
ينقضي العام ومعه صفحات قاتمة قضّت مضاجع اللبنانيين في مأكلهم، مشربهم، صحتهم وراحة بالهم. السواد الأكبر تجلّى في ميدان القضاء حيث صُلِبَت العدالة على أيدي حراسها، فبات المُعتدى عليه مُعتقلاً خلف قضبان التظلّم وسرح المُعتدي تارة يُفاخر بالسّير على المنارة من دون وَجَل، وطوراً يتباهى بسلاحه المدرّع على أبواب عين الرمانة من دون ناموس.
من ملف جريمة المرفأ، بحيث تمترس الجاني بأنياب “حماة الفلتان” والدولة المقبوضة، إلى ملف غزوة عين الرمانة حيث سقط مفهوم الدولة مرة أولى مع مظاهر السلاح التي تعاطت معها أركان المنظومة وكأنها أمر عادي ومرة ثانية مع الاستنسابية والكيدية الضارية التي تعاطت بها المحكمة العسكرية أكان بقرارات التوقيف أو الادعاء أو حتى تأخير البت بطلبات الكف واخلاء السبيل.
يقبع شبّان عين الرمانة منذ شهرين ونصف الشهر في “الاعتقال” المجحف، الخالي من أيّ وجه عدالة، الطاعن بمبدأ محاسبة المعتدي وحماية المعتدى عليه، المتزنّر بالأحكام السياسية؛ نعم، هو اعتقال سياسيّ بامتياز، كيف لا ومنطقة عين الرمانة تلقّت هجوماً مسلّحاً مُثبّتاً بالصّوت والصورة، بشهادة كل مَن رأى وعاين، باعتراف جحافل المتوعّدين والمُهدّدين أنفسهم؛ اعتقال سياسيّ يأتمر من حزبٍ هدّد ونفّذ وجلس على كُرسي القضاء عوض جرّه خلف قضبان المحاسبة، هو وبوتقة حملة السلاح المتوسط والخفيف “على عينك يا وطن”!
اليوم، “عين الرمانة” بأهلها الوطنيين وناسها المقاومين، في الحاضر كما في الماضي، تحمل سِمات “الشّهيدة الحيّة” عن كل لبنان، شهيدة العدالة المسحوقة على أيدي رجالاتها المتآمرين، شهيدة الدولة الخاضعة لحكم قوة مسلّحة بفتاوى اللامنطق.
ما هو المطلوب يا ساسة الذمّيّة، يا قُضاة الخضوع، يا رُعاة المظلوميّة؟ أن يقف الشعب اللبناني لمعادلة الموت المحتّم وفق أهواء الحاكم المسلّح مُصفّقين؟ الاستمرار باعتقال شبّان عين الرمانة والابقاء على قرارات الادعاء على العشرات غيرهم والتمنّع عن ملاحقة وتوقيف مَن حمل السلاح وهجم به نحو المناطق الآمنة ورفض استدعاء مَن دعا لتظاهرة “الغزو المسلّح” هو قمّة انحطاط الدولة.
كان الهدف من تجريم مَن دافع عن نفسه وتأليه المُغتصِب، يُراد منه تطويع أهالي عين الرمانة ومن خلفهم كل اللبنانيين وفق معادلة “ممنوع المقاومة إلا لمَن أطاع ثوبنا”، فعلى الواهِم أن يستفيق من أوهامه ويقرأ جيداً في تاريخ آبائنا وأجدادنا، ويُدرك أنّ للمقاومة الحقة في هذه الأرض عنوان واحد لا يسقط لأنّه تحرّر من كل القيود منذ الأزل.
أمّا لرجال “العدل”، نصيحة بالاعتدال فلا حكم التاريخ يرحم ولا عدل الربّ يُهادِن؛ ولرجالاتنا المعتقلين شكراً، فلولاكم لظنّ هيرودس لبنان الدموي أنّه سحقنا جميعاً.
