أقذر وأسفل الناس

 

دائماً ما نقرأ في التاريخ عن الخيانة والعمالة وزرع العملاء… خصوصاً في الصراعات بين الدول، منذ خيانة قايين لهابيل مروراً بيهوذا وعلى مرّ الأزمان وصولاً الى التاريخ الحديث المليء بقذيري النفوس والأوجه والتفكير.

لا شكّ أن الموقع الجغرافي له تأثيره الكبير على سلوك الجماعات، وبالتالي حكماً على الأفراد، ولأنه لا يمكن أبداً فصله عن العوامل الأخرى، وأهمها السياسي، يصبح العامل الجيوسياسي هو الركيزة والأساس في سلوك المجتمعات وتطورها.

للتوضيح، نعيش في منطقة تشبه نوعاً ما الكوريدور أو الممر، الذي سلكته شعوب كثيرة منذ آلاف السنين وحتى اليوم، إن في طريقها الى الغزو، أو في عودتها مهزومة، وفي الحالتين، كانت جحافل تلك الجيوش تستعمل شعوب البلدان المغزوة، إما حلفاء ومساعدين لها، أو أعداء تنكل بهم.

في كلا الحالتين، لم تكن تلك الجيوش تجد صعوبة في تجنيد عملاء لها، بفعل قوتها وسيطرتها وبطشها. على سبيل المثال، الهيكسوس استعملوا الشعب اليهودي في احتلالهم وحكمهم لمصر، في حين سباهم البابليون بعد 1000 عام الى بابل وشتتوهم في ممالك كثيرة. وفي نظرة سريعة على المعالم التاريخية، ندرك كم من الغزاة اجتاحوا بلدنا وكم من الويلات والتغييرات نجمت عن تلك الغزوات.

في زمن الأتراك، كانت تعج المجتمعات بالخونة بين اللبنانيين بكافة طوائفهم، ما سمح للعسكر العثماني بأن يفرض سيطرته بكل سهولة على البلدان التي تقع تحت حكمه، وصولاً الى الاحتلال السوري الذي فظّع في تجنيد العملاء، لدرجة سيطرته بالكامل على الدولة اللبنانية.

واليوم، أمامنا المحتل الإيراني بواسطة عميله حزب الله الذي بدوره وزّع عملاء كُثُر في مختلف البيئات والمكونات البيئية، ولعل أبرزهم العميل المسيحي الذي قفز من الحضن السوري الى الحضن الحزباللاوي، والذي كان له الفضل الكبير في تمكين هذا الحزب من فرض سيطرته وسطوته على معظم مفاصل الدولة اللبنانية.

لذلك، لا يستغرب أحد اليوم هذا الأداء الفاضح للعملاء الخونة الذين يجاهرون بعمالتهم غير آبهين، لم يكفهم ما فعلوه حتى اليوم ولم تكفهم جهنم التي أوصلونا إليها، بل تراهم لا يزالون يمارسون ما يبرعون فيه، الصغار منهم، في نكء الجراح وزرع الفتن والكذب والرياء، وكبيرهم، في هدم ما تبقى من أسس بناء الدولة للسيطرة عليها بالكامل وتخريب علاقات لبنان مع كل دول العالم غير الممانعة، غير آبه بمصالح اللبنانيين الموجودين في تلك الدول، مع علمه المُسبق بخطورة هذا السلوك، وإنما طبعه يغلب عليه الشرّ والتخريب والدمار.

لا أنسى أيام الاحتلال السوري عندما كنا نسلك الجرود لساعات طويلة مشياً على الأقدام لنصل الى ضِيَعنا، كيف كانت المخابرات السورية تعلم بوجودنا بواسطة عملائها، لكن وكما في كل الأزمان، لم تمنع تلك الممارسات الدنيئة الشرفاء والأبطال من مقاومة كل الغزاة والطغاة وعملائهم الصغار الصغار مهما كبروا.

يبقى أن أقذر وأسفل الناس، تلك النفوس النهمة الشرهة اللاهثة التي تبيع كرامتها وتخون أهلها وشعبها وبلدها من أجل حفنة من المال والسلطة التي تزول وتفنى مع زوال المحتل… مهما طال احتلاله.

 

خبر عاجل