
مع دخولنا سنة الانتخابات بشقَّيها النيابي والرئاسي، تعالَوا نتفحّص بهدوء مشهد القوى السياسية والاجتماعية، ونقرأ بواقعية كيف تتوزع بين قوى متحمّسة لهذَين الاستحقاقين، وأُخرى مترددة ومتوجّسة منهما، ونستنتج ما هي حظوظ إجرائهما في موعدَيهما بين أيار وتشرين، ومحاذير تخريبهما أو تأجيلهما في الحدّ الادنى.
فمن متابعة حركة هذه القوى في الاستعداد العملي للانتخابات ومواقفها الإعلامية والسياسية المعلنة، يتبيّن ما يأتي:
– في الفئة المتحمّسة لإجراء الانتخابات، داخل البيئة المسيحية، تأتي في الدرجة الأُولى الأحزاب والشخصيات ذات الطابع السيادي، القوات اللبنانية والكتائب والأحرار وأصحاب الحيثيات السياسية ذات الحضور الشعبي من نواب مستقيلين (إفرام، معوّض…)، ونواب سابقين (سعيد، حرب…)، ومعارضين من نتاج انتفاضة 17 تشرين، وطامحين مستقلّين.
ويأتي في الدرجة الثانية الأقل حماسةً “تيّار المردة” الذي ينفخ في بارد الانتخابات وساخنها، مطمئناً إلى حجمه الراهن، ولا يغالي في الطموح إلى أكثر، وكذلك يفعل حزب الطاشناق.
أمّا “تيّار العهد” فيستميت في إعادة ترميم نفسه خلال الأسابيع القليلة المقبلة كي يقرر موقفه تأييداً للاستحقاق أو رفضاً وتأجيلاً.
في الواقع، إنه يميل، تحت ضغط الاحصاءات الشعبية السلبية التي يُجريها، وتحت ضغط التوتر في علاقاته مع كل القوى السياسية والمدنية، إلى خلق الذرائع المتنوعة لتأجيل الانتخابات. وهو يتقاطع في هذا الهدف مع شريكه في “التفاهم” الدهري الذي يهتز ولا يقع، “حزب اللّه”.
– داخل البيئة السنّية، المتحمّسون للانتخابات هم السياديون سواء داخل أحزابهم وتياراتهم كما في “المستقبل” الحائر في قرار قيادته حتّى الآن، أو خارجها من شخصيات ذات وزن كاللواء أشرف ريفي في طرابلس والنائب فؤاد مخزومي في بيروت، والذي حسم بقوة انخراطه في الخط السيادي في الآونة الأخيرة، وكذلك النائب أسامة سعد في صيدا.
أمّا القوى السياسية الأُخرى، كرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فتنفخ بدورها في البارد والساخن، على قاعدة عدم خسارتها، في حال عدم كسبها مقعداً إضافياً أو أكثر.
وتبقى الشخصيات السنّية الدائرة في فلك “الممانعة” مرتبطة بقرار راعيها إقداماً أو انكفاءً.
– في البيئة الشيعية، يستمرّ “الثنائي” في رباطه الانتخابي لقطع الطريق على أي قوة أو شخصية ثالثة، علماً ان هناك وجوهاً وشخصيات مستقلّة معارضة ذات حضور سياسي وثقافي واجتماعي لافت تستطيع تحقيق خروق في حال تعاضدها وتكاتفها.
لكنّ هناك تمايزاً داخل “الثنائي” على مستوى تقدير الخسارة العامة. فرئيس مجلس النواب نبيه بري مطمئن إلى كتلته الشيعية المزيّنة بنائبين مسيحيين ودرزي، وليس لديه همّ زيادة نوابه لدى البيئات الأُخرى، بينما يعاني “حزب اللّه” من عقدة الانتكاسة الحادة في عدد النواب المحسوبين عليه في البيئتين المسيحية والسنّية، بحيث يفقد أكثرية أذرعه فيهما، ويخسر تالياً الأكثرية العامة في مجلس النواب، والتي عُرفت بـ”أكثرية قاسم سليماني” الذي أحيا نصراللّه أمس ذكرى اغتياله.
– في البيئة الدرزية، لا يبدو أن وليد جنبلاط مسكونٌ بهمّ الانتخابات، برغم عدم حماسته لقانونها الراهن، وذلك بسبب اطمئنانه إلى نيله الأكثرية الساحقة من النواب الدروز الثمانية، إضافةً إلى أكثر من نائب سنّي ومسيحي بفعل التحالفات التي ينسجها في الجبل وبيروت والبقاع الغربي وحاصبيا.
– في جانب الأحزاب العقائدية، وتحديداً الحزبين الشيوعي والقومي، فلا قدرة لهما على الخروج من عباءة “حزب اللّه”، وتبقى حصّة الثاني محفوظة في قوائم الأخير.
يظهر من هذه اللوحة السياسية الانتخابية الشاملة أنّ فريقَين كبيرين فقط غير مرتاحَين لإجراء الانتخابات، هما بوضوح “حزب اللّه” و”تيّار العهد”، وليس ارتفاع حدّة السجال بينهما سوى وسيلة من عدّة الشغل لاستدرار العطف الشعبي… وإلّا، فهما ذاهبان حكماً إلى اختراع وتدبير الذرائع، بما فيها الأمنيّة، لتبربر تطيير الاستحقاق النيابي، تمهيداً لتخريب الاستحقاق الرئاسي.
… نتابع ونرى.
