تسويق أجندة نسف النظام

في كلِّ يوم، تطفو نداءاتٌ على لسانِ كثيرين، تدعو الى نَسفِ النّظامِ، وتعديلِ الدّستور، وإجراءِ تغييراتٍ جذريّةٍ في بُنيةِ الدّولة، حتى يُظَنَّ بأنّ الدّاعينَ يرمونَ الى إصلاحِ الخَلَلِ الذي وجدوا أنّه أصابَ النّظامَ، فعطّلَه، أو هم يرغبون في رَأبِ الصَّدعِ الذي أتى على الجمهوريّةِ، فسحقَ كيانَها.

إنّ آثارَ الوجعِ فوق جسدِ الوطن، تدفعُ، حُكماً، الى مراجعةٍ موضوعيّةٍ لمسبِّباتِها، وذلك للوقوفِ على حقيقةِ المعضلةِ التي زُجَّ لبنانُ في أتونِها. وما ينبغي الإشارةُ إليه، في محاولةِ تسطيرِ سِفرِ الخلاص، كما يزعمُ الرّاغِبون، هو التّمييزُ الحتميُّ بين النّصِ، وبين سلوكِ المسؤولينَ استناداً إلى ما جاءَ فيه. فغالبيّةُ المتعاطينَ في هذه المسألةِ، تقبعُ في مَتنِ النصّ النَّظَريّ، وتُقَمِّشُ ما فيهِ من آثارِ غموضٍ، أو تناقضٍ، أو إبهام، أو نواقص، وتسترسلُ في الاجتهاد الذي يدعمُ مواقفَها، وأكثرُهُ اجتهادٌ كلاميٌّ يتذرّعُ بالقانون، من دونِ التركيزِ على تَبيانِ مدى الأذيّةِ التي أَلحَقَها، ويُلحِقُها، أداءُ المتعاقبين على سُدّةِ السلطة، أولئكَ الذين ضربوا جوهرَ النّصِ بلامبالاتِهم، ولم يأخذوا منه إلّا ما يتناسبُ ومصالحَهم.

عندما يُطلَبُ منّا مناقشةُ النّظام، من البديهيِّ العودةُ الى الدّستور، فالدّستورُ هو قانونُ الدولةِ العام، أي مجموعةُ القواعدِ الأساسيّةِ التي تُبيّنُ شكلَ الدولة، ونظامَ الحُكمِ فيها، وتنظيمَ تشريعاتِها، والعلاقةَ بينها وبين مواطنيها…من هنا، تُطرَحُ الإشكاليّةُ المتعدِّدةُ الجوانب: هل النّظامُ الديمقراطيُّ يُسَوّقُ مشاعرَ العداءِ بين الناس؟ هل مبدأ الحقوقِ والواجباتِ يحرّضُ على التّدميرِ النَّمطيّ للمؤسسات؟ هل التنميةُ المستدامةُ تهزُّ الحريّاتِ وتدمّرُ قِيَمَها؟ هل انتماءُ الوطنِ الى الأسرَتَين العربيةِ والدّوليّة، يمنعُ الاعتراف بالآخرِ، واحترامَ رأيِه ؟.

إنّ الإجابةَ على تفرّعاتِ هذه الإشكاليّةِ ملحوظةٌ في صُلبِ النصِّ الذي ارتضاهُ اللبنانيّون، لهم، دستورَ حياة، بل دستورَ انتماءٍ مُقَوّىً بالولاء. وفي هذا المجال، لا سبيلَ الى الادعاء بطوباويّةِ القوانين، أو بقدسيّةٍ مطلقةٍ للدّساتير، فالمُشَرِّعُ، أيّاً يكنْ، مُعَرَّضٌ للوقوعِ في الخطأ، أو الإِغفال، لذلك، مُنِحَ الحقُّ بالتّعديلِ، أو التّبديل..

ولكن، ينبغي أن يسبقَ هذه الخطوةَ بحثٌ دقيقٌ، وحياديٌّ، في سلوكِ القيِّمينَ على الدّستورِ، والقوانين، والأنظمة، لتُعرَفَ حقيقةُ أدائِهم، وممارستِهم في السلطة، ومدى انتفاعِ ورشةِ الحكمِ من وجودِهم على سطحِها. إنّ الفولكلورَ المأنوسَ، في هذا الصَّدَد، لدى الحاكمين، وعندَ الكثيرينَ من المُصَفِّقينَ في الرعيّة، أنّ الحاكمَ هو ظلُّ اللهِ بينَنا، وهو المُنَزَّهُ الذي لا يرتكبُ الدّنايا، ولا يلهثُ بَحثاً عن مصالحِهِ ونَفعِهِ الشّخصيّ، على حسابِ النّفعِ العموميّ. وفي جعبةِ هؤلاءِ الكثيرُ من التّبريراتِ التي لا تَرقى الى مستوى الإقناع، إنّما تُظهِرُ خلفيّاتُها إقبالَ مَنْ في السّلطةِ على امتهانِ الفسادِ، والابتزاز، وبَيعِ الشّعبِ بالمصالحِ الرخيصة، وإهراقِ ماءِ الوجوهِ التماساً للنّفوذ…

من هنا، هل يصحُّ، بعدُ، رَفعُ شعارِ التَّغييرِ في النّظام، والتّبديلِ في الدّستور، قبلَ إجراءِ مَسحٍ شاملٍ لموبقاتِ المسؤولينَ، وجرائمِ الحكّامِ الذين لم يتذرّعوا بالنصّ، إلّا في مجالِ المزايدة، والتّعميةِ على ترّهاتٍ ارتكبوها؟ فهؤلاءِ السلطويّون ” الطّوباويّون ” افترسوا مقدّراتِ الدولةِ بأدائِهم الموبوء، وبمسلكيّتِهم البغيضة، وبإشاحتِهم المستمرّةِ عن النّصوصِ الدستوريّةِ، والقوانينِ النّافِذَة، والتي استباحوها بِبِدَعٍ هجينة، فارتكبوا، بذلك، مؤامرةَ هدمِ الدولةِ، والتّنكيلِ بحقوقِ النّاس، وسحقِ الحريّات، فأُلقِيَ بالوطنِ في بؤرةِ فسادٍ غيرِ مسبوق.

إنّ الأذهان الصَّدِئَةَ التي لا تستمسكُ بفائدةِ الاطلاع والمراجعة، لشحٍّ في الفهمِ، أو لأهدافٍ مُغرِضَة، وهذا أَقتَلُ المعاطبِ في الاشتغال بالحقلِ القانونيِّ والدستوريّ، لا تنهضُ الى استيفاءِ مقدارِ المصداقيّة في أداءِ المتربّعين على رؤوسِ الناس، هؤلاءِ الذين شوّهوا العملَ السياسيَّ والوطنيَّ بالخِدَعِ والبِدَع، وعطَّلوا، بصيتِهم المَقيت، الثقةَ بصورةِ الوطن. من هنا، على المُشكِّكين بصوابيه النّظامِ والدّستور، أن يعلموا أنّ النّزاعاتِ المتعاقبةَ، في هذه المسألة، ليست عوارضَ مرضٍ حقيقيٍّ في نظامِنا السياسيّ، بقَدرِ ما هي ظواهرُ سطحيّةٌ مرحليّةٌ تَطفو وتهمدُ كلّما برزَت مصلحة، أو اقتحمَها تحريضٌ، أو استُورِدَت مؤامرة.

إنّ التّعاطي مع الدّستور يتفاضلُ، في مقاربتِهِ، الكثيرونَ بالتِواءٍ، أو بحُسنِ وَضوح، فمُتَصَفِّحو بنودِهِ ينقسمونَ بين مُطمَئِنّينَ الى قيمتِهِ في دقّتِه، وجودتِهِ، وقواعدِه، ومناسبتِهِ لبنيةِ الوطن، وبين الشاكّين بأهليّتِهِ، والمتحامِلينَ على كفاياتِهِ، والمطبوعينَ بعدوانيّةٍ شنيعةٍ لأصولِهِ التي يتهمونها بالتّمييزِ بين شرائحِ الشّعب، وبمنحِ امتيازاتٍ مشبوهةٍ لبعضِ فئاتِهِ من دونِ غيرِها. وبقَدرِ ما نعترفُ بأنّ مقاربةَ هذه القضيّةِ ليسَت مقصورةً على لسانٍ دونَ لسان، لكنّ الذين يتمادونَ في جمعِ الجهلِ، لعجزٍ في صحّةِ عقلِهم، يطمسونَ حقيقةَ أنّ السلوكيّةَ الرثَّةَ لأصحابِ السلطة، غيرَ المتقشِّفةِ في الفسادِ، والمتمَختِرةَ فوق خيمةِ القوانين، والعاطلةَ عن المناقِب، هي المَعولُ الذي هدمَ بناءَ النظام. لذلك، فعلى المجتهدينَ في دَفنِ الدّستور، الذين يعملونَ على حَبكِ نظامٍ بصَنانيرِ مشروعٍ انقلابي يبسطُ بديلاً مشبوهاً، أن يعلموا أنّ مؤامرتَهم تزجُّ الوطنَ في أشداقِ استعمارٍ سيِّء، وغَزوٍ يعودُ بنا الى عصورِ التيوقراطيّةِ الموبوءةِ التي تقضي على ما تنعَّمَ به المواطنونَ من مكتسباتِ الحريّة، والعدالة، والحقوق، والانفتاح، وبذلك، تفتحُ للوطنِ بابَ جهنّم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل