نريد الثورة… وليس البكاء على الأطلال

إنّ كشف الحساب الذي قدّمته الثورة، عندنا، بعد الأهازيج، أظهر، وللأسف، خيبة أمل عارمة لدى الذين حلموا بالتّغيير، فاستفاقوا على وعود غير مترجمة. والصّدمة كانت عندما اكتشف الناس، وأكثرهم ملأ السّاحات على مدى أسابيع، أنّ أهدافاً مشبوهةً لاحت في ثنايا الحراك، من داخل ومن خارج، أجهضت اندفاع المقهورين بالظّلم، والجوع، والإفلاس، وتحويل الوطن ركاماً. وبالتالي، ساد السؤال: هل كانت الثورة، حقّاً، دعماً للحرية، وتحقيقاً لطمأنينة الأجيال الى غدها، وتقويضاً لسلطة مجرمة أتى سلوكها العقيم على الحجر والبشر؟؟؟

الثّورة، في القاموس السياسي، هي اندفاع شعبي موقّع الخطوات، وصولاً الى هدف محدّد هو إحلال حيثيّة جديدة في مكان حيثيّة قائمة، بمعنى إعادة بناء الدولة بإحداث تبديل في بنيتها. وقد طوّر المفكّرون الإستراتيجيّون مفهومها، فاعتبروها علم تغيير المجتمع كونها حدثاً يحوّر مجرى حياة الناس، فما بعد الثورة هو، حتماً، غير ما قبلها. ورآها بعض السوسيولوجيّين حالةً من إعادة التوازن في علاقات الحاكم والمحكوم، لا بدّ من حصولها لرفع الطّغيان، وسائر أشكال التسلّط، وقمع الحريّات، وبالتالي، ليست الثورة، كما زعم البعض، انحرافاً وجهداً ضائعاً.

لمّا كان المنهج الغالب في الثّورات هو المواجهة التي لا تبنى على مقولة أنّ طول السّلامة اعتدال، ولمّا كان في كلّ أكلة غصص، فلا موقف في الثّورة فاتر، فهي لا تقبّل تفّاح خدّ أحد، ولا تذوب كمداً إذا وجّهت الى اللّيونة، ولم تمتثلْ. فالمدار الذي تقحم فيه الثّورة نفسها، مدار الحريّة وكرامة الإنسان، هو عسير، شائق، تنوء به عزائم الآحاد، ففاتحته وطّأت الواقع المضني على الحراك، ودونت أصول الأهداف التي ترمي الى بلوغها، ولو اعتبرها المتردّدون تحرج، لأنها من غير ما يألفون.

الثورة، في أسلوبها، تنحت الحزم، ولو اصطكّت لها بعض الرّكب، فهي متأهّبة، دوماً، لمقابلة المرتابين في قيمة مذهبها، والذين يرون في قواعدها إلحاداً في استقامة الواقع. ولمّا كان نهش الوطن مؤامرةً مستمرّة، عملت الثورة على تبويب الانتماء بأدلجة الولاء، وبحماسة لا يخالطها إسفاف أو زيْغ، فلبنان، معها، حالة يقينيّة، وخلاصة أساطير الأوّلين، وندوة ملاحم العزّة، لأنّها قريبته بالدمّ، والعهد، والإلفة.

كثيراً ما يتمّ التّلاقح، بالثّورة، بين العين والمخرز، فالعين التي تستهوي المواجهة ينبغي اعتبارها النّواة الأولى التي يدين لها قيام الثورة، واللّاعب الأساسي في سلسلة معارك النّضال الطويل. وقد أهدت هذه العين انتصارات غير ضحلة، ومن دون مرتزقة، لحراك كشف عورات الذين يدّعون المسؤولية، وهم نكرات، وكبح شهوات منْ دخلوا، زوراً، الى ملاك الوطن. هذه العين التي كانت جريئةً، وجامحةً لا يقوى على تكاليفها سوى الأبطال، تعرّضت لانتكاسات وخيمة، واهتزازات خطيرة، وأجبرت على الانكفاء، فخفت وهجها، ما ترك السّاحة لمن استباحها من مدعي الالتزام بالقضيّة، وهم منها براء.

إنّ البكاء على أطلال الثورة، بقدر ما هو حالة وجدانيّة تعني التذكّر والحسرة، بقدر ما هو انهزام سافر أنشب مخالبه القاتلة في اندفاع جفّ حلقه، فتهالك ولم يكمل الطّريق متمرّداً على خيبته. وهذا يعني، تماماً، استمرار المعاناة، وجفاف الأمل بالقدرة على التّغيير، وضياع الوعد بالأفضل. في هذا الوضع، تكمن الخطورة في إلقاء اللّوم على ” الآخر “، وعلى جفوة الحظّ، لتكون الخسارة بدون تعويض. لا، إنّ الانسحاب من المسؤوليّة يثبت أنّ الثورة فاسدة الهواء، وأنّ مدعي الثّورة لم يقدّموا لها نبضات إنعاش لتستعيد نفسها الجهير، وهم تعاطفوا في السّكوت عن البرابرة الذين استحضروا الجحيم الى الوطن، وبهذا، لم يعد العزّ، معهم، هويّته لبنانيّة. ومهما يكن اعتبار توصيف الثورة واهياً، ومشوّهاً، فالأكيد الذي لا يحمل الجدل، هو أنّ الثّورة التي تتمّ حسب إيقاع واع منظم، وتطرح مبادئ فكريّةً وبغير ارتجال، هي رحلة يعجق العنفوان، معها، ويصفّق، وليست، أبداً، ثورةً للثورة تصل بالناس الى نقطة الصّفر.

هنالك قائد افتتح، بتمرّده، متاحف للثورة، وهنالك من تبعوه، وهم كثر، وهذا يضمن أنّ نسل هذا القائد الثّائر لا يبور.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل