الانحياز للانتخابات

في التاريخ، وعلى مفرق في زمان لبنان، وقبل أن يتمدد مفهوم الديمقراطية ليبلغ الشرق، بمئات السنين، قرر الرهبان، في أواخر القرن السابع، اللجوء الى التصويت لانتخاب الراهب يوحنا مارون بطريركا على كرسي أنطاكية، وفي أوائل القرن الثامن عمدوا الى تبني صيغة الانتخاب، أيضا، لانتخاب رئيس عام للرهبانية. وهذا يعني أن لبنان، منذ قدم عهده، مال الى الوجه التطبيقي للديمقراطية، أي الانتخابات، والذي كان مبهما، تماما، لدى شعوب المنطقة كافة.

إن الانتخابات هي توأم الحق بالاختيار الحر، ولما كانت الحرية هي وليمة الكرامة الدائمة، كانت التورية، في هذه المسألة، ضربا من الجهالة، إنْ لم نقلْ مؤامرة مقصودة. وإذا عدنا الى واقعنا الراهن الذي اصطبغ بجريمة حذف الرأي الحر للشعب، الى الهوامش، طويلا، فلا بد من عودة غير منقوصة الى متن الوطن، للوقوف في وجه المستولين على الدولة، والكيان، والهوية، هؤلاء الذين ما توانوا عن جعل البلاد محمية مسلوبة الإدارة، والسيادة، والسلطة.

ويطرح السؤال: كيف السبيل الى مواجهة جسورة لرفض خطة استعمار لبنان، أرضا، وشعبا، ودولة؟

الواضح أن الضالعين في السلوك الانقلابية المدمر، لم يعودوا يأبهون الى التمويه، والتوريات، واللعب على أساليب الكلام، في خطاباتهم، ومقابلاتهم، وتصريحاتهم، بهدف التغطية على ما يرمون إليه من تسويق لأجندة مشبوهة، وسعي الى بسط حالة استعمارية تزج بالبلد في أتون صراعات عبثية قاتلة، لا شأن له بها. والواضح، أيضا، أن هذا الاستعمار الجديد أثبت، في مقدماته السلوكية، أنه أسوأ مما تقدمه من انتدابات شنيعة، بإ نكاره هوية لبنان، وتهميش شرعيته، لتحويله ولاية تابعة ل ” صدر أعظم ” جديد.

إن كلام تبع التيوقراطية عن الوطنية، ليس سوى أقراص منومة، أو بروباغندا براقة تستقطب خفاف الفكر، والمصفقين الباصمين والمفلسين عقليا، واللاهثين خلف مناصب وألقاب يستجدونها بإهراق كرامتهم على أعتاب المستقوين، زورا، في ساحة البلاد، وقرارها. وإذا كانت التورية قد تحولت صراحة مجاهرا بها، فهذا يعني أن مصداقية المواقف، عند أولئك، تهبط الى درْك الدهاء بكل مندرجاته، ويعني، أيضا، أن المواجهة قد فتحت على مصراعيها، ولا عودة الى الوراء.

أمام هذا الإنفضاح السافر لنوايا السوء، هل تبقى الحيادية، بمعنى الصمت اللامسؤول، هي ما ينتفع به لنيل الحظوة في الدنيا، وفي الآخرة، وطنيا؟؟ أم أن التصدي لمصادرة الوطن، بانتهاك وجوده، واستقراره، وحريته، هو المطلوب من الذين يعتبرون أنفسهم عرقا من عروق لبنان، وليسوا عبئا عليه؟

إن الثاقبي النظر يعلمون، تماما، أن الذين فتقوا أقبية القهر، ودحروا جولات القمع، لن يسمحوا بتسطيح رقابهم تحت مقصلة التطويع، فلا جواز للغيبوبة، ولا ترحيلٌ للمواجهة الى زمن آخر، ربما لن يفرج عنه، ولن يحصل! من هنا، ينبغي عدم الاستخفاف بالظاهرة الوحيدة المتاحة لقلب الطاولة، بالتأكيد، وهي الانتخابات التي تعتبر أن أسوأ السلوك هو الانكفاء عن المشاركة فيها، وبحماسة، فذلك يعد، وطنيا، من الذنوب الكبيرة.

بالانتخابات، وحدها، لن يسمح لمشاهد الترهيب أن تطل، بعد، من عيني الوطن، وأن تستمر الطغمة الفاسدة المفتونة بثقافة النهب من تصفية مقدرات البلاد، وتفقير الشعب، وأن يبقى السفاحون يستبيحون حرمات الناس، وكرامة الأرض التي حولوها مجتمع غاب تسوده الوحشية، والتخلف. إن الإنتخابات تهز العلاقة بين القبول المفروض وبين الرفض، بين الجبين المعفر بالذل وبين طعم العزة، بين التردد المغتال للحق وبين الإقدام الجريء لإنهاء عصر الجلادين…

أيها اللبنانيون، آن الوقت لتغيير قواعد اللعبة، وللانقلاب على مرافقة رفات الوطن الى قبره المفتوح، والى سحب الامتياز من مدمري الكيان ومجهضي مشروع الدولة من الأوصياء. نعم، لقد آن الأوان لتجديد صلاحية المواجهة، وصيانة إرادة الحياة، ولشل وكر الشيطان، ولن يتحقق ذلك إلا بمشاركتكم الكثيفة و”التاريخية” بالانتخابات، فهي، وحدها، كالإيمان الذي، لطالما، نقل الجبال…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل