Site icon Lebanese Forces Official Website

بين أفغانستان وكازاخستان… غليان إقليمي تمهيدي

عندما انسحب الأميركيون من أفغانستان قلنا إن مخططاً أميركياً استراتيجياً بدأ تنفيذه في شرقي آسيا وصولاً إلى القوقاز، فجنوب آسيا. ومع الأيام، يتبين بوضوح وجلاء أن ما وراء التطورات الإقليمية ـ خطة دولية ـ أميركية ـ مبنية على معادلتين؛ الأولى: تصفير المواجهة المباشرة بين واشنطن وخصومها في المنطقة استعداد للتركيز على ملف الصين وتحديات شرق اقصى آسيا. والثانية: استخدام أدوات الحرب الباردة القائمة على الحروب والمواجهات بالوكالة.

انطلاقاً من المعادلتين، بدأ سيناريو إقليمي جديد بأبعاد وأهداف دولية يتحقق على مراحل. فبعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان وإرباكاته إيرانياً وصينياً وروسياً وتركياً وباكستانياً، جاء اندلاع المواجهات الآذرية ـ الأرمنية لإعادة انتاج تفاهمات إقليمية جديدة، وتّرت العلاقات بين دول الجوار وأبرزها إيران لدرجة اندلاع مواجهات حدودية بين الحرس الإيراني وطالبان، ولا يزال مصير المنطقة والعلاقات بين الطرفين مجهولاً إلى الآن.

ثم كان انفجار الصراع القديم الجديد بين روسيا وأوكرانيا على خلفية رفض موسكو وجود تهديد غربي على أبوابها خصوصاً بعدما قررت كييف اللجوء إلى الناتو لحماية أمنها القومي وحدودها، حيث حشدت موسكو أكبر قوة عسكرية تمهيداً لتدخل عسكري أو اجتياح شامل لأوكرانيا أو أقله للمنطقة الحدودية حيث الأكثرية الروسية الانفصالية الرافضة لسياسات الحكومة المركزية في كييف والتي تعتبرها موسكو منطقتها الداخلية بالمفهوم الدبلوماسي.

ولا يزال مصير الوضع هناك مجهولاً على الرغم من العمل على العودة إلى طاولة التفاوض والعودة لروحية اتفاقيات مينسك للعام 2014، إلا أن كييف والغرب يخشون خطوة روسية أحادية بضم الجزء الحدودي لأوكرانيا (دونتسك ولوغانسك) إلى السيادة الروسية تماماً كما حصل في ضم جزيرة القرم، الأمر الذي إذا حصل سيفجر صراعاً عسكرياً تسعى كل الأطراف الدولية إلى تجنبه مهما كلف الأمر.

واليوم انفجر الصراع التاريخي بين روسيا وكازاخستان، ودائماً على خلفية اعتبار موسكو نفسها مهددة من الناتو وحلفائه واعتبار الحكومات السيادية للدول المعنية أنها بحل من أي خضوع لإرادة موسكو، خصوصاً أن أبرز دول الطوق الروسي تحولت مع الوقت إلى قواعد وجود أميركي غربي عسكري (أوزبكستان ـ تركمنستان ـ طاجكستان ـ قرغيزستان ـ أذربيجان) وكلها تلامس الحدود الصينية ـ الروسية، وتهدد أمن القوقاز الحيوي لإمدادات الغاز الروسي وطريق الحرير الصيني.

هذه الأزمات المتفجرة هي الحصيلة الطبيعية والمخطط لها لانسحاب الاميركيين وتصفير مواجهات واشنطن المباشرة، وذلك من خلال الانسحاب وتحريك الحسابات الإقليمية وإيقاظ المطالب القديمة والتاريخية برسم خرائط جديدة للمنطقة، تهديداً لأمن الصين وروسيا في آن، واضعافاً لحليف خطير لهما هو إيران.

كان سبق وذكرنا في مقالات تحليلية سابقة ان من بين اهداف واشنطن من انسحابها من أفغانستان – التضييق على إيران – لكونها المرشحة لتكون أخطر حليف للصين وروسيا

لذلك فان أولى اهداف السياسة الأميركية الاستراتيجية حاليا في المنطقة هو تفكيك هذا التحالف الثلاثي، من خلال اشغال كل قطب من اقطابه في مشاكله الجيو سياسية، خصوصاً أن محاصرة الصين وروسيا من خلال تفجير ملفات منطقة القوقاز سهل ومباح فضلا عن العمل على تركيز قوة الغرب على الحدود مع الصين انطلاقا من دول كباكستان وكازاخستان والهند وطاجكستان وسواها من مناطق توتر – ترسم حزام ناري على حدود الصين وروسيا.

فما يحصل حاليا على مسرح القوقاز، فصل جديد من فصول الاستراتيجية الأميركية لشرق آسيا، ومرة جديدة لن تكون إيران بمنأى عن تداعياته السلبية.

لذلك، بلقنة (من كلمة بلقان) ملفات وتوترات المنطقة تساهم في اضعاف العدويين الأساسيين لواشنطن: الصين أولا وروسيا ثانيا وما بينهما إيران، التي تتعرض في فيينا لضغوط شديدة لحملها على الموافقة على شروط التفاوض النووي الجديدة، انطلاقاً من رغبة الاميركيين في ضبط أي تحرك إيراني بالتقارب اكثر من الصين وروسيا.

في الخضم، تتشدد طهران بأوراقها الإقليمية، ولا سيما غرب اسيا أي في الشرق الأوسط ـ المنطقة العربية: تصعيد مع المملكة العربية السعودية ترجمه الأمين العام لحزب الله وبيان رسمي إيراني، احتدام الصراع العسكري في اليمن مع رمي التحالف العربي بثقله لإحداث تغيير نوعي في موازين القوى من بوابة مأرب وشبوة، احتدام الصراع السياسي في العراق مع رفض الفصائل الإيرانية او التابعة لإيران خطط مقتدى الصدر ورفض نتائج الانتخابات الأخيرة، انغلاق تام لأفاق اية حلحلة سياسية في لبنان رغم ما يحكى ويشاع من كلام عن انفراجات من هنا وهناك يكاد لا يصمد اكثر من ساعات في كل مرة، وصولاً الى بدء بروز مؤشرات انشقاقات في صفوف حركة حماس الى العلن بين التيار المؤيد لإيران والمتشدد في دعمها والوقوف الى جانبها والهاء إسرائيل كي تخفف ضغوطها على طهران وخطر ضربها عسكريا لمنعها من الوصول الى السلاح النووي، وبين من يرفض هذا الدور التابع لإيران ويمثله حاليا خالد مشعل.

لذلك، دخلت المنطقة دوامة تقرير مصيرها تارة بالتفاوض وتارة بالحديد والنار والتسويات غالبا ما يسبقها مواجهات ان على المستوى الدولي الإقليمي وان على مستوى كل بلد من البلدان المعنية بهذه التطورات ولبنان ليس خارج سربها.

ودول الخليج والدول العربية المواجهة لإيران امام لحظة حسم معاركها باتجاه تحقيق المنطقة الاقتصادية العربية الأوروبية الإسرائيلية بالتوازي مع إيجاد أرضية تسوية صالحة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واخر مؤشراتها لقاء العاهل الأردني عبدالله في عمان وزير الدفاع الإسرائيلي منذ يومين، ولقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ أيام مع نفس وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، بما يشي بعودة التطبيع الفلسطيني الإسرائيلي الى أوجه عشية قرارات إقليمية سيكون لها الوقع الكبير في تغيير وجه المنطقة وتوازناتها وتحالفاتها ومصيرها.

 

Exit mobile version