بعضُهم يتقمَّصُ المقدَّم “سالم”

من النّاسِ مَنْ يُؤكَلُ بالإثم، فيقعُ الكلامُ فيه نَهباً، لأنه هَجَّنَ مقامَه بيُبوسِ الكرامة، ومنهم مَنْ يُؤكَلُ بالضّميرِ، لأنّ كرامتَه، لِعُلَوِّ منصّتِها، هي طَبَقٌ مُلِئَ مِسكاً، فهو فتحٌ للعزّةِ، وصِلَةٌ للنّبل.

قبلَ المقارنةِ والمفاضلة، إِنْ صحَّتِ المُفاضلة، قادَتنا المصادفةُ الصِّرفُ الى العودةِ لبُطونِ الزّمن، تلك التي أَلَّفَت بِطاحَ شخصيّاتٍ أَفذاذٍ، وكذلك مَقَتَت تُرَّهاتِ تُبَّعٍ، ولم تُضَيِّعْ كُتبُ التّراجِمِ، ولا الذّاكرةُ الشعبيّةُ، أخبارَهم، جميعاً، للانتفاع بما فيها من دروس، ولو صُنِّفَ بعضُها في فهرسِ الضَّلالِ، وذُبولِ الحسِّ الوطنيّ.

كما أنّنا نتركُ، للآتي من الأيام، تسطيرَ حُكمِ الإدانةِ لبعضِ المتوغِّلينَ في الكِفرِ الولائيّ، من عُصبةِ البربر، إنْ في مخزونِ الماضي، أو في المُتراكمِ من حاضرِنا، بالرَّغمِ ممّا ينالُ قلوبَنا من الغَصَصِ، ويثَوِّرُ عنفوانَنا من الغضب، فنُحجِمُ عن تَلوينِ الأحداثِ وِفاقاً لإلفتِنا لها، أو لعَدَمِها، تارِكينَ لِمَنْ تطعَّموا بالعارِ أنْ تُقحِمَ جباهُهم ذلَّها في الوحل، كلّما تذكَّرَت هذه الجِباهُ نفسَها.

في القرنِ الثالث عشر للميلاد، وبعدَ فشلِ المماليك في إخضاعِ جبل لبنان، بُغيَةَ عُبورِ مسالكِهِ الى طرابلس لمنازلةِ الصليبيّين، عمدَ السلطانُ بن قلاوون المملوكي الى مكيدةٍ خبيثةٍ، فأَوهمَ المقدَّم ” سالم ” الذي كان، وقتَذاك، حاكماً للمنطقة الفاصلة بين بعلبكّ وطرابلس، مروراً بالبترون، بأنْ ينصّبَه والياً على جبل لبنان الماروني برمّتِهِ، إِنْ هو سمحَ لجيوش المماليك بعبور مَمَرّاتِ الجبالِ الوعرة، والتي كانت عَصِيَّةً على الغُزاة، لتنقضَّ على الصليبيّين في طرابلس. كان المقدّم ” سالم ” مغروراً محِبّاً للسيطرة، ويهدفُ الى الاستفراد بحكمِ الموارنة، فانطلَت عليه مؤامرةُ المماليك بالرّشوة، ونشرَ مقاتليهِ في المسالكِ ما سَهَّلَ على العسكرِ المملوكيّ المدَجَّج بالسّلاحِ والعتاد، الدّخولَ الى عمقِ منطقةِ الجبل، واستقرّوا فيها، ولم يغادروها، كما وعدوا، بل أحكموا قبضتَهم عليها، ونكّلوا بالنّاسِ الذين لم يستطيعوا المقاومةَ لعدمِ وجودِ قيادةٍ، وخطّة، وبسببِ خيانةٍ مشهودةٍ سبَّبَت لهم الخَيبة. أمّا الطّامةُ الكبرى ففي الجائزة القَيِّمةِ التي كان يحلمُ بالحصولِ عليها سلطانُ المماليك، وهي القضاءُ على الكيانِ المسيحيّ المستقلّ في الجبل.

يقولُ نسيب عريضة: “سيّان… يا نفسُ، فالآتي مثلُ الذي يمضي”، ويقولُ غيرُه “ما أَشبهَ اليومَ بالأمس”. لكنّ هذين القَولَينِ المأثورَين ينطبقان، بالفِعل، على مَنْ أنزلوا الوفاءَ الى سوقِ الفُجور، ماضياً وحاضراً، بخُبثٍ، وخيانةٍ، وعمالةٍ، فتشقَّقَ، معهم، الأملُ وتحوّلَ الى يأسٍ قاتل. ولا ينطبقُ القَولانِ، بتاتاً، على شَعبٍ لطالما كان نابضاً بالعنفوان، تائقاً الى الحرية، رافضاً التّطويع، لم يَشِحْ عن وطنيّتِه، ولم يستسلمْ إلّا لكرامتِهِ ولَو تلوَّنَت بالدمّ. هذا الشّعبُ العاشقُ ذخائرَ أرضِه، والذي حِسُّهُ بالانتماء طَبعٌ لا مُكتَسَب، خَطَّ زعماؤُهُ وحشتَه النّازفةَ وهو حَيّ، وعمّقوا قشورَ الغربةِ في غَدِهِ، ونسجوا لِوَجهِ وطنِهِ القبحَ، ومَدّوا في أيّامِهِ الظّلمة، واستبدلوا مستقبلَ أجيالِهِ بالهجرة، وقَضَوا على تطلّعاتِهِ بالقَمعِ، والقهرِ، والكذبِ، والتّفقير.

شرائح “المقدَّمين” الحاليّين قد شوّهوا، بعُيوبِهم، وفسادِهم، طلَّةَ لبنان، وبدّلوه من تركيبةٍ فريدةٍ، ونموذجٍ بديع، الى بلدٍ منكوب، وجعلوهُ في عزلةٍ عن تراثِهِ، وقراباتِه، ومصالحِهِ، وأثقلوهُ بالشَّوكِ، والعتمة، فحلَّقَ فوقَه الجنّ، وأَنهكَهُ الشرّ… هؤلاءِ كتبوا كراريسَ الفشلِ، والسّقطات، والعجز، والسّوء، والبشاعة، والفوضى، في تظاهرةٍ غابَ عنها النَّدَم، وكانوا، بانتشائِهم المَقيت، كغُرابٍ فوقَ جيفةِ وطن. وقد اجتهدوا لتركيبِ صورةٍ نَصّاعةٍ، لهم، بإحالةِ المسؤوليةِ الى سواهم، والى الظُّروفِ، وكأنهم لا يعلمون أنّه في ميدانِ مراجعةِ التاريخ، تجري الأحوالُ كما يشاءُ مُجريها، فلا يُسعِفُ تَنَصُّلٌ من مسؤوليّةٍ بسببِ الحُكمِ المَقدور، فمَنْ نالَ همَّتَهُ خَفضٌ من كثرةِ الانحناء، لن يُجديَهُ نَفعاً إحالةُ تَبِعَةِ ذلك الى أنّ النّوائبَ أَلقَت عليه مَراسيها.

ما أكثرَ المُقَدّمين، عندَنا، على شاكلةِ “سالم”، لكنّنا، وبالتأكيد، لن نصيّرَهم “مِنّا”، ولن نقبلَ أن يُنسَبوا الى معشرِنا، وأن يكون ضِلعُهم معنا. فقضيّتُنا، وإنْ محفوفةً بألغامِ الغدر، ومكبَّلةً للسَّحقِ بقهقهةِ “مملوك”، سوف تفيضُ بحُزماتٍ من التمرّد، وتتمدّدُ فوق جسدِ الوطنِ ثورةً تقضي على “المقدّمين” المُزيَّفين، أولئكَ الذين تقاطعَ سلوكُهم الإرتهانيُّ مع خيانةِ ” سالم “، والذين كانوا لوثةَ زمنٍ رديء، نحروا سيادةَ الأرض، ودمّروا كرامةَ الشّعب، وسلَّموا صَكَّ شرفِ وطنِنا الى هَمَجٍ داسوه بالإذلالِ، والمَهانةِ، والاحتقار.

وبعد، لا رحمَ اللهُ المقدَّم “سالم”، ولا أَسكنَ المُقَدَّمين الذين تقمَّصوه، في ديارِنا، جنّاتِه… ولَو بعدَ حين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل