى شلل القطاع السياحي، المحرك الأساسي للاقتصاد اللبناني والذي يعتمد على السائح الخليجي.
لبنان محطة للموفدين الدوليين
وتحوّلت بيروت بشكل واضح في العام 2021، إلى مقصد للوفود الدولية والأممية التي أتت بمعظمها لبحث سبل مساعدة لبنان، لكن أيضاً بطبيعة الحال خدمة لمصالحها لا لمصلحة الشعب اللبناني فقط. وعلى الرغم من زحمة العروضات والتشديد على تقديم الدعم، لم يُسجل عمل جدي أو واضح لغاية الساعة. ويمكن اختصار محور الزيارات الدولية برسالة واضحة وكلمات معدودة، “ساعدوا أنفسكم كي نساعدكم”.
فشل تطيير الانتخابات
فشل التيار الوطني الحر بمحاولة إبعاد المغتربين عن الانتخابات النيابية المقبلة، إذ خرج المجلس الدستوري بـ”لا قرار” في ملف الطعن المقدم من “التيار” بقانون الانتخابات، لتبقى التعديلات التي أقرَّها البرلمان سارية المفعول كما صدرت.
نحو الدولة البوليسية
ويضاف الى لائحة إنجازات “العهد العوني”، تراجع لبنان الى المرتبة 107 على سلّم الحريات، بعدما كان في المرتبة 98/180 في العام الذي تسلم فيها عون سدة الرئاسة. وتدهورت حرية التعبير الإعلامية، إذ استقبل لبنان العام 2021 بعودة سيناريو الترهيب والاغتيالات، مع مقتل المصوّر جو بجاني بوضح النهار قبل أيام على بداية العام، والناشط السياسي لقمان سليم المعروف بانتقاده الشديد لحزب الله.
واللافت أن السلطات السياسية، بدلاً من أن تركّز على التدهور المالي والاقتصادي، باتت تصبّ جهودها على ملاحقة صحافيين وناشطين وحقوقيين بتهم “التحقير”، والإساءة الى “فخامة الرئيس”، إذ سُجل هذا العام أكثر من 71 انتهاكاً لحريّة التعبير في لبنان كما حريّة الصحافة، بحسب مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية “سكايز”.
التدقيق الجنائي
هذا الملف أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش، لأن جماعات عدة استفادت من مزاريب الفساد بالتواطؤ مع مصرف لبنان. كما أن العجز عن الاستمرار بالتدقيق الجنائي، بسبب المكاسب الانتخابية أو المقايضات السياسية لإرضاء “الصهر”، أدى الى ضياع أموال اللبنانيين وإفلاس البلد ليصل الى قعر “جهنم”.
“الترسيم” مقابل رفع العقوبات
وتحولت ملفات ترسيم الحدود مع إسرائيل على طاولة الرئيس عون إلى ورقة مقايضة سياسية يستعملها لتفتح لباسيل، الذي أدرج على لائحة العقوبات الأميركية، طريق التفاوض مع ادارة الرئيس جو بايدن. فيما تبقى حدود لبنان مشرعة ومغتصبة “لعيون الصهر”.
الكابيتال بلا “كونترول”
كما لم يبصر قانون “الكابيتال كونترول” النور لغاية اليوم، بعد أكثر من عامين على اندلاع الأزمة الاقتصادية، على الرغم من وجوب صدوره فور وقوع الانهيار لمنع خروج وتهريب مليارات الدولارات من البلاد ولحماية المودعين.
بطاقة تموينية ـ انتخابية
ومع تخبط الحكومات المتعاقبة وسياساتها العشوائية في رفع الدعم، طُرح موضوع البطاقة التموينية تمهيداً للانهيار الكبير وزيادة معدلات التضخم، لأن الـ137 دولاراً للعائلة الواحدة بظل الانهيار القياسي لليرة اللبنانية لا يعتبر مبلغاً كافياً لسدّ أدنى حاجاتها الأساسية، ناهيك عن خشية البعض من أن تتحول الى بطاقة حزبية قبيل الانتخابات، أو أن تتوزع بحسب المحصصات.
بنهاية العهد… النفايات الى الواجهة
وعلى مشارف انتهاء السنة ما قبل الأخيرة من عهد عون، يقفل العام 2021 على روائح النفايات في معظم المناطق اللبنانية، مع توقف شركتي “سيتي بلو” و”رامكو” عن جمعها في مناطق عدة، نتيجة عدم تسوية العقود مع مجلس الإنماء والإعمار، وارتفاع كلفة اليد العاملة والكلفة التشغيلية لهذه الشركات على وقع الانهيار الاقتصادي.
