.jpg)
في العرف السياسي اللبناني المتوارث مع تبدّل العهود، قبل اتفاق الطائف وبعده، أن السياسة الخارجية تحظى بمظلّة رئيس الجمهورية ورعايته، ويتمّ غالباً تعيين وزير الخارجية الذي يسمّيه، أو يزكّيه، أو بموافقة منه على الأقل.
في الحكومة الراهنة تمّ تعيين وزير خارجية من بطانة الرئيس وحلقته الاستشارية الضيقة،
لكنّ السياسة الخارجية (في حال وجودها البائس) أفلتت أو تكاد من كنف الرئاسة الأُولى، وأصبحت من محميّات الرئاسة الثالثة.
وهناك دلائل كثيرة تُثبت هذا التفلّت، منها التنسيق المباشر بين الوزير ورئيس الحكومة في المواقف الخارجية، خصوصاً في بيانات استنكار “الاعتداءات الارهابية” (الحوثية) على المملكة العربية السعودية، وتمكّن الرئيس ميقاتي من ضبط فلتات لسان الوزير بو حبيب ودوزنة تصريحاته.
والبرهان الأقوى والأقسى، والمثير للأسف، ما حصل بين خطاب عون وخطاب ميقاتي، فقد غيّب الأول بنداً مركزياً من بنود الحوار الوطني الثلاثة التي حدّدها، وهو بند تصويب السياسة الخارجية وتحريرها من المحور الإيراني لوقف الاعتداءات التي يقوم بها “حزب اللّه” ضد المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، فبادر الثاني (ميقاتي) إلى سدّ هذه الثغرة في جدول الحوار المقترح، وسجّل هدفاً في مرمى الرئاسة الأُولى التي ترعى تقليديّاً السياسة الخارجية.
وقد ظهر أن اكتفاء عون ب”نكزة” خجولة وغير مباشرة ل”حزب اللّه” في تدخّله ضد السعودية والخليج، وإغفاله تصحيح السياسة الخارجية وإدراجها بنداً أساسياً وسيادياً في الحوار الوطني، أفسحا في المجال للقضم من صلاحياته عبر مسارعة ميقاتي إلى تعويض هذا النقص.
وهنا، تبيّن أن التباكي على الصلاحيات لا يقترن بحمايتها والحفاظ عليها إذا كانت تُغضِب حليفه الدائم، أو تُثير حفيظته.
وبذلك، خسر رئيس الجمهورية، عمداً أو سهواً، إحدى أهم الصلاحيات.
والأرجح أنّ مستشاريه تعمّدوا إغفال هذه المسألة الجوهرية من باب استرضاء الشريك في “التفاهم” الدهري، مع اقتراب الاستحقاقَين النيابي والرئاسي.
مع العلم أن طرح السياسة الخارجية يتلازم حكماً مع طرح الاستراتيجية الدفاعية، ويتكاملان في السيادة، لأن امتلاك الدولة قرارها في السياسة الخارجية يشكّل جزءاً لا يتجزأ من امتلاكها الاستراتيجية الوطنية الدفاعية وقرار الحرب والسلم.
فرصة ثمينة فوّتتها رئاسة الجمهورية ومستشاروها، لم تكن الأُولى وقد لا تكون الأخيرة. ومن يدري ما إذا كان هناك وقت لتعويضها في ما تبقّى من عمر “العهد”، أو خلال ما تُسمّى في أميركا مرحلة “البطة العرجاء” في الشهور الأخيرة من نهاية ولاية الرئيس.