
هذه “التهوئة” السياسية التي أنعشت الوضع الحكومي المختنق بعفن الركود والشلل المتمادي منذ أشهر على هذا المستوى، فضلاً عن إبعاد شبح توقف البرلمان عن العمل إلى حين موعد العقد الثاني لانعقاده في تشرين الأول المقبل، لم يكن رئيس مجلس النواب نبيه بري بعيداً عنها، إذ كان حاضراً خلال لقاء رئيس الجمهورية ميشال عون ـ ميقاتي. إن لم يكن بالجسد، لا بأس أن “يفرض” حضوره عبر اتصال هاتفي معه، فالمهم، أن لا صفقات أو تسويات تمرّ من دون مباركة عين التينة.
“فتح دورة استثنائية لمجلس النواب، يحظى بموافقة أكثرية أعضاء البرلمان، ما يعني أن الدورة ستُفتح”، وفق المحلل السياسي علي حمادة، مضيفاً أنها “مطلب أساسي لبري يجاريه فيه حلفاء، وقوى وتكتلات نيابية أخرى أيضاً، لا تريد قطع شعرة معاوية مع بري في ما يتعلق بهذا الأمر، مثل الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل وغيرهم”.
ويرى حمادة، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “ذريعة إنجاز موازنة العام 2022 وتقديمها إلى رئيس الجمهورية ومن ثم محاولة عقد جلسة لمجلس الوزراء، لا تبدو طريقها سالكة حتى الآن”. لكنه يستدرك معتبراً أنه “يمكن أن نفاجأ، وفقط لدواعي الموازنة، أنه يمكن أن يعود الوزراء الشيعة المقاطعون للمشاركة في جلسة للحكومة لدرس بند واحد فقط على جدول أعمالها وهو بند الموازنة، كنوع من مبادرة حسن نية مقابل فتح الدورة الاستثنائية للبرلمان”.
ويوضح، أن “بري يريد الدورة الاستثنائية من أجل إطالة أمد الحصانات النيابية على النائبين علي حسن خليل وغازي وزعيتر، في مسألة التحقيقات في قضية تفجير مرفأ بيروت”، معتبراً أن “ما نحن بصدده ربما ليس بمستوى الصفقة، إنما بَيْعة. بمعنى، يعطون بري دورة استثنائية، يعطيهم جلسة حكومية أو أكثر ببند واحد هو بند إقرار موازنة الـ2022”.
ويعتبر المحلل السياسي ذاته، أن “ذريعة الموازنة يمكن تبريرها لجمهورَي وبيئة حركة أمل وحزب الله، على أساس أنها مسألة جوهرية لإدارة شؤون الدولة والمؤسسات بالحد الأدنى. بمعنى أنه لا بأس مرحلياً من مواصلة اعتماد أسلوب الردود على القاضي بيطار، الثابت والصامد، لعرقلة تحقيقاته، مقابل الفوز بالموازنة وتثبيت الحصانات”. لقراءة المقال اضغط على هذا الرابط: خاص ـ “بَيْعة” رئاسية حكومية برلمانية… “مش صفقة”
وفي السياق، أشار مصدر سياسي بارز إلى إنه لم يعد من خيار أمام ميقاتي سوى الرد على الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بعيداً عن المجاملة التي اتسم بها الموقف الذي صدر عن عون، ويضيف أنه منذ تولي رئاسة الحكومة أخذ على عاتقه التحرك دولياً وعربياً لإخراج لبنان من عزلته، فإذا به يفاجأ بموقف حزب الله المؤدي إلى إطباق الحصار عليه بلا أي مبرر ويعيق المهمة التي بدأها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والتي تُرجمت باتصالين تلقاهما منهما أثناء اجتماعهما في جدة.
وكشف عن أن ميقاتي أوشك على اتخاذ قراره بدعوة مجلس الوزراء للانعقاد بغية حشر الجميع بدءاً بعون الذي وإن كان يطالب بانعقاده فإنه سيجد نفسه محرجاً بعدم فتح دورة استثنائية لاضطراره إلى فتحها استجابة للعريضة النيابية التزاماً منه بالدستور، إضافة إلى أن دعوة عون للحوار تفرض أن يدعم أقواله بالأفعال. إذ كيف يوفق بين رعايته للحوار وبين تعطيله للتشريع في البرلمان؟
في المقابل، استبعدت مصادر الثنائي الشيعي أن تكون هناك مقايضة بين قضيتي المرفأ والحكومة، وأكدت لـ”الشرق الأوسط” على أهمية الاتصال الذي حصل بين الأطراف الثلاثة، وهو ما تشير إليه مصادر مطلعة على لقاء رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة نجيب ميقاتي. وقالت مصادر “الثنائي”، “الأولوية الآن لمرسوم فتح دورة استثنائية للبرلمان، لكن يبقى السؤال، “هل فعلاً سيدعو ميقاتي لجلسة حكومية؟ وهل سيكون قبول عون بتوقيع مرسوم فتح دورة استثنائية، جسراً لتذليل العقبات؟
دولياً، يبدو أن فرنسا ضالعة في موقف ميقاتي المستجد، إذ أشارت بعض المصادر إلى أن إشارات خارجية، فرنسيّة وغير فرنسية، وردت في الساعات الاخيرة، وتنطوي «على مخاوف كبيرة من تطورات دراماتيكية في الداخل اللبناني»، وشددت في الوقت عينه على «خطوات عاجلة للحؤول دونها، وتجنيب لبنان أي منزلقات وتداعيات تزيد من مآسي ومصاعب الشعب اللبناني».
ووصفت مصادر دبلوماسية من باريس الوضع في لبنان «بالشديد الخطورة في هذه الفترة»، وقالت لـ«الجمهورية»، «لبنان أصبح في سباق مع عامل الوقت، وقد اكّدنا للمسؤولين في لبنان انّ هذا الوقت يوشك على ان ينفد، ولذلك نتائج وخيمة على اللبنانيين، والمجتمع الدولي يشعر بأنّ لبنان بات في المراحل الاخيرة من الغرق الكامل، ولا بدّ للمسؤولين اللبنانيين من تحمّل مسؤولياتهم والمبادرة الى علاجات سريعة، وفتح الباب امام إجراء الإصلاحات».
