
لا عجبَ إنْ حكمتنا بالسوء والظلم والاستكبار، تلك الطغمة “المتحكمة” بأمر السلاح والجوع والتخويف، ولا عتبَ إن ضمرت للشعب أسوأ الشرور وأكثرَها فظاعة، وفرحت لآلامه، فَلا يُجنى من العوسجِ تينٌ ولا من الشوكِ عنبٌ.
لكن أن يغتبطَ بعضُ المواطنين اللبنانيين من “حاملي الدولار” كلّما ارتفعَ جنوناً، ويهللوا فرحاً لزيادة قدرتِهم الشرائية (فيصبحوا ومافيا التلاعب بالدولار وجهين لعملة واحدة)، فهنا العجب، إذ يتنعّمُ هؤلاء بكلّ ما يحلو لهم لدرجة المبالغة بالإسرافِ والتبذير، في وقتٍ يعيشُ آخرون الفقرَ والعَوَز حتّى للقمة خبزٍ واحدة، يسكتون بها جوع بطون أطفالهم الخاوية!
لا شكّ أنّ الشعب اللبناني محبٌّ للحياة والكرم، ويبدو طبيعياً أن يتصرّف كلٌّ منّا بأمواله كما يحلو له، ولكن علينا أن نعلمَ أنّ أزمةً كالتي تعصف بلبنان اليوم جعلت كثيرين من عداد الفقراء المعوزين بعدما كانوا لا يحتاجون أحداً، وضربت عائلات الطبقة الوسطى في الصميم والتي كانت تشكّل منذ وقتٍ ليس ببعيد أكثرية المجتمع اللبناني، والنتيجة: زاد الثريُ ثراءً والفقير فقراً وحاجة.
علينا أن نعلمَ أنّ على باب كلّ “غنيّ” ينتظر “لعازر” فتات الخبز والرحمة، لعلَّ أحدَهم يمرّ فيخفّف وجعَ قروحه، وأنّ “التجويع” الممنهج للشعب اللبناني بفعل سياساتِ منظومة الكابتاغون، لن يخفّف آثاره سوى التعاضد في ما بيننا.
مع بداية العام الجديد، دعوةٌ لكلّ مواطنٍ ليستشعر آلام أخيه: هناك أطفال ينامون جياعاً، وأولاد تركوا المدرسة مكرهين، وأهلٌ لا يستطيعون تأمين ثمن دوائهم. فهل يفكر الغني كيف سيقتسم فائضَ خبزه مع لعازر الفقير؟ هل يعلم أن الربح الذي يجنيه من صلاة موجوع أو مريض أو مجروح فكّ ضيقَه، يساوي أضعاف ثروته التي فرح بجمعها في أسوأ محنةٍ تمرّ على بلادنا، رمت الشعب في نار الفقر والعوز؟ هل يؤمن أنَّ الله يمتحنه ويمنحه فرصةّ لا تُعوّض ليثبت رحمته تجاه أخيه الانسان الذي يعيش ضيقاً، علّهُ يستثمرها من أجل العبور إلى درجةٍ أعلى من الإنسانية؟
وجه الله لا نعاينه في الكنائس والمساجد ودور العبادة، في وجه أخيك الإنسان يسكنُ وجه الله، ما تملكه لا عدالة في أن تمتلكه منفرداً في وقتٍ يحتاج قريبك إلى فتاتِ منه في هذا الظرف بالذات، هكذا تُقاس الأمور في ميزان الرحمة: أن تدعه من خلالك يشعر بوجود الله، ويجده. إن الله ينتظر في بيوت هؤلاء ويريد رحمة لا ذبيحة!
