سحر ليلة الميلاد… عمانوئيل!

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1724

 

حاملاً مسبحته، مثقلاً بأعوام مجبولة بالمقاومة الرهبانية، تراه يمشي نحو الكنيسة ويجلس وحيداً تحت أنظار ذاك «المخلص» الذي سكنه وصار محرّك عقارب مسيرته، راهبًا ليس حتماً كسائر الرهبان. ثائر كما معلمه، إعلامي كما بولس الرسول. هو الأب يوسف مونس الذي أراد أن يكون حامل الرسالة والبشارة في آن… من مهد طفولته في الشبانية إلى رهبان الكسليك إلى جلجلة «شربل» واختباره الرائع المدمر بين أسئلة وجودية كبيرة وبحثه عن «الثابت» من حبه ودعمه لشباب المقاومة اللبنانية، إلى كاتم لأسرار رئيس في قصر بعبدا الموحش. إلى بشير الحلم الذي آمن وحلم بخلاص وطن في عهده وصُلِبَ بفقدانه. هو كلٌ في واحد. هو ذاك الراهب الذي لا يسعك إلا الإنحناء أمام وسع ثقافته. هو المفكر والكاتب والممثل والأستاذ الجامعي والمسرحي والرياضي والنجم التلفزيوني، وأيضاً السياسي والمستشار وصانع الرؤساء. هو كلُّ ذلك في جسد واحد مثقل بأعوامه ال63 الرهبانية يصول ويجول في دير مار أنطونيوس الكبير في الأشرفية ـ السوديكو حيث يمضي أيامه، وصوت صارخ لا يستكين. لكنه من ذاك المذبح يبدأ وإليه يعود ساجداً مبتهلا. فمنه وله وبه وإليه كل شيء، ولسيده «الدايم دايم» تراه يعلن بإيمان من ذهب «كلي لك».

ثمة علاقة إنجذاب وصلت إلى حد الشغف بين الأب يوسف مونس ويسوع بدأت تتظهّر معالمها في ليلة الميلاد. ويروي ل»المسيرة»: «يوم كنّا صغاراً والثلج يغمر البلدة في ليلة عيد الميلاد، كنّا نشق بأجسادنا الصغيرة الطريق ليسوع الآتي ليولد في مغارة كنيسة السيدة. كنا ننام على الثلج لنحفر آثاراً على الدرب التي توصل يسوع إلى الكنيسة، حيث كانت أمهاتنا وأخواتنا ملتحفات بشالاتهن السوداء العريضة الطويلة إتقاء من البرد». ويضيف: «لا تزال صورة جدي المونسنيور يوسف مونس بلحيته البيضاء وعصاه السوداء مطبوعة في قلبي ووجداني. كان شامخًا كالأرز، ويبسط وقاره واحترامه بقامته المديدة على عائلتنا المؤلفة من تسعة أولاد. كانت تجذبني قراءاته في كتاب التوراة والكتاب المقدس. فكنت أجلس على الأرض صامتاً متخشعاً قربه. وكان يلاحظ ذلك، فيبدأ برفع صوته وأنا أصغي وأستمع مسحوراً لقصص الكتاب المقدس: قصّة الخلق، وعظمة الله الذي خلق كل شيء منه بكلمة وهي «كن» فكان كل شيء، واكتشفت من خلال هذه القراءات أن يسوع أراد من خلال ذل سكن بيننا لأن اسمه عمانوئيل: الله معنا

أن يدلنا بالرموز والإشارات والأحداث والناس والأحلام إلى الفرح الحقيقي وطريق الخلاص. فهل أصغينا له؟ الله ليس صامتا في حياتنا، بل هو حي فينا بقوة روحه المحيي والقدوس. وكم تمنيت لو أكون ملاكاً ينادي بالسلام والفرح والحب والخلاص وحوار السماء والأرض والناس، أو أن أكون نجمًا أسير أمام الناس لأهديهم إلى يسوع أو راعياً فقيراً أحمل أجمل الحملان لأقدمه قرباناً ليسوع ومار يوسف والسيدة العذراء».

 

كتب الأب البروفسور يوسف مونس

السماء والأرض تزولان وصليبه المرفوع على تلة من تلال أورشليم لن يقتلعه أحد ولن تقدر جميع قوى الأرض على اقتلاعه وتسألون بعد هل الحضور والوجود المسيحي في هذا الشرق الى انقراض واضمحلال وزوال؟

أنا لست سياسيًا ولا أقرأ في كتب السياسيين. أنا راهب كاهن غارق في اللاهوت أو التيولوجيا والأنتربولوجيا، أي أنني أحاول أن أكتشف سرّ الحضور الإلهي وسر الحضور الإنساني في تاريخ الحب والفداء واللقاء والخلاص. أقرأ في الإنجيل وتاريخ كنيستي التي بنيت على الصخرة وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأقرأ التحولات الزمنية والتاريخية والسياسية والاقتصادية بمنظور لاهوتي أنتربولوجي. هل سقطت روسيا الماركسية وبقي صليب المسيح مرتفعا أم لا؟ اللص قال ومعه لصوص التاريخ والدواعش و»القاعدة» و»النصرة» يعرفون ويصرخون إن كنت حقا ابن الله انزل ودافع عن نفسك… وأصداء مطارقهم الهادمة الكنائس والصلبان صارت صدى… وقائد المئة قال ومعه قادة الحب والأخوة والسلام واحترام حق الإختلاف وحق الحياة وحق الحرية والكرامة: بالحقيقة كان هذا ابن الله!… ولص اليمين يهتف ويقول: أرحمني يا رب واذكرني إذا أتيت في ملكوتك… والبشرية كلها تهتف معه وتقول يا إله الحب والفداء والخلاص أذكرني في ملكوتك.

ويسوع يقول: أنا القيامة والحياة… أنا الطريق والحق والحياة من آمن بي أني أنا يسوع المسيح ابن الله فإني سأكتب اسمه في سفر الحياة وهو سيدخل معي اليوم الى الملكوت… وارفعوا رايتي وعليها صليبي الى السماء فبهذه الإشارة ستنتصرون. هكذا ظهرت وقلت للإمبراطور قسطنطين الذي آمن وتعمد ووضع صليبي على بيارق جيشه وحارب وانتصر… فراية صليبي لا تُغلب وخشب صليبي لا يُقهر، ولو ظن البعض انهم اقتلعوه عن قبب الكنائس والأديار وكسروه ورموه في التراب وداسوه. أليس هذا ما رأيتم ان «داعش» ورجاله فعلوه بالمطارق والمهدّة والمعاول كسروا واقتلعوا صليبي؟… ولكن ألم تروا اليوم ان أهل وشباب العراق المسلمين أعادوا الصليب الى قبب الكنائس وبأيديهم عادوا ورفعوا صوري وصور القديسين والشهداء؟؟

هل اقتلعوني من أرض أرمينيا وشعبها وقد ذبحوا بالملايين وهجروا بمئات الألوف؟

وهل اقتلعوني من العراق وسوريا وفلسطين والصومال ومصر والسودان وشمال أفريقيا؟

هل اقتلعوني من لبنان وأرضه وجباله؟

ألم يقل يسوع أنكم لا تفهمون شيئا.

وكذلك في دير سيدة معلولا وفي الموصل وسهل نينوى. وتسألون بعد هل المسيحية في الشرق الى انقراض أم هي رسالة تستمر في الشرق؟؟ نعم هي رسالة حب وأخوة ورحمة وخدمة وثقافة وحرية وكرامة وعدل للمرأة والرجل ومساواة المرأة والرجل وكل إنسان باقية راية مرفوعة فوق خشبة صليب يسوع خشبة الحياة والقيامة. المعركة الكبيرة ليست مع شياطين ومجانين ومهابيل الجنون والصرع الاسلامي الديني في هذا الشرق بل ان معركتهم هي مع يسوع المسيح.

هذا الكلام ليس هو كلام «في الواقعية السياسية». وقد يبدو بسيطاً ساذجًا طفوليًا من رجل مفكر وأنتربولوجي مثلي. بل إنه كلام لاهوتي تيولوجي إيماني، لأني أنا أؤمن وأنا كلي رجاء ان إلهي حيّ وهو الذي يسيّر التاريخ. التاريخ هو في يد الله ويد الله تكتب مستقيما على خطوط لولبية متعرّجة كما ظهر لدانيال النبي.

هذه ليست مقاربة جدلية تاريخية ولا جدلية في فناجين القراءات السياسية بل هي فعل تأسيس على إرادة الله وعمله ومقصده في الزمن والتاريخ والجغرافية من الإنسان والجماعات لأنه منذ البدء عندما سفك قايين دم أخيه هابيل البريء صرخ دم هابيل الى الله وبقي صوت الله يتردد من تلك الأيام حتى اليوم: إن دم هابيل أخيك يصرخ إليّ الى السماء وأنا أسمع صوت الله يقول لي ولجماعتي الإنسانية: لا تخف أيها القطيع الصغير أنا لك في السماء نصير. وأنا أركع وأصلي، الرب راعي فلا أخاف شيئا وإذا كان الله معنا فمن علينا. وهو معنا وهو سكن بيننا لأن اسمه عمانوئيل: الله معنا.

ونحن هنا في لبنان علينا ان نقرأ علامات الأزمنة أزمنة الرجاء التي تقول لنا إذا كان رجال السياسة في الأرض غير قادرين بالدفاع عن بقائكم وحضوركم هنا في لبنان وفي هذا الشرق فدماء الشهداء كل الشهداء الأرمن، الأشوريين، السريان، الأقباط، الكلدان، الموارنة، الأرثوذكس وجماعة المسيحيين مع قديسي الشرق ولبنان.

شربل ورفقا ونعمة الله واسطفان وبونا يعقوب، لهم القدرة بالدفاع عنا، عن بقائنا. هذه علامة وإضافة حضارية وروحية وكرامة وحرية، وجودية وإنسانية. ورسالة حب وأخوة بين الناس. هذا رجائي وهذا تفكيري وهذه هي قناعاتي ان الله وحده يكتب تاريخ الإنسان والإنسانية ومصيره وجبروته وحضوره ورحيله وترحاله كما ابراهيم في الكتاب المقدس.

ونحن هنا على الشاطئ الفينيقي وفي الجبل اللبناني منذ مجيء المسيح الى أرض لبنان ومرور الرسل والرهبان أو على الشاطئ اللبناني أو أعالي الجبال أو سهل البقاع… وسنبقى الى نهاية الزمن نعيِّد عيد الميلاد والصلب والموت والقيامة ونقول: ولد المسيح هللويا كل عيد وأنتم بخير وفرح وسلام الى أبد الآبدين! أمين.

 

أؤمن أن يسوع حقيقة

بداية أنا أؤمن وأعتقد وأعلن أن يسوع هو حقيقة وليس ميثة أو أسطورة. إله حق وإنسان حق تجسَّد وصلب ومات وقام لأجل خلاصنا.

في عدد تشرين الثاني ـ كانون الأول 2016 نشرت جريدة Le Monde des religions موضوعاً مهماً وأساسياً حول شخصية يسوع المسيح هل هو حقيقة واقعية وجدت في التاريخ وفي الجغرافيا وفي المجتمع، وأن جميع ما عاشه وعلَّمه وأتمّه من عجائب ومعجزات، وما تحمله من آلام وعذاب وجلد وصلب وموت ومن قيامة من القبر هو أحداث تاريخية حقيقية أم هي ميثة من نسج الخيال والتوهم؟ أو خبرية لا واقع لها؟ أم هو أسطورة وحكاية مضخمة وخرافة من فيض هلوسات الدماغ وإبداعه لحقائق غير موجودة يولّدها إرضاءً لشفائه من معطوبيته وتبعيته وخوفه وعجزه وعدم أمانه واستقراره.

شخصياً لست من هذه النظرية، فإيماني وعلمي يقولان لي حقيقة يسوع التاريخية المتجسد والمولود من عذراء، وأنه صلب وعذب ومات وقبر وقام على عهد بيلاطس البنطي. وحدث يسوع حدث حقيقي وتاريخ زمني.

 

أهم المصادر التاريخية: تاسيت وبلين الصغير هيرودوتس

أهم المراجع التاريخية التي سجلها لنا بعض الكتّاب والمؤرخين هي لـ تاسيت TACITE ولـ بلين لوجن PLINE LE JEUNE، وهما من أشهر الكتاب الرومان باللغة اللاتينية. وأنا قرأت، لمعرفتي باللغة اللاتينية، نصيهما بلغتهما اللاتينية الأصلية. وهذان الكاتبان ليسا مسيحيين كمار بولس في رسائله أو مار بطرس أو كما ورد في كتاب أعمال الرسل أو كتب عنه هيرودوتس المؤرخ الكبير.

بعض يشك وبعض يؤكد

هذا الشك بحقيقة يسوع التاريخية راود بعض الكتاب المعاصرين ومنهم اللاهوتي الأميركي Robert M Price وهو ينكر حقيقة وجود يسوع «Jesus Mytheouréalité»  (page 26)، بينما يشدد ويؤكد البروفسور Joseph Hoffman على حقيقة وتاريخية وجود يسوع «Jesus Mytheouréalité» (page 26) Zérémy on dré (page 26).

 

كتاب مدروس وجرجس

ويبقى كتاب الأب د. بيتر مدروس والأستاذة ميرفت عطيه: «حقيقة المسيح ومصداقية الإنجيل» سلسلة قضايا 2، منشورات المكتبة البوليسية ـ جونيه 2015، من أهم الدراسات في اللغة العربية حول هذا الموضوع في الصفحات (17 ـ 38). وفي هذا الكتاب العلمي الشيق والهام نجد الكثير من المراجع والشواهد على حقيقة حدث وجود يسوع التاريخية والزمنية يجب قراءتها والتمعن فيها.

 

صدر أمر أوغطس قيصر… صعد يوسف ومريم الى بيت لحم

أوغسطس قيصر شخص وجد فعلاً في التاريخ وأوامره تسجل في حوليات الإمبراطورية الرومانية، ويوسف ومريم كانا في الناصرة وأطاعا أمر القيصر وصعدا الى مسقط رأسيهما بيت لحم ليكتتبا هناك. كما هي العادة عندنا في ضياعنا وقرانا اليوم، حيث نعود إليها في أفراحنا وأحزاننا والكثير من واجباتنا. هناك في بيت لحم ولدت مريم طفلها يسوع ولفته بالأقمطة وسمته يسوع.

هذه حقائق تاريخية واقعية وليست أساطير وقصصاً وحكايات وخرافات أو ميثة من الميثات  Les mythes غير الموجودة. بل هي من تخيّلات الخيال…

ثم عاد يوسف ومريم ويسوع الى الناصرة حيث عاشا هناك الى أن ابتدأ يسوع رسالته العلنية بعد عمده في نهر الأردن وظهور الروح القدس عليه بشبه حمامة وسماع صوت الآب يقول من السماء: هذا هو إبني الحبيب. ونص لوقا الإنجيلي عن الميلاد يذكر الأحداث بدقة ويذكر الأشخاص بواقعية: الرعاة، هيرودس، الملوك المجوس، وحتى الملائكة في السماء، ويسمي يوسف ومريم ويسوع.

 

الجغرافيا تتكلم

وهناك أسماء رؤساء الكهنة حنانيا وقيافا، وهناك إسم بيلاطس وهيرودس وسمعان القيراوني وقائد المئة الروماني واللص برأباس والكثير من الأسماء الواردة في الإنجيل، خصوصاً أسماء الرسل وأسماء الأمكنة صور وصيدا وكفرناحوم وأورشليم وبحيرية طبرية. فهل يعقل أن تكون أسماء الأمكنة الباقية الى اليوم أيضًا هي أسطورية، خرافية، ميثية؟ صعب علينا جدًا أن نقبل بهذا ونكذب حتى الجغرافيا.

ويبقى لنا أهم المراجع في الأناجيل خصوصاً في كتابات دانيال روبس وكارل رامز وكولمان وبولتمان وكاسيرس، والبابا بنديكتوس السادس عشر في كتابه العظيم الرائع والعميق عن يسوع الناصري، والكثير من الكتاب والباحثين والعلماء واللاهوتيين من جميع أنحاء العالم فيسوع هو موضوع إيماننا وحبنا وهو تعذب وتألم وصلب ومات وقام لأجل خلاصنا، ومن أجله استشهد الشهداء وتقدس القديسون والنساك.

 

أما نحن:

فنؤمن بإله واحد آب ضابط الكتل خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح، إبن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. إله من إله، نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وصار إنسانا، وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي. تألم ومات وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب. وصعد إلى السماء وجلس على يمين الله الأب. وأيضا يأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه… له القدرة والمجد الى أبدء الآبدين. آمين

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل