ولد المسيح…. فلتقرع أجراس الفرح

كتبت أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1724

من قلب المعاناة والفقر والإضطهاد والهجرة القسرية

ولد المسيح…. فلتقرع أجراس الفرح

عندما وُلد يسوع في بيت لحم، كانت فينيقيا كوطن للفينيقيين الكنعانيين تمتد من حدود الجليل، ومن أبرز مدنه الناصرة التي يُنسب إليها، إلى شمال الساحل السوري، وعمقا إلى البقاع والسلسلة الشرقية. وصحيح أنها كانت تخضع للإمبراطورية الرومانية، ولم تكن دولة قائمة بذاتها، لكن مدنها احتفظت بشيء من الإستقلال الذاتي وخصوصيات معينة، لا سيما وأن الرومان عرفوا كيف يستوعبون الشعوب على اختلافها ويديرون التنوّع طالما أنه لا يهدد هيمنتهم، بل إن أكثر من إمبراطور كان من أصول فينيقية.

زار السيد المسيح صور وصيدا حيث شفى المرأة الكنعانية، واتخذ الرسول بولس من صيدا وصور منطلقاً لرحلاته التبشيرية إلى آسيا الصغرى واليونان وروما، وعبر الأراضي الفينيقية براً نحو إنطاكيا وسائر المدن في أناتوليا.

كما أن الكتاب المقدس منح مكانة خاصة للبنان كوقف للرب على الأرض وورد اسمه في العهد القديم أكثر من سبعين مرة. وفي ضوء ما تقدم، لا بد من التأكيد على أهمية وعي خطورة الذاكرة اللبنانية بمختلف نواحيها وغناها الروحي، لا سيما وأن لبنان كان في مقدمة البلدان التي آمن أهلها بالمسيح بعد باكورة المؤمنين به من اليهود.

هذا التمايز هو من الأسباب التي تجعل لبنان فريدًا بين سواه من دول المنطقة، ويؤكد على أهميته وطناً للتنوّع والتفاعل. ولعل عيد الميلاد المجيد بما يعنيه من تجسد إلهي يربط الخليقة بخالقها، ومن سلام في الأرض ومن مسرّة في الناس، هو العيد الذي يشبه لبنان في الكثير من الوجوه، وربما هذا سر إحتفال اللبنانيين به وبرأس السنة الميلادية، بمعزل عن اختلافهم الديني والطائفي، مع العلم أن القرآن الكريم ينوّه بالميلاد العجيب للمسيح، وقد حبلت به مريم من دون أن يمسّها أحد.

و»القوات اللبنانية» بأمانتها للتاريخ والإيمان وفرادة لبنان الأرض والوطن، وجدت دائمًا في عيد الميلاد المجيد محطة شديدة التعبير لما يعنيه تجسد الرب من محبة خالصة واتضاع وفقر وولادة قيصرية، إن جاز التعبير، في الزمان والمكان، وسط اضطهاد هيرودس للأطفال الذين أمر بقتلهم بعدما خشي على مُلكه من «ملك اليهود» الذي جاء المجوس من المشرق ليسجدوا له، علما أن يوسف اضطُر للهجرة إلى مصر لحماية الطفل الإلهي من سيف هيرودس، بعيد ولادته في مغارة متخذة إسطبلاً للحيوانات الأليفة.

فالظروف التي رافقت ولادة المسيح، تشبه في نواحٍ ولادة «القوات اللبنانية» في ظل الاضطهاد والموت والتهجير. على أن الاحتفال بالميلاد خلال الحرب كان أشبه بفعل إصرار على الولادة الدائمة وعلى تجدد الحياة وعلى الإيمان بالخلاص. وهذا ما دأبت عيه القوات في الثكنات وعلى الجبهات وفي الطرقات والمدن والبلدات، فميلاد يسوع كان أيضا مدعاة رجاء لكل مناضل، فيحتفل به بتعلق شديد، لاسيما وأنه يمثل محطة حب وعطف إلهي وسط تحديات الموت والأخطار المحدقة.

وكثيرًا ما كان المقاتلون يحرصون على الصلاة بعيدًا من الأضواء، فيقصدون الكنائس الصغيرة ويسجدون ويركعون طويلاً، متمنطقين أحيانا سلاحهم الفردي خشية أي غدر، وكم كانت حماستهم كبيرة لقرع الأجراس لا سيما في القرى الواقعة على خطوط التماس والجبهات علامة الصمود والتمسك بالأرض والإيمان.

وليس أصعب على المقاتل من أن يحتفي بالميلاد بعيدًا عن الأهل والأبناء والأحبة لا سيما وأن الميلاد هو المناسبة الأبرز لجمع العائلة، فكان التعويض بتضامن العائلة الكبرى في لحظات فرح كأنها تُسرق خلسة.

وأذكر في ما أذكر، وكنت مسؤولاً فتيّاً في الحركة الرسولية المريمية في حارة صخر ألتقي مع بعض الإخوة خادم الرعية أبونا يوسف، وكان جليلاً متقدمًا في السن وبالغ الطيبة، عشية العيد لنعدّ خدمة القداس، كيف وصلت مجموعة من الشباب ببذاتهم الزيتية، إذ قرعوا الباب ودخلوا بمزيج من الخفر والتهيّب، وبعد التحية طلبوا من «الأبونا» أن يباركهم قبل انتقالهم إلى إحدى الجبهات كي يتيحوا لرفاق لهم العودة إلى عائلاتهم، فركعوا وصلّوا وحاول بعضهم تقبيل يده عبثاً.

وكان الشباب في جونية غالبا ما يتوجهون للخدمة في الأسواق التجارية في العاصمة أو في جرود عيون السيمان، وفي الجبل خلال حرب الجبل.

وإذاعة لبنان الحر التي تمثل جزءاً غالياً من حياتي العملية، وبما أنها كانت تتوسط ثكنات عدة أقربها ثكنة ال77،  كثيرًا ما كان الرفاق في القوات يقصدونها زمن الميلاد وليلة الميلاد، ولو لبعض الوقت للمعايدة، حاملين الـ Buches de Noel ومعظمهم من الضباط الذين عقدنا معهم صداقات، وكان بعضهم يعرض نفسه للمساعدة خلال ساعات القصف على ساحل كسروان وانقطاع المواد الغذائية نتيجة إضطرار كثيرين للبقاء في الإذاعة أيامًا عدة أحياناً.

وليس أجمل من الإحتفال بقداديس الميلاد في منتصف الليل ونهار العيد في أكثر من ثكنة كانت تستظل ديراً أو تتحول إحدى قاعاتها كنيسة، فضلاً عن الجبهات، حيث كان كاهن صديق من إحدى الرهبانيات يفرح للإحتفال بالقداس في أكثر من جبهة ، إذ كان يعتبر نفسه من المناضلين، ويحمل القربان والكأس معه في علبة ويحرص على الركوع على الأرض خلال القداس، وقد اختاره الرب إلى جواره وهو في عز شبابه بعدما عانى قلبه المرض.

وفي الإذاعة، كنا دائمًا في مقدمات النشرات الإخبارية يوم الميلاد نتمنى ولادة لبنان الجديد على غرار ولادة السيد المسيح، ومرت الأيام حربًا وسلمًا أهليًا مفخخاً ووصاية أصيلة وبديلة واستمرت الأمنية ذاتها، حتى طلبتُ ذات مرة من الزملاء أن يتخلوا عن هذه «الكليشيه»، وحرصت على تغيير الصيغة والمضمون، بالتأكيد أن الرب لا يخلف بمواعيده لبني البشر شرط ألا يخلف البشر بمواعيدهم له، لأن على اللبنانيين دورًا في ولادة لبنان الجديد بقرارهم وصمودهم وأصواتهم في صناديق الإقتراع.

اليوم، «القوات اللبنانية» هي الأشد حرصًا على ولادة لبنان الجديد وبإرادة أبنائه، ومن قلب المعاناة والفقر والإضطهاد والهجرة القسرية تمامًا كما الظروف التي ولد فيها السيد المسيح، لأن الميلاد بشرى وفرح وأمل بالخلاص، وهذا مغزى حرص رئيس الحزب سمير جعجع على معايدة أكبر عدد من اللبنانيين والرفاق في الوطن والإنتشار، لا سيما من خلال بطاقات المعايدة التي تخلى عن اعتمادها كثيرون، وقد اختار هذا العام بعناية آية معبّرة جدًا من سفر أشعيا تربط بين انتظار مجيء الرب وما يفرضه هذا الإنتظار من إرادة صلبة وإيمان متجذر، «فيجدِّدون قوةً ويرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يُعيُون». هكذا هي القوات تسير في هدي الرب وتتقدم على رغم المصاعب والتجني والمسافات وأثقال النضال، لأن قوة القوات من قوة الإيمان بالله والقضية والحق.

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل