#dfp #adsense

إيران بين خيارين: التعاون أو تدمير المنشآت النووية

حجم الخط

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1724

تتعثر المفاوضات في فيينا، بين الدول الكبرى زائد ألمانيا من جهة، وإيران من جهة أخرى، حول الأزمة النووية الإيرانية، وسط تباعد حول طريقة الدخول في المفاوضات لحلِّ الأزمة. فإيران تطالب بأن تُرفع عنها العقوبات الأميركية قبل الدخول في المباحثات، والدول الكبرى تطالب إيران بالعودة إلى تطبيق اتفاق عام 2015 قبل البحث في رفع العقوبات ؛ وفق صيغة «العربة قبل الحصان أم العكس». وهكذا يبدو أن المفاوضات تتجه نحو الفشل. ولكن كيف؟ ولماذا؟ وماذا سيحصل إذا فشلت؟

عندما تطالب إيران بوقف العقوبات الأميركية، إنما هي تهدف من وراء ذلك إلى الحصول على المال اللازم لاقتصادها المتهالك، لدعم تدخلاتها العسكرية في المنطقة، وتنشيط أذرعها العسكرية في لبنان وسوريا والعراق واليمن…. وحول العالم؛ كل هذا بالإضافة إلى متابعة نشاطاتها النووية السرية، خلافاً للإتفاق النووي الذي أُبرم معها عام 2015 من دون أن تحترمه لاحقاً، فاضطُرت الولايات المتحدة الأميركية إلى الإنسحاب من الإتفاق في العام 2018 بقيادة الرئيس ترامب. في المقابل، ترفض واشنطن ومعها الدول الكبرى رفع العقوبات عن إيران، قبل  أن تعود طهران إلى الإتفاق، ومن ثم فتح أبواب معاملها النووية لرقابة الأمم المتحدة، وفقاً للإتفاقات الدولية التي سبق ووقعت عليها. باختصار، تهدف إيران إلى حيازة سلاح نووي بشكل سرّي خلافاً لتعهداتها الدولية؛ بينما ترفض الدول الكبرى السماح لها بالحصول على سلاح نووي. ولكن لماذا هذا الرفض؟ ألإنها ترفض التقيُّد بالإتفاقات الدولية التي وقعتها سابقاً؟ فما هي هذه الإتفاقات؟

 

الإتفاقات النووية الدولية:

بعد كارثتي هيروشيما وناكازاكي، قررت الدول الخمس الكبرى، التي تمتلك أسلحة نووية، منع إنتشار هذا السلاح، لما يتضمَّنه من أخطار كبرى على أمن البشرية؛ فوضعت إتفاقاً دوليّاً يقضي بمنع إنتشار السلاح النووي؛ ووقَّعت على الإتفاق كل دول العالم باستثناء إسرائيل…. واستُحدثت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأمم المتحدة للإشراف على تنفيذ الإتفاق. كما ألزمت الدول الراغبة في بناء معامل نووية لإنتاج الطاقة، ألزمتها بالعمل تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لتفادي حصول كوارث بسبب «تقليب» الذرة، إذا لم يخضع هذا «التقليب» للشروط القاسية والآمنة التي تضعها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولكن أين ينتشر السلاح النووي في العالم؟ ولماذا تُحرم إيران منه؟

 

السلاح النووي في العالم:

ينتشر السلاح النووي في العالم في «أندية» وفقاً للتوزُّع التالي:

1 – النادي النووي الرسمي الذي يضم الدول الخمس الكبرى. إحدى حسنات هذا النادي أنه منع المواجهة العسكرية المباشرة التدميرية على مدى سبعة عقود بين هذه الدول.

2 – النادي النووي الرديف الذي يضم باكستان والهند. أهم حسنات هذا النادي أنه، بعد ثلاثة حروب كلاسيكية طاحنة ومدمرة بين هاتين الدولتين بسبب مقاطعة كشمير، أوقف الحروب خوفاً من الدمار الشامل المتبادل بينهما.

3 – النادي النووي الغامض الذي تتفرّد فيه إسرائيل؛ وهي الدولة التي لم توقع أساساً على معاهدة منع إنتشار السلاح النووي.

4 – النادي النووي الفقير، وتنفرد فيه كوريا الشمالية، بعد أن انسحبت من معاهدة «حظر إنتشار السلاح النووي» عام 1993.

وهكذا يمكن إختصار السلاح النووي بمفهومين استراتيجيين:

– استراتيجية عدم الإستخدام بالنسبة للدول التي تمتلكه

– استراتيجية الشكّ وما يحمل من مخاطر بالنسبة لإسرائيل والنظام الإيراني

أما بالنسبة للنووي لإنتاج الطاقة، أو للإستخدام الطبي، فلا حظر عليه، إذ يُسمح لكل دول العالم الوصول إليه، ولكن بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية لسببين:

– الأول تقني لمساعدة الدول في إنتاج الطاقة من دون مخاطر.

– الثاني أمني لمنع الدول من العمل على تطويره سراً لإنتاج سلاح نووي.

أما النووي للسلام، فيمكن اختصاره بنوعين:

– النووي للطاقة الكهربائية بتخصيب 4 في المئة، وهو متوفر في نحو 441 معملاً نووياً منتشرة في 33 دولة تعمل كلها بإشراف ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما تعمل حوالي 230 سفينة على الطاقة النووية.

– النووي للإستخدام الطبي بتخصيب 20 في المئة، وهو متوفر لدى الكثير من الدول.

وهنا يبرز السؤال: ما هي المشكلة النووية الإيرانية؟

 

المشكلة النووية الإيرانية:

تؤكد الدول الكبرى، وتؤيدها الوكالة الدولية للطاقة النووية، بأن إيران تعمل سرّاً على إنتاج سلاح نووي، خلافاً لكل الإتفاقات والمواثيق التي سبق أن وقعت عليها إيران أسوة ببقية دول العالم. وتؤكد مصادر هذه الدول بأن إيران باشرت العمل سراً في البحث للوصول إلى سلاح نووي. في العام 2003 افتُضِح أمر النشاط النووي الإيراني، بعد أن ضُبِطت ليبيا بالجرم المشهود وتخلَّت عن برنامجها النووي، كما أبلغت الوكالة الدولية بالنشاط النووي الإيراني.

في العام 2003 بدأت «جلجلة إيران النووية. في حينه كان الرئيس الإيراني محمد خاتمي راغباً في التعاون مع الأسرة الدولية، كبقية دول العالم، للخروج من النووي العسكري، وتلقّي الدعم والمساعدة من الأسرة الدولية لإنتاج الطاقة وتأمين حاجات إيران للإستخدام الطبي. لكن وصول الرئيس المتشدد أحمدي نجاد إلى السلطة في إيران عام 2005، أطاح كل الإنجازات التي حققها سلفه في المجال النووي، وعادت المفاوضات إلى نقطة الصفر.

تلقّت إيران عروضاً كثيرة؛ منها أن تُرسِل 1200 كلغ (80 في المئة من مخزونها)، من الأورانيوم المخصب في طهران بنسبة 4 في المئة إلى روسيا، لتنقيته في المرحلة الأولى، ثم إرسال هذه الكمية المنقّاة إلى فرنسا لتخصيبها حتى 20 في المئة، لتصبح صالحة للإستخدام الطبي، قبل إعادتها إلى إيران. لكن الأخيرة رفضت العرض ولم توافق إلاّ على تسليم 40 كلغ، على أن يُسترد المخصب أولاً.

في العام 2015 وقّعت إيران مع الدول الكبرى على إتّفاق يمنعها من العمل على زيادة التخصيب، وعلى فتح معاملها المنتشرة فوق الأرض الإيرانية، أمام الوكالة الدولية للطاقة النووية كما ينص البروتوكول الدولي. لكن مندوبي الوكالة الدولية للطاقة النووية فوجئوا بأن إيران تتنصل من تطبيق الإتفاق، وبأنها ماضية في التخصيب سرّاً، كما أنها تعرقل العمل الرقابي لمندوبي الوكالة الدولية للطاقة النووية. فردّت واشنطن بلسان رئيسها ترامب، بإعلان الإنسحاب من الإتفاق النووي مع إيران في العام 2018 ؛ وباشرت بتشديد العقوبات على الدولة الإيرانية.

بالإضافة إلى تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية حول مخالفات إيران: لبنود     البروتوكول، ومعاهدة حظرانتشار السلاح النووي، واتفاق عام 2015؛ هناك مصادر عديدة تؤكد الإصرار الإيراني على مواصلة البحث عن النووي العسكري: – تقارير الإستخبارات الغربية والشرقية الناشطة فوق الأرض الإيرانية.

– المعلومات المستقاة من العلماء النوويين الإيرانيين قبل اغتيال بعضهم.

– تطوير سلاح إيران الصاروخي، الذي يبلغ مداه آلاف الكيلومترات، والذي يُعتبر الخطوة الأولى لدى الدول نحو إنتاج سلاح نووي.

 

فالوصول إلى النووي لأية دولة في العالم يمر بأربعة مراحل:

1 ـ تطوير الصواريخ.

2 ـ تخصيب الأورانيوم.

3 ـ إنشاء مفاعل مياه ثقيلة قادرة على إنتاج الـ «بلوتونيوم».

4 ـ  تحويل القدرات النووية إلى طاقات عسكرية.

إذا كان الإكتشاف والوصول إلى المراحل الثلاث الأولى، ولكن بتكاليف عالية جداً أمراً سهلاً؛ وهذا ما يمكن أن تكون قد بلغته إيران حتى الآن. إلاّ إن المرحلة الرابعة تبقى الأقل كلفة ولكنها الأصعب إكتشافاً ولا تزال طهران تبحث عن سرِّه. فتطوير الصواريخ البعيدة المدى (أكثر من 150 كلم) لا معنى له عسكريًا واستراتيجيًا، إن لم يكن هدفه نقل قنبلة ذرية إلى مسافات بعيدة، والصواريخ الإيرانية تصل إلى آلاف الكيلومترات، ما يشكل بداية شك بالمشروع النووي الإيراني. ويبقى السؤال: هل يمكن منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي؟

الدول التي تخوض المفاوضات مع إيران في فيينا، متوافقة على عدم السماح لإيران  بالحصول على سلاح ذري. لكن هذه الدول تجيِّر المسؤولية للولايات المتحدة الأميركية بإصرارها على هذا الرفض؛ طبعاً بتمني ورغبة إسرائيلية جامحة. ولكن كيف يمكن منع إيران من الوصول إلى النووي العسكري

التصدّي بالقوة للمشروع النووي الإيراني، هو عمل سرّي يومي تراكمي، تنفذه أجهزة إستخبارات بعض الدول الرافضة لهذا المشروع، منذ افتضاح أمر نشاط إيران النووي قبل سنين؛ لكن من دون معرفة هوية الجهة المسؤولة عن هذه الأعمال. فعلماء إيران النوويون يُغتالون جهاراً في شوارع طهران، ومنشآت إيران النووية تتعرض دائماً للإعتداءات والتخريب من دون معرفة الأسباب، والمعامل النووية تُصاب بالأعطال، من وقت لآخر، بسبب هجومات إلكترونية أثبتت فعاليتها ونجاحها…. وهكذا يقود أعداء إيران حربهم السرية المتواصلة على المنشآت النووية الإيرانية منذ سنين.

قد لا تكفي الأعمال التخريبية والإغتيالات التي تنفذها أجهزة الإستخبارات لردع إيران ومنعها من الوصول إلى النووي العسكري، إذا ما استمرّت طهران في التنصُّل من تطبيق الإتفاقات التي وقعت عليها سابقاً. لذلك، ترى القوى الدولية، في هذه الحالة، وعلى رأسها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، أنه لا بد من القيام بعمل عسكري مباشر يكون هدفه تدمير المنشآت النووية الإيرانية إذا فشلت المفاوضات. ويبقى السؤال المزدوج التالي: أولاً هل تتوفر الإمكانيات العسكرية في كلا البلدين أو إحداها لتنفيذ هذه المهمة؟ وثانياً هل يمكن معرفة متى؟

جواباً عن السؤال الأول، فإسرائيل لوحدها قادرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية، وسبق لسلاحها الجوي أن قام بمناورات عديدة تحاكي هكذا مهمة. لكن إسرائيل تفضِّل إشراك الجيش الأميركي معها، لتؤمن الفعالية القصوى عسكرياً وسياسياً.

أما بالنسبة للسؤال الثاني: متى؟ فالأمر مرتبط بمدى تقدم برنامج إيران النووي وإمكانية ملامسته المرحلة الرابعة، أي قبل العبور إلى الخط الأحمر النووي. لذلك فالمفاوضات قد تتقطع، ومصيرها حتماً الفشل، والعقوبات سوف تتشدد على إيران لثنيها عن متابعة البرنامج، أي أن واشنطن وتل أبيب يمكنهما الإنتظار إلى حين التأكُّد من أن طهران قد تجتاز الخط الأحمر، حينذاك قد تفاجئ أميركا وإسرائيل معاً، أو إحداهما، العالم بعمل عسكري مباشر تدميري للمنشآت النووية الإيرانية؛ لأن الدول الكبرى متيقنة من أن السلاح النووي بيد نظام يحكمه رجال دين، يشكل خطراً كبيراً على أمن المنطقة والسلام العالمي. لذا، فأمام إيران خياران لا ثالث لهما: إما التعاون مع الأسرة الدولية والتخلي عن برنامجها النووي العسكري أسوة ببقية دول العالم، أو تدمير منشآتها النووية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل